د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 19 أكتوبر 2019 16:12

جائزة نوبل.. ومكافأة الوحشية!


لم تعد جائزة نوبل العالمية تمثل موقفا إنسانياً ينحاز للقيم العليا والأخلاق والسلام، وخاصة في جوائزها التي تمنح للأدباء والسياسيين ورجال النشاط العام. فقد سبق أن منحتها بعض الأشخاص الذين تجردوا من الإنسانية وولغوا في الدماء وسرقوا حقوق الآخرين ويعملون على حرمان الشعوب من حق الحياة. فقد منحوها مثلا للإرهابي مناحم بيجين، والسفاح شيمون بيريز، والعنصرية القاتلة أون سان سو تشي- رئيسة ميانمار(بورما)،وأخيرا وصلت إلى رئيس وزراء إثيوبيا الذي يصرّ على حرمان الشعب المصري من حقوقه في مياه النيل ليموت عطشا!
في مجال الأدب كانت الجائزة تعطى أحيانا لأدباء مغمورين، لا يمثل إنتاجهم الأدبي قيمة كبيرة، وولاؤهم للثقافة الغربية أو الصهيونية، وفي هذا العام منحت لشخص عنصري فاشي، صفق لجرائم الحرب التي ارتكبها الصرب الصليبيون المتعصبون ضد مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفا. ولم يكتف بالتصفيق بل دافع عنهم وعن جرائمهم، وشيع جنازة أكبر سفاح صربي وهو سلوبودان ميلوسيفيتش، وشهد لتبرئته أمام محكمة جرائم الحرب الدولية في لاهاي بعد أن عبر عن تعاطفه معه ووقوفه إلى جانبه.
المفارقة أن رعاة الجائزة يرون أنفسهم غير مسئولين عن سلوك الفائز أو أفكاره ولو كانت ضد الإنسانية، ولا مجال عندهم لسحب الجائزة من فائز يضرب بأهداف الجائزة عرض الحائط، فإن رئيسة ميانمار مثلا الفائزة بجائزة السلام، تقود حكومة تمارس التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينجا وتطردهم خارج الحدود بعد أن تقتل منهم ما تستطيع، ولكن هيئة الجائزة تتنصل من مسئوليتها، وترى أنها منحت الجائزة، وانتهى الأمر.
العالم الغربي في جوائزه الأقل يقوم بسحب الجائزة من بعض الفائزين إذا قيل مثلا إن أحدهم معاد للسامية، ولو كان ساميا، أو إنه يؤيد مقاطعة الكيان الصهيوني الدموي الذي يحتل فلسطين ويستعبد أهلها... فقد انتشرت، أخيرا فى ألمانيا، ما يمكن أن نطلق عليه، فوبيا منح الجوائز للمعترضين على الممارسات الإجرامية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني. وفى أقل من أسبوعين (أكتوبر 2019) قامت جوائز تمنح في ألمانيا بسحب الجوائز الأدبية والفنية من فائزين ارتكبا في زعم المانحين جريمة دعم حركة مقاطعة الكيان الصهيوني الغاصب.
في الواقعة الأولى أعلنت جائزة "نيللي ساكس" عن فوز الكاتبة البريطانية من أصل باكستاني كاميلا شمسي، بالجائزة من قبل مدينة دورتموند يوم 10 سبتمبر 2019م، قبل أن يصدر منظمو الجائزة بيانا، فى نهاية الشهر نفسه، قالوا فيه إن هيئة المحلفين غيرت رأيها بتكريم كاميلا شمسي، وأن جائزة 2019م لن تمنح هذا العام.
وقال بيان صادر عن الجائزة، إن هيئة المحلفين قررت منح الجائزة للكاتبة كاميلا شمسي لعملها الأدبي الرائع دون أن يكون أعضاء لجنة التحكيم على علم بأن المؤلفة شاركت فى إجراءات المقاطعة ضد حكومة الاحتلال بسبب ممارساتها ضد الفلسطينيين منذ العام 2014م.
وقد أدانت كاميلا شمسي القرار فى بيان نشره موقع ميدل إيست آي، وقالت إنها شعرت بالحزن بسبب خضوع هيئة المحلفين للضغوط.
أما الواقعة الأخرى فتمثلت في قيام مدينة آخن الألمانية بإعلان نيتها سحب جائزة منحتها للفنان اللبناني وليد رعد بسبب دعمه لحملة مقاطعة الكيان الصهيوني.
ولحسن الحظ فقد وجد الفنان اللبناني من يدافع عنه، ويقف في وجه سحب الجائزة لأسباب موضوعية. كان رئيس بلدية المدينة، مارسيل فيليب، أعلن فى بيان رسمي أنّ سبب سحب الجائزة التي تبلغ قيمتها عشرة آلاف يورو هو دعم وليد رعد لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والضغط على حكومة الاحتلال لمنح المساواة للمواطنين الفلسطينيين. وقد رفض "مجلس لودفيج للفن الدولي" تنفيذ القرار، معلنًا أن جائزة عام 2018م ستظل حاملةً لاسم وليد رعد. وأعلن المجلس أنّ أعضاءه لم يتمكّنوا من العثور على أى دليل يثبت أن رعد كان معاديًا للسامية، وفى مقابلة مع المجلة الألمانية "Deutschlandfunk"، قال المدير التنفيذي للمجلس إن المتحف حصل على الدعم والتمويل لمنح الجائزة، ولم يكن بحاجة إلى إذن من بلدية المدينة لتقديمها لرعد.
بيد أن حصول الكاتب المسرحي والروائي والشاعر النمساوي بيتر هاندكه على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام 2019م، كان وصمة عار في تاريخ الجائزة ومانحيها، وقد أثار موجة كبيرة من الغضب والحنق لدى أصحاب الضمير الإنساني في الأوساط الأدبية العالمية والمحلية. لقد سوّغت الأكاديمية السويدية اختيار هاندكه بأنه جاء تقديرًا "للعمل المؤثر الذي اكتشف براعة لغوية في أعماله وخصوصية التجربة الإنسانية"، وتجاهلت الجائزة تاريخ هاندكه وتجربته في دعم الصرب الذين فجّروا حرب يوغسلافيا العنصرية الدموية في التسعينيات، وإنكار المذابح الوحشية التي تمت في هذه الحرب، وهو ما عدّه كثيرون أمرًا غير خلقي وغير قابل للتبرير، فهو قريب جدًا من الزعيم الصربي العنصري السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتشا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، مع أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ "زلة اللسان".
وهناك سؤال تم طرحه بعد إعلان الأكاديمية السويدية عن فوز هاندكه: لماذا استبعدت اسمه طوال سنوات؟ وما الذي استجد الآن ليجعلها تغيِّر موقفها؟ وهل يمكن أن يكون هذا الاختيار أحد تداعيات صعود اليمين الصليبي المتطرف في أوروبا؟ وماذا لو كان الكاتب متعاطفًا مع خصوم السامية مثلًا هل سينال الجائزة؟ وإلى أي درجة تشفع الأعمال «التي غاصت في عمق التجربة البشرية، مدعومة ببراعة لغوية» مساندة الفاشية أو الوحشية في أعتى صورها؟
لقد قوبل فوز هاندكه بموجة انتقاد ورفض واسعة، ومن العجيب أنه نفسه اندهش من الفوز، و قال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار "شجاع جدًا من قبل الأكاديمية السويدية". وقد أعرب الناقد رون شارليز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استيائه من الجائزة قائلًا عن محاولات الأكاديمية استعادة الثقة في الجائزة: "هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم." مشيرًا إلى أن الجائزة من المفترض أن يكون لها دور كبير في تسليط الضوء على الأدباء من الأماكن التي لا تحظى بالمتابعة الكافية على الرغم من وجود قامات أدبية بها، وكان من الممكن الاحتفاء بهم وبالتالي إعادة الثقة في المؤسسة. ونقل الموقع الالكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية BBC ما كتبه وزير خارجية ألبانيا "جنت كاكاج" على تويتر: "إن الجائزة كانت مخزية وتم منحها لـ "منكر للإبادة الجماعية"، وما كتبه رئيس الوزراء الألباني "إدي راما": "لم أفكر أبدًا في أنني سأشعر بالتقيؤ بسبب جائزة نوبل"، بينما قال رئيس كوسوفو "هاشم باتشي": "قرار جائزة نوبل جلب ألمًا هائلًا إلى عدد لا يحصى من الضحايا".
ومن الطريف أن جريدة الجارديان في عام 1999م، نقلت وصف الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي لبيتر هاندكه بـ "معتوه العام الدولي" على خلفية "سلسلة من اعتذاراته العاطفية عن نظام الإبادة الجماعية الذي نفّذه سلوبودان ميلوسيفيتش"، وبعد الإعلان عن فوز هاندكه بنوبل، نشرت الصحيفة ذاتها تصريحا لرشدي قال فيه: "ليس لدي ما أضيفه اليوم ، لكنني سأبقى على ما قلته سابقًا".( يشير إلى تصريحه السابق عام 1999م).
قال المؤلف هاري كونزرو: "هاندكه خيار مضطرب بالنسبة للجنة نوبل التي تحاول وضع الجائزة على المسار الصحيح بعد الفضائح الأخيرة، إنه كاتب جيد، يجمع بين البصيرة العظيمة والعمى الخلقي المروع".
وحسنا فعل الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب الذي أصدر بيانا يرفض فيه منح جائزة نوبل فى الآداب لعام 2019م للكاتب اليميني والمتطرف النمساوي بيتر هاندكه.
تجدر الإشارة إلى أن الجوائز الأدبية بصفة عامة، المحلية والعالمية، صارت رهينة بأهدافها غير المعلنة من الجهات المانحة، وهو ما نراه في حصول بعض من لا يستحقون علي الجوائز المرموقة والمتواضعة، ولعل القراء يذكرون ذلك الشاعر العربي الطائفي الذي ما زال يتقرب إلى مانحي نوبل بإهانة الإسلام وتجريمه على مدى تاريخه أملا في الحصول عليها، ولكنهم مازالوا ينتظرون منه المزيد! وقد صرح أحد الكتاب العرب ذات يوم أن من يعارض سياسة بلاده لن يحصل على الجائزة المرموقة التي تموّلها حكومته!
لقد صارت الجوائز الأدبية في كثير من أنواعها رشوة غير مقنّعة، لكسب الولاءات وتغيير الذمم، وتسويغ الوحشية!
***

الإثنين, 02 سبتمبر 2019 14:24

لماذا تتحرش الهند بالمسلمين؟

في الأسابيع الأخيرة، قامت الهند صديقة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز على عهد جواهر لال نهرو ببعض الخطوات العدائية ضد المسلمين على المستوى العام والفردي.

أولاً: ألغت قرار الأمم المتحدة المتعلق بجامو وكشمير، وأغلقت الباب في وجه الحل السلمي للإقليم المتنازع عليه، وتبع ذلك اعتقال أعداد كبيرة من المسلمين وقياداتهم، وفرض حظر التجول مع إجراءات قمعية وتعسفية ضد السكان، فضلاً عن الاشتباك مع جنود باكستانيين في القسم الآخر من الإقليم التابع لباكستان ووقوع ضحايا.

ففي 5 أغسطس 2019م، ألغت الحكومة الهندية بنود المادة (370) من الدستور، التي تمنح الحكم الذاتي لولاية "جامو وكشمير"، الشطر الخاضع لسيطرتها من الإقليم، كما تعطي المادة الكشميريين وحدهم في الولاية حق الإقامة الدائمة، فضلاً عن حق التوظيف في الدوائر الحكومية، والتملك، والحصول على منح تعليمية.

ويرى مراقبون أن الخطوات الهندية من شأنها السماح للهنود من ولايات أخرى بالتملك في الولاية، وبالتالي إحداث تغيير في التركيبة السكانية للمنطقة، ونزع صفة الإسلامية عنها بإيجاد أكثرية هندوسية.

ثانياً: بدأت الهند في عمليات التهجير القسري لإقليم آسام (شمال شرقي البلاد) الذي تسكنه أعداد كبيرة من المسلمين، بحجة توثيق الجنسية، وألزمت المسلمين الإثبات بالوثائق أن أجداد الشخص مولودون في الهند، وليسوا مهاجرين من بنجلاديش بعد تفكيك الباكستان عام1971م، وهو أمر من الصعب إثباته، مما يعرض صاحبه إلى الترحيل من البلاد ولو كان في الحقيقة هندياً قحاً.

وقد أقصت سلطات ولاية آسام نحو مليوني شخص عن قائمة المواطنين ضمن حملة "إثبات الجنسية" الموجهة ضد المسلمين، وأكد منسق السجل الوطني للمواطنين في الهند براتيك حاجيلا أن القائمة النهائية التي نشرت في 31 أغسطس2019م، تضم 31.1 مليون من سكان الولاية وتستثني منهم 1.9 مليون نسمة، وتنوي الحكومة تقديم تسهيلات للأقليات الدينية الأخرى، مثل الهندوس والبوذيين والمسيحيين، لا تنسحب على المسلمين.

ثالثاً: تزايدت عمليات قتل المسلمين من جانب الهندوس في عمليات تحرش مقصودة ولأسباب تافهة، لدرجة أن مجموعات هندوسية تقوم بقتل شخص مسلم بالضرب المبرح دون رادع من الأمن أو القانون، ويسهم في ذلك الحركة القومية الهندوسية التي يشجعها رئيس الوزراء ناريندرا مودي المتعصب الذي يعلن جهاراً نهاراً في شتى المناسبات عن عدائه للمسلمين، والحركة القومية الهندوسية التي ينتسب إليها بالعضوية وما زال رئيس الوزراء وبعض أعضاء الوزارة تبدي إعجابها بطغاة مستبدين مثل موسوليني، وهتلر.

وتبدو الأمور في طريقها إلى تصعيد يخسر فيه المسلمون الكشميريون والهنود حريتهم ووطنهم وأمنهم، ولا يخفى على المراقب أن علاقة وثيقة صارت تربط بين الحزب اليميني الحاكم في الهند مع الكيان الصهيوني الغاصب، والولايات المتحدة والروس، وتشمل هذه العلاقة التزويد بأحدث الأسلحة وإقامة المشروعات الاقتصادية العملاقة، وهو ما يشي بمزيد من المتاعب للمسلمين مستقبلاً.

وإذا عرفنا أن بعض الدول العربية تؤيد الهند علناً، وأخرى تدعمها باستثمارات ضخمة تصل إلى عشرات المليارات، وأن باكستان تقف وحيدة في الميدان بدعم خافت من الصين، فإن المسلمين في جامو وكشمير والهند تنتظرهم أيام صعبة بلا ريب.. لم تملك باكستان غير تخفيض علاقاتها الدبلوماسية مع الهند، وسحب سفيرها من نيودلهي، وأوقفت التبادل التجاري معها، وهو ما شكل ضربة موجعة للسياسة الهندية العنصرية المتمسكة بعدائها للمسلمين، والمصرة على إذلالهم!

وقد تحدث رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان عن الأزمة، فدعا الهند إلى الحوار، وناشد العالم التدخل لمنع اشتعال حرب نووية كبرى ستحدث آثاراً مؤلمة لا يعلم مداها إلا الله، ودعا خان المجتمع الدولي إلى التفكير في مزايا التجارة والأعمال، بدلاً من الحرب بين دولتين نوويتين، وإلى الحوار والمفاوضات في سبيل إنهاء معاناة الشعب الكشميري، وهو ما أكده لاحقاً وزير خارجية باكستان شاه محمود قريشي، حيث أعرب في حوار أجراه مع شبكة "بي بي سي" البريطانية عن استعداد بلاده للتحاور مع الهند، شرط موافقة نيودلهي على تخفيف حدة التوترات في إقليم كشمير.

وأوضح أنه "إذا أقدمت حكومة نيودلهي على رفع حظر التجوّل المفروض منذ 4 أشهر في المناطق الخاضعة للاحتلال الهندي بإقليم كشمير، وحسّنت من أوضاع سكان تلك المنطقة، وأخلت سبيل القياديين في كشمير وسمحت لهم بلقائي.. عندها يبدأ الحوار بين باكستان والهند".

وجدد تأكيده أن إسلام آباد كانت ومازالت تؤيد فكرة حل الخلافات بالحوار، وأن الهند الطرف الذي يرفض الجلوس على طاولة المحادثات.

كما أكد وزير الخارجية الباكستاني عدم رغبة بلاده في خوض حرب مع الهند، وشدد في الوقت ذاته أن قوات بلاده مستعدة لأي احتمال.

إن المسلمين في جامو وكشمير والهند تحت قبضة التعصب الهندوسي العنصري، ودعم العالم الغربي والصهيونية وروسيا للهند، وتجاهل العالم الإسلامي للمحنة الإسلامية، ومشاركة بعض دوله في تأييد الهند ومساندتها اقتصادياً، وهو ما يوجب على الشعوب الإسلامية أن تخاطب الهند باللغة التي تفهمها، فلديها تجارة واسعة مع التجار العرب والمسلمين، ولديها عمالة ضخمة في البلاد العربية، وهناك احتياجات اقتصادية أخرى للهند في عموم البلاد الإسلامية، أظنها كفيلة بجعل السيد مودي، رئيس الوزراء الهندي، يراجع نفسه.

 

يصر الاحتلال الروسي مع النظام الاستبدادي في دمشق وأتباعه على تزييف الواقع واستخدام المصطلحات الكاذبة للتعبير عن استبدادهم وقتلهم للشعب السوري وتشريده في أرجاء الأرض. فهم مثلاً يعدّون ثورة الشعب السوري منذ2011م على الاستبداد والقهر وطلب الحرية والكرامة والعدل، صراعاً بين الحكومة الشرعية والإرهابيين وما يسمى الجماعات المتطرفة، ويزعمون أن هذه الجماعات لو وصلت إلى الحكم ستقضي على الوجود المسيحي في سورية والبلدان المجاورة، وبناء عليه يرون أن المسيحيين دعموا النظام في دمشق خوفاً على وجودهم.. ويرتب الروس والنظام وأتباعه على هذه الرؤية الفاسدة، أن التدخل الروسي كان "حربا مقدسة"- أي صليبية ضد الإرهاب، أي ضد الإسلام، وليس لحماية المسيحيين فقط كما عبر الأنبا "كيريل" رئيس الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو، وهو يودع الفوج الأول من الغزاة الروس الذين احتلوا سورية مع آخرين بعد أن دعاهم النظام في دمشق، وأضاف القوم إلى ذلك أنهم يحمون المسلمين المعتدلين ممن يؤمنون بالتعايش السلمي بين كافة الديانات!  

بيد أن الناطق الرسمي الروسي باسم قاعدة حميميم المحتلة في غرب سورية واسمه الكسندر إبفانوف صرح أخيرا في 23/7/2019 وفقا لموقع "القوات اللبنانية" (المعبرة عن المارون)؛ أن القوات الجوية الروسية تشن “هجمات مركزة ومكثفة على مقاطعة إدلب ردا على قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة”.

وقال، إن “دخولنا إلى سوريا هو لحماية المسيحيين فقط(؟؟!)، لكن رغم كل هذا القصف تستمر المجموعات الإرهابية بالاعتداء على محردة، يجب أن نجد حلاً سريعاً لهذا الأمر”.

لم يمر تصريح ألكسندر إيفانوف مرور الكرام، ولم يتقبله المسيحيون، حين رأوا فيه فتنة بينهم وبين المواطنين المسلمين الذين يعيشون في كنفهم، فقد استنكرت “منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام” تصريحات الضابط الروسي، مؤكدة أن القوات الروسية لم تكتف “بعمليات القصف والتدمير والتهجير الممنهج للسوريين طيلة السنوات الماضية دعماً لنظام الأسد، المتهم بانتهاكات إنسانية وباستخدام أسلحة محظورة عالميا، بل دأبت على زرع الفتنة بين أبناء الشعب السوري باستمرار، عبر ادعاءاتها حماية المسيحيين في الشرق حينا والمسيحيين في سوريا حينا آخر، تبريراً لعمليات القصف”.

وأوضحت المنظمة أن تصريحات إيفانوف “تحمّل السوريين المسيحيين الأرثوذكس وزر عمليات القصف الأخيرة في إدلب”. واستنكرت المنظمة “هذه الادعاءات الكاذبة”، مضيفة: “نوضح للرأي العام السوري أن روسيا تتدخل في سوريا لدعم بقاء نظام الأسد في السلطة فقط، وهو نظام انتهك حقوق المسيحيين السياسية والمدنية طيلة عقود، وتسبب بتهجيرهم" وحذرت المنظمة من أن “هذه التصريحات الأسدية/الروسية تعرض حياة المسيحيين للخطر المباشر، بوصفهم فاعلين في التسبب بالعنف على إخوتهم وأبناء بلدهم، في حين أنهم لم يكونوا يوما كذلك”.

وطالب البيان كلا من "القوات الروسية والأسدية بإبعاد الراجمات المختبئة خلف منازل المدنيين في محردة حفاظا على حياتهم، ونرفض حماية نظام الأسد المفرط في الإجرام وحليفته روسيا”.

قبل هذا التصريح بأيام أقام الروس وصديقهم الأسد مجزرة بشعة في بلدتي معرة النعمان وسراقب راح ضحيتها عشرات المدنيين، وأخذ وزير الدفاع الروسي يتنصل من المجزرة، ومن قتل أهلها البسطاء الأبرياء، ولكن ألكسندر من حيث أراد الفتنة أثبت الجريمة على قوات الاحتلال الروسي، وأن قواته ارتكبتها حسب زعمه لحماية المسيحيين في محردة! وبقي تصريحه محاولة رخيصة لبث الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع الكراهية والبغضاء في نفوسهم.   

الادعاء بحماية المسيحيين حجة استعمارية قديمة رددتها حكومات الاستعمار الغربي، وخاصة بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا.. والمسيحيون لم يطلبوا من أية قوة استعمارية حمايتهم، لأنهم يعيشون مثل غيرهم من المسلمين في أمن واطمئنان، بل يحظون في بعض الأحيان بامتيازات لا يحظى بها المسلمون أنفسهم، وخاصة في المجال الاقتصادي والمهني. ويكافحون الطغيان والاستبداد مع المسلمين. هذه حجة مكشوفة ومفضوحة ولا تنطلي على عقل سليم، لأن المسيحيين عانوا من الاستعمار ووكلائه من أهل البلاد على مر العصور، بل إن المسيحيين الذين انضموا للاستعمار كانوا خونة، ولم يعبروا عن الطائفة.

ونحن لا ندرى معنى مصطلح المسلمين المعتدلين أو غير المعتدلين، لأن هذا المصطلح لا نظير له بين اليهود والنصارى، فهل يقصدون بالمسلم المعتدل ذلك الذي يتخلى عن حريته ويرحب بالاحتلال، ويقبل بثقافة غير ثقافته الإسلامية؟ إما أن يكون الشخص مسلما أو غير مسلم. فالمسلم له خصائص ومعالم وملامح دينية وسلوكية وقيمية، إذا انحرف عنها كان له حسابه عند الله، أو ولي أمره. اما المعتدل وغير المعتدل، فاختراع استعماري، يماثل اختراعهم الشرير: الإرهاب الإسلامي، بينما لا يستطيع أحد أن يتحدث عن الإرهاب المسيحي، والإرهاب اليهودي، والإرهاب البوذي، والإرهاب الهندوسي، والإرهاب الشيوعي...

إن شيطنة المسلمين وزرع الفتنة بينهم وبين أهل الوطن من غير المسلمين لعبة قديمة طالما لجأ إليها المحتلون الغزاة ليسوّغوا جرائمهم، وهيمنتهم، ونهبهم للشعوب الإسلامية الضعيفة.. وما روسيا الاتحادية إلا كيان استعماري غربي فيه وحشية الاستعمار وعدوانيته وهمجيته، وما زال التاريخ يحفظ مجازر روسيا الوحشية في أفغانستان والشيشان والقرم والدول الإسلامية الأخرى في وسط آسيا، وأخيرا كان الإرهاب الروسي الوحشي في سوريا حيث قصف بطائراته الأسواق والمستشفيات والمدارس والمساجد والبيوت السكنية، وقتل عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء البسطاء الذين لم يفكروا يوما في حمل السلاح أو مواجهة نظام البراميل الإرهابي والكيماوي المجرم.

إن روسيا تسعى اليوم بكل قوة لوراثة النظام الاستعماري الغربي أو مشاركته على الأقل في قهر الشعوب الإسلامية، واستغلال موقعها الاستراتيجي، ونهب ثرواتها وابتلاع دخولها في صفقات سلاح بائسة أو مشروعات لا عائد من ورائها، وفوق ذلك تعمل من خلال روح صليبية همجية لدق الأسافين بين أبناء الشعب المسلم الواحد، وزرع الفتن والإحن، وسحب زعامة الأرثوذكس من المنطقة العربية.

لقد ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن مجموعات روسية من رجال الدين، وجماعات إغاثية، وموظفين حكوميين، يعملون بهدوء لتعزيز علاقاتهم مع المكونات المسيحية في سوريا! وقالت الصحيفة، إن القادة الروس يستغلون المناسبات الدينية المسيحية ضمن خطة أقرها الكرملين، لتعميق الروابط الاستراتيجية مع المسيحيين السوريين.. كما تلعب روسيا على نقطة إعادة إعمار الكنائس التي دمرتها الحرب، وتركز روسيا نشاطها على بلدة معلولا، البلدة المحفورة داخل الصخور في الجبال الواقعة شمال شرق دمشق، التي اعتاد الحجاج المسيحيون الحج إليها من جميع أنحاء العالم لزيارة "دير مار تقلا". وقيل إن هناك مخططا لإقامة فندق في معلولاً حيث تعد آخر المدن في العالم التي لا تزال تجيد اللغة الآرامية التي ينسب إلى السيد المسيح عليه السلام التحدث بها.

وإذا عرفنا أن رأس النظام السوري وصف قائد الاحتلال الروسي فلاديمير بوتين أنه "المدافع الوحيد عن الحضارة المسيحية الذي يمكن الاعتماد عليه"، فلنا أن نفهم المخطط الروسي لفصل الطائفة المسيحية عن محيطها الطبيعي، فضلاً عن تمزيق الوطن الذي كان في يوم ما عاصمة للعالم، لأنه كان عاصمة الخلافة الإسلامية.

  إن جرائم روسيا في سورية مضافة إلى جرائم العالم الغربي، والمعسكر الطائفي، وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، مما حتم أن يفيق العرب والمسلمون، ويستيقظوا لمواجهة أخطر حملة في التاريخ لإزاحتهم من الوجود، وهم يملكون القدرة على المواجهة حين يحتكمون إلى كتاب ربهم، ويقيمون منهجه في العدل والشورى والعمل المتقن وتطهير أنفسهم من الفرقة والتواكل والاعتماد على غير الله.

***

أينما ولّيت وجهك في عواصم العرب والمسلمين تجد حضوراً اقتصادياً مكثفاً لدولة الصين الشيوعية، بدءاً من المشروعات الكبرى لشق الطرق واستثمار المزارع والمصانع وإدارة المؤسسات التدريبية والتعليمية المختلفة، إلى التوريدات والمحلات التي تكتظ بالسلع والبضائع الصينية التي تلبي حاجات الناس في المجالات كافة، ما يحتاجه المطبخ والمدرسة والجامعة والمصنع والمزرعة..

يأتي المندوبون من بكين والمدن الأخرى إلى عواصم العرب والمسلمين ويعودون محملين بعقود مالية ضخمة، ويذهب الأذكياء والفهلوية من تجار العرب فيتعاقدون على ملء السفن بالبضائع الرخيصة البسيطة التي يكسب تجار الصين من ورائها عشرات الملايين، كما يتوجه إلي عاصمتهم مئات الآلاف من المرضى الذي يزرعون الكبد أو القلب أو يعالجون من أمراض مزمنة!

مئات الملايين من الدولارات التي يملكها العرب والمسلمون تدخل بطريقة شبه يومية إلى جيوب الحكومة الصينية وتجارها، ومع ذلك لا تخدم الصين قضية عربية أو إسلامية واحدة، لأن أصحاب الملايين العرب والمسلمين لا يتحدثون عن قضاياهم ومصالحهم العامة، إنها علاقة بين تاجر ذكي ومليونير ذاهل! التاجر يخدع المليونير بالكلام ويضحك عليه ويستنزف ما يملك! والمليونير مشغول بحياته اللاهية البائسة، لا يتذكر ما يفرضه الدين وما توجبه الأخلاق، وما تحتمه الأخوة والمروءة والإنسانية.

تعلن الصين الشيوعية أنّ "الإسلام مرض أيديولوجي"، وتقود حرباً غير متكافئة ضد أقلية الأويجور المسلمة لتمحو إسلامهم، وتمزق وجودهم في مناطقهم فتفرقهم في مناطق أخرى لينسوا إسلامهم وعقيدتهم وحضارتهم.

لقد هدمت الصين كثيراً من المساجد وحرّمت على مسلمي الأويجور ملابسهم التقليدية التي يؤدون بها الصلاة بالإضافة إلى تحريم الحجاب والنقاب، كما حرّمت عليهم اقتناء القرآن الكريم، وأفادت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن مصادر أويجورية بالمنفى أن السلطات الصينية أمرت أقلية الأويجور بتسليم جميع المصاحف وسجاجيد الصلاة أو غيرها من المتعلقات الدينية، وإلا سيواجهون "عقوبة"، لقد منعتهم السلطة الشيوعية من دفن موتاهم بالطريقة الإسلامية، وفرضت عليهم إحراق جثثهم على الطريقة الصينية!

وأخيراً كانت الطامة الكبرى باحتجاز نحو مليون مسلم أويجوري فيما يسمى مراكز "مكافحة الإرهاب"، بالإضافة إلى إجبار مليونين آخرين من مسلمي الأويجور على حضور معسكرات ما يسمى إعادة التأهيل للتلقين السياسي والثقافي، وتعلّم لغة الماندرين الصينية وتلاوة مدائح للحزب "الشيوعي الصيني"، ولم يسلم الأطفال من طغيان الحزب الشيوعي الصيني، الذي أقام أيضاً معسكرات ومدارس يُفصل فيها الأطفال المسلمون الأويجور، عن عائلاتهم ولغتهم ودينهم وثقافتهم، كما أشارت إلى ذلك لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة.

إن حملات القمع التي تشنها الحكومة الصينية الشيوعية ضد مسلمي الأويجور ما زالت متواصلة مع استنكار الأمم المتحدة وبعض الدول وأصحاب الضمير في العالم، وكثيراً ما خرجت من وراء سور الصين مآسٍ عديدة، وجرائم وحشية ضد المسلمين في شينجيانج (تركستان الشرقية) وغيرها، وعلى سبيل المثال:

يحكي تور جونجان (44 عاماً) إلى أنه "كان يملك محلاً للمجوهرات، وكان يسافر بانتظام بين تركيا والصين على مرِّ أربع سنوات، وفي إحدى هذه الرحلات في منتصف العام 2017م، ألقي القبض على أفراد عائلته دون أي تفسير وجُمِّدت حساباته البنكية".

يقول جونجان: "ليس لديّ ما أخسره بعد أن اعتقلوا زوجتي بلا سبب، ولا أعرف مكان طفلي الصغيرين التوءم وولدي المراهق".

ويضيف: "كل ما نريده هو السلام والأمن والديمقراطية والحرية، يُقدِّم أمثالي ممَّن يعيشون خارج الصين وفقدوا التواصل بأفراد أسرهم، تضحياتٍ هائلة من أجل السلام".

لقد أعربت الأمم المتحدة أكثر من مرة عن قلقها بعد ورود تقارير عن اعتقالات جماعية للأويجور، ودعت لإطلاق سراحهم وإخراجهم من معسكرات ما يسمى "مكافحة الإرهاب"، تعترف بكين باعتقال بعض المسلمين ولكنها تزعم أنهم متشددون يدعون للانفصال عن الصين وإثارة الاضطرابات، ولكن المعتقلين كثرة كاثرة من الأئمة وعلماء الدين والموظفين والمعلمين والتجار والنساء والشباب، وجريمتهم أنهم يرفضون الإلحاد، ويمتنعون عن الاستسلام لإرادة الحزب الشيوعي.

لقد كان الأويجور في أوائل القرن العشرين يتمتعون بالاستقلال، ولكن بكين الشيوعية أخضعت مناطقهم بالكامل لسيطرتها عام 1949م.

واليوم يهدف الشيوعيون إلى مسح ذاكرتهم وهويتهم وتاريخهم تماماً حتى لا يرفعوا صوت الأذان في بلادهم المحتلة.

إن الصين الشيوعية تعتمد في حملة القمع والإذابة على الحجة البليدة الرخيصة التي ترفعها دول وحكومات قمعية في أرض الإسلام وخارجها، وهي الإرهاب لتقضي على المسلمين الأبرياء، وتستأصل الإسلام من جذوره في نفوسهم وأفئدتهم.

من المفارقات العجيبة والغريبة أن سفراء 22 دولة غير إسلامية لدى الأمم المتحدة منها أستراليا وكندا وبريطانيا وفرنسا واليابان وألمانيا، قاموا بالتوقيع على رسالة لمسؤولي حقوق الإنسان في المنظمة الدولية، تدين ممارسات حكومة بكين الشيوعية ضد مسلمي الأويجور في تركستان الشرقية، بينما قامت 11 دول عربية -ضمن 37 دولة أخرى- بتوجيه رسالة إلى الأمم المتحدة تدعم فيها سياسة بكين تجاه مسلمي الأويجور، وتشيد بما وصفته إنجازات الصين في مجال حقوق الإنسان، وتزعم الرسالة النكدة أن الصين الشيوعية الظالمة تواجه تحدياً خطيراً يتمثل في القضاء على الإرهاب والتطرف في الإقليم.

وتجاهلت الدول العربية الإحدى عشرة ومعها بقية الدول السبع والثلاثين، ما يعانيه المسلمون الأويجور في تركستان من قمع واضطهاد وقهر تحدثت به الركبان، وأشارت إليه لجان الأمم المتحدة، بل وتشيد بما تسميه إنجازات صينية في مجال حقوق الإنسان!

لماذا يا دول العرب الإحدى عشرة تخذلون أشقاءكم، وتؤذونهم بدعم جلاديهم، بينما دول غير إسلامية تقف إلى جانبهم وتدعمهم؟!

لماذا نسيتم تعاليم الإسلام في نصرة المظلوم؟ لماذا لا تقفون مع الحق والجانب الضعيف المظلوم؟ هل قرأتم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضُهُ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَتُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ" (أخرجه البخاري وأبو داود والبيهقي).

لماذا لم تسكت الدول العربية إذا لم تكن تود نصرة الأشقاء المسلمين؟ "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" (رواه البخاري، ومسلم).

لم تعد حكاية مسمار جحا المسماة بالإرهاب تنطلي على أصحاب العقول، لأن الإرهابيين في معظم الأحيان لا يصيبهم أذى ولا عقاب، الأذى ينزل بالأبرياء والمظلومين.. هل نذكر لكم آلاف الضحايا الذين قتلوا بأشد أنواع الأسلحة فتكاً تحت لافتة مكافحة الإرهاب في بلاد العرب والمسلمين؟

للأسف لم يقتصر الأمر على الحكومات، ولكنه انتقل إل بعض القوى العلمانية والملحدين وخصوم الإسلام، الذين يرددون كلاماً رخيصاً يدعي أن الإرهابيين والمتشددين تسللوا إلى قلب الأويجور فحرضوهم على الثورة! كيف يثورون وهم في المعتقلات والسجون وتحت القمع الدموي الذي لا يرحم؟

إني أناشد التجار والأفراد والشركات والمؤسسات الذين يملكون ضميراً إنسانياً حياً أن يقاطعوا الصين اقتصادياً، حتى تفيء إلى الصواب، وترفع يدها عن الأشقاء المسلمين في تركستان الشرقية.

أما الحكومات فأمرها إلى الله، لأن الشعوب العربية لم تعد تملك إزاءها شيئاً بعد أن قويت قبضتها، وصارت حساسيتها مفرطة ضد كل ماله علاقة بالإسلام، ونطلب من الله الرحمة واللطف.

عندما أجهش الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي على شاشة التلفزيون وهو ينعى الرئيس الشهيد محمد مرسي، كانت الأبواق المأجورة المعادية للإسلام والأخلاق والحرية تتجاوز التقاليد الإسلامية والأعراف الشعبية التي تفرضها حالات الموت، فراحت تسبّ الشهيد، وتنال منه، وتكذب على الله والناس، وتنفذ تعليمات بائسة بالتشويش على مشاعر الأمة التي اهتزت في كل مكان لاستشهاد الرئيس، لدرجة أن إحدى المذيعات قرأت الخبر الذي أرسل إليها حول الحادث، واختتمت بجملة خارج السياق: "تم الإرسال من جهاز سامسونج"! في إشارة لا تخفى على الجهة التي أرسلته!

أياً كان الخلاف السياسي أو الاجتماعي أو العقدي بين الناس في المجتمع المسلم، فهو يتوقف عند جلال الموت، أياً كان الميت وأياً كان انتماؤه.

أحزنني أن القوم يعيّرون المسلمين ويتهمونهم دائماً في حملات محمومة أنهم لا يعزّون الكفار والنصارى واليهود، ويرتبون على ذلك أحكاماً جائرة وظالمة، وهو كلام له غرض وهوى، فإذا افترضنا جدلاً أن محمد مرسي واحد من هؤلاء فلماذا لا يسمحون بالتعزية فيه، والمشاركة في تشييع جنازته أو الصمت على الأقل احتراماً لجلال الموت؟

والأغرب أن وكالات الأنباء حملت خبر اعتراض نائبة في برلمان عربي على "قراءة الفاتحة والترحم على مرسي"، وطالبت النائبة العلمانية بعدم "أخونة" البرلمان، ودعت إلى تصنيف من دعا إلى قراءة الفاتحة وكتلته حركة إرهابية، قراءة الفاتحة "أخونة" و"إرهاب"؟ أي خلل أصاب العقل العربي؟ وأيّ غلّ يحكم خصوم الإسلام؟

الأعجب من هذا أن يتصدى للحديث عن رحيل الرئيس الشهيد واحد من علماء السلطان الذي لم يتورع في نفاقه الفج عن وصف بعض المسؤولين بالأنبياء، فيقول عن مرسي رحمه الله: "لا شماتة في الموت، مفيش شماتة بس في ارتياح وراحة قلب"!

ما راحة القلب التي يقصدها عالم السلطان المنافق؟ هل كان الرجل يقتل الأبرياء؟ هل كان يحشر عشرات الآلاف في السجون؟ هل كان يحارب كل من يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ويطارده؟ هل كان يخص نفسه أو أناساً بعطايا الدولة وأموالها؟

لقد ظل في مسكنه الخاص طوال فترة رئاسته، ولم ينتقل إلى القصر، وكان يمضي بسيطاً بين الناس، ولم يتقاض مليماً واحداً من منصبه الرئاسي، وكان معاونوه من المتخصصين الذين يستدعيهم لدراسة بعض القضايا أو التشاور في بعض الأمور لا يشربون في القصر الجمهوري غير الشاي فقط، وتصدق بعرضه فلم يحاسب السفلة والأوغاد الذين كانوا ينالون منه في الإعلام والصحافة، ولم ينم ذات ليلة إلا بعد أن أصدر قراراً بقانون ليمنع حبس صحفي سافل أساء إليه إساءة بالغة!

من أي شيء يستريح قلب عالم السلطة وفقيه الشرطة الذي طوع الإسلام لإرادة المستبدين وأعداء الحرية والإسلام؟

لقد عومل الرئيس الشهيد معاملة لا تليق بإنسان فضلاً عن رئيس انتخبه الشعب في أول انتخابات نزيهة عرفتها مصر وآخرها أيضاً، واحتُجز، كما قالت المفوضية العليا لحقوف الإنسان، في حبس انفرادي لفترات طويلة، وهناك مخاوف بشأن ظروف احتجازه، وقال المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل: أي وفاة مفاجئة في أثناء الاعتقال يجب أن يتبعها تحقيق سريع وحيادي وشامل وشفاف من جانب هيئة مستقلة لتوضيح سبب الوفاة.

لقد وصفت جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة!) التي ينتمي إليها مرسي الوفاة بأنها «جريمة مكتملة الأركان» وطالبت بإجراء تحقيق دولي، والسؤال هو: هل يستجيب أحد لإجراء هذا التحقيق؟ لقد أعلنت إدارة ترمب أنها علمت بوفاة مرسي، وليس لديها أي تعليق، أي إنها توافق ضمناً على إغلاق ملفه! فأمريكا والغرب واليهود يريدون طيّ ملف الإسلام وكل ما يمت إليه بصلة، ولا يجدون حرجاً في استئصال الحرية في كل بلاد المسلمين؛ لأن الحرية أو الشورى أو العدالة تزعجهم وتسبب لهم حرجاً وصداعاً يتطلب المواجهة، وهم ممتنّون لمن يوفر عليهم هذ المواجهة!

صرح المحامي عبدالمنعم عبدالمقصود، الموكل عن مرسي: «الرئيس مرسي منذ فترة مريض وتقدمنا كثيراً بطلبات لعلاجه بعضها تم الاستجابة له وبعضها لا».

لقد تمنى الناس أن يعامل مرسي في معتقله مثل أي محكوم، ولكن محكومي المخدرات كانوا أسعد حظاً منه، فهم يستطيعون رؤية ذويهم كل أسبوع، ويمكنهم الحصول على ما يريدون من أطعمة وأغراض بطريقة رسمية أو غير رسمية، أما مرسي فقد ظل منفرداً في محبسه، ولم يلتق بأحد طوال سنوات ست إلا مرتين أو ثلاثاً، حيث رأي بعض أفراد أسرته.

في موضوع يحمل عنوان "مبارك يستمتع بتقاعده بعد 30 سنة من الدكتاتورية.. ومرسي الديمقراطي يموت سجيناً"، قارنت مجلة "إيكونوميست" بين الرئيس المنتخب بطريقة ديمقراطية ومبارك الذي ظل بالقوة على سدة الحكم ثلاثين عاماً، وذكرت أن القضية ضد محمد مرسي التي مضى عليها ستة أعوام أخذت منذ وقت طويل منحى يشبه العالم الكابوسي للروائي فرانز كافكا، ففي كل أسبوع كان على الرئيس الأول المنتخب ديمقراطياً الذي أطيح به بانقلاب عام 2019 الظهور أمام المحكمة لمواجهة اتهام أو آخر، فقد اتهم بالتجسس وسرقة مواش والتعذيب، ولم يعد المصريون يهتمون بقضيته، إلا أن عجلة العدالة المصرية المعيبة ظلت مستمرة ثم توقفت فجأة، فقبل الساعة السادسة مساء في 17 يونيو أعلن "التلفزيون الرسمي" وفاته من نوبة قلبية أثناء المحكمة، وكان عمره 67 عاماً.

وتشير المجلة إلى سلفه مبارك، الرجل الذي أساء حكم مصر حين واجه المحاكمة بعد الثورة، لكنه لم يعتقل في سجن طرة ولا في سجن عسكري بل كان يقيم في مستشفى فاخر، ويزوره كل من يريد ويحصل على كل ما يريد.

تقول "الإيكونوميست": مرسي في سنواته الأخيرة وحيداً في السجن؛ مقطع أخير تراجيدي في الثورة المصرية، وهامش في بلد عاش سنوات طويلة تحت حكم الدكتاتورية.

المفارقة أن الرئيس الشهيد ردد قبل انتقاله إلى بارئه بدقائق أنه متمسك ببلاده حتى وإن جارت عليه، مؤكداً عدم البوح بأسرار بلاده حتى مماته، وتلا البيت الشهير:

بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة            وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام!

المفارقة الأخرى أن المسلمين في أرجاء العالم صلوا عليه صلاة الغائب، عدا وطنه الذي جار عليه وعلى الإسلام، وبعض الدول العربية التي تخشى الضغوط والعقاب، فقد أصدر النظام في مصر قراراً بحظر صلاة الغائب في أي مسجد، ومنعتها بعض الدول العربية لعدم الإحراج، ومع ذلك فقد تمت الصلاة عليه في المسجد الأقصى الأسير، الذي عرف صورة مرسي أول رئيس عربي ترفع عليه، وعلى امتداد المعمورة كان المسلمون يؤدون الصلاة على روح الشهيد، الذي ارتقى في حرب ضروس شنها أعداء الحرية والإسلام، بعد أن حرم من الدفن في قريته حسب وصيته، ولم يشيعه إلا أولاده والمحامي الموكل عنه!

رحم الله الشهيد الذي قال: "لا تقتلوا أسود بلادكم فتقتلكم كلاب أعدائكم"!

وليتنا نفيء إلى الحق ونفهم أن أعداء الحرية والإسلام لن يبقوا على الموالين لهم ولا المعارضين.

السبت, 08 يونيو 2019 14:44

وداع أرطغرل.. واستقبال عثمان

بالحلقة الخمسين بعد المائة التي أذيعت أواخر مايو 2019م، انتهى مسلسل "قيامة أرطغرل" الذي ملأ الفضائيات وشغل الناس على مدى خمس سنوات، وشاهده نحو ثلاثة مليارات نسمة في خمس وثمانين دولة على امتداد العالم، وحمل رسائل مهمة إلى العالم الإسلامي وغير الإسلامي.

في البداية طالع المشاهدون المسلسل وهم يظنونه مسلسلاً تاريخياً عادياً سيملّونه بعد حلقتين أو ثلاث، ولكنهم استمرّوا معه خمسة مواسم، يشاهدون في كل موسم ثلاثين حلقة، كل حلقة في ساعتين أو أكثر، ويصمدون أمام الشاشات أو "اليوتيوب" ليتابعوا الأحداث الشائقة، والأداء المبهر، واللغة الجديدة التي افتقدوها في مسلسلات الأشاوس والنشامى حيث تمتلئ بالغثّ والمبتذل، والشتائم والسطحية والعري، والنماذج الشائهة، والتقليد الأعمى لمسلسلات الغرب.. ثم وهو الأخطر تشويه الإسلام وتنفير المشاهدين منه، وتقديمه في صورة مقزّزة ومتوحشة ومعادية للإنسانية والفطرة البشرية!

أيضاً فقد درج العلمانيون الأتراك على تقديم مسلسلات لا علاقة لها بتركيا العثمانية الإسلامية، إنها تقدم تركيا التغريب ورفض الإسلام واللغة العربية والاندماج في المجتمع الغربي بسلبياته وموبقاته، دون التفات إلى إيجابياته ومحاسنه.

وللأسف فقد قدموا التاريخ العثماني مشوّهاً، وبائساً، ومتخلّفاً كما حدث بالنسبة لمسلسل السلطان سليمان القانوني الذي عرض تحت اسم "القرن العظيم"، وعرفه العرب باسم "حريم السلطان"، فقد صوّروا السلطان سليمان في صورة الخليفة المشغول بالنساء، والغارق في الملذات والشهوات، وذهب خيال كاتبة المسلسل العلمانية إلى تشويه الرجل الذي قاد أقوى دولة في زمنها، وتسيّد العالم أرضاً وبحراً، فتحول لدى العلمانيين إلى صورة مبتذلة يحتفي بها الإعلام العربي الفاسد الموجه، وصار العرب وغيرهم ينشغلون بتاريخ مزيف صنعه معادون للإسلام، موالون للغرب.

لقد ذكّر أردوغان ذات يوم حكام أوروبا وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي في مناسبة اجتماع لهم؛ بقيمة السلطان سليمان القانوني، حين أهداهم رسالة استغاثة وطلب العون بعثها ملك فرنسا فرنسيس الأول للسلطان سليمان عندما وقع أسيراً في يد الإسبان، فطمأنه السلطان ووعده بنجدته وخاطبه قائلاً: "أنا سلطان السلاطين وبرهان الخواقين، أنا متوّج الملوك، ظلّ الله في الأرضيين، أنا سلطان البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر.."، ولكن الكاتبة العلمانية التي كتبت حريم السلطان لم تعلم بذلك وجعلت سليمان القانوني زير نساء!

لقد استاء الأتراك الطيبون من تشويه سلطانهم القوي العادل الذي لقب بـ"القانوني"، وقدموا عشرات الشكاوى لمن يعنيهم الأمر، وعبّر أردوغان عن غضبه من المسلسل وصانعيه، ولكن الرد العملي كان تقديم التاريخ العثماني في صورته الحقيقية الأصيلة، التي شوهها المغرضون والمعادون للوحدة الإسلامية.. فرأينا مجموعة من المسلسلات الطويلة المهمة التي صاغت التاريخ العثماني في عصور مختلفة: "أرطغرل"، "السلطان عبدالحميد"، "كوت العمارة".. من خلال قصص فنية شائقة، وإخراج متقن، وتمثيل فائق، وتصوير رائع.

حظي مسلسل "قيامة أرطغرل" باهتمام كبير لأنه وجه رسالة متعددة الأغراض إلى الداخل التركي والعالم الإسلامي، لعل أهمها: مقاومة الغزاة المعتدين مهما كانت قوتهم إيماناً بالحق وطلباً للشهادة، تطهير الصفوف من الخونة والمنافقين، الوقوف بجانب المظلومين وإقامة العدل، العمل على وحدة المسلمين والتعاون فيما بينهم.. وكل ذلك في إطار القيم الإسلامية التي ترفض الظلم والبغي والعدوان، ولا تفرط في الحقوق والواجبات، وتسعى لتقديم الرحمة والعطف، ومنح المخالفين بل الأعداء فرصة التحول إلى الصواب من خلال التعرف على الإسلام وقواعده وقيمه من خلال الوفاء بالعهود والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات، وعدم التمييز بين رعاياهم أياً كانت معتقداتهم ومذاهبهم، وكان هناك دائماً عالم الدين الذي يشرح قواعد الإسلام والسيرة النبوية ويحث على بناء العقل الوجداني بالعلم والمعرفة وتقوية الشعور بحب الله والإخلاص والشهادة، ويأتي في سياق فني يلتحم بالعمل الفني دون افتعال أو تكلف.

مع أن أرطغرل كان بطل المسلسل، فإنه يمكن القول: إن فريق التمثيل حقق نوعاً من البطولة الجماعية التي تصور مجتمعاً إسلامياً متكاملاً يتحرك فيه بشر يصيبون ويخطئون، ويحظى المصيب بالتقدير، والمخطئ بالتصويب، والنفوس البشرية في المسلسل ليست ملائكية، أو محصنة، ولكنها تبدع وتقوى غالباً، وتضعف وتتهاوى أحياناً فيقومها المجتمع أو يقف إلى جانبها حتى تعود سيرتها الأولى.

إن المجتمع الذي تمثله القبيلة التي ينتسب إليها أرطغرل (القايي)، يتشارك المسرات والأحزان، ويرتفع بجهاده، ويسقط بفعل العدوان عليه والغدر به من جانب الخونة أو المعتدين، ولكنه ينهض مرة أخرى، ويقاوم، ويستعيد مكانته من جديد.

لقد عالج المسلسل الخيانات -وما أكثرها في زماننا بين العرب والمسلمين- وتخطيط الأعداء من الصليبيين والمغول، وشراء الخونة والجواسيس من أقرب المقربين إلى القادة، وهؤلاء كانوا يتسببون عادة في انهيارات وانكسارات تعصف بالمسلمين، وتقهرهم، ومع أن المخ المعادي كان يعمل ويخطط بذكاء وينفق الذهب بسخاء على العملاء، فإن أرطغرل وصحبه كانوا يواجهون مخططات الأعداء بالعمل والعقل والتدبير المحكم لاصطياد الخونة وكشفهم ومعاقبتهم.

بعض السذج يرون أن معاقبة الخونة تحريض من المسلسل على الشقاق وهز أركان المجتمع، وهدم الدولة!

كانت المرأة في مجتمع "القايي" مثالاً للمرأة الفاعلة المنتجة المقاتلة التي تشارك بالرأي والفكر، بل القيادة في بعض الأحيان، وهي قيادة تتسم بالحكمة والحنكة والصواب.

وهي في كل ذلك محتشمة غير مبتذلة، وللأسف فإن بعض ضيقي الأفق يتهمون المرأة في المسلسل بالسفور والتبرج وعدم الالتزام، ويرتبون على ذلك تحريم مشاهدته، وقد توالت فتاوى عديدة ذات هوى لتحريم المسلسل، معتمدة على أسانيد واهية، كأن يتهمونه بالدعوة إلى الصوفية الباطنية، أو اختلاق وقائع لم تحدث، وهذه أحكام مغرضة تداري العجز الذي تعيشه بعض الجهات التي أخفقت في تقديم أعمال محترمة تشد الجماهير، وتغزوها بالفكر الناضج والتصورات الظافرة.

أياً كانت المآخذ الفنية القليلة على المسلسل، فهي لا تقلل من قيمته التي تجعله تحفة فنية ناعمة صارت -كما وصفها بعضهم- حديث العرب والعجم، وأثرت في كثير من غير المسلمين وجعلتهم يغيرون الصورة السلبية المرسومة في أذهانهم عن الإسلام.

ويكفي المسلسل إيجابية أن المشاهد شنفت أذنيه وأمتعت عينيه آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ومنظر الصلوات الفردية وصلاة الجماعة وخطبة الجمعة، وتلاوة القرآن في أكثر من مكان بتلقائية وعفوية، وهو ما تخلو منه مسلسلات بني جلدتنا الهابطة.. بل إن ختام المسلسل عرف تلاوة جميلة لجزء من سورة الفتح يعبر عن انتصار المسلمين حين يعتصمون بحبل الله، ويعملون بدأب وإصرار حد الشهادة لنصرة الدين الحنيف، وإقامة دولة العدل ونصرة المظلوم.

لقد ودع المشاهدون أرطغرل ليستقبلوا بعد شهور مسلسلاً مكملاً، هو "قيامة عثمان"، ابن أرطغرل حيث تنهض دولة بني عثمان قوية شابة في السنة ذاتها التي سقطت فيها بغداد تحت أقدام المغول (656هـ)، ويمارس التاريخ لعبته في الوقوف إلى جانب من يأخذون بالأسباب مع الإيمان، والتخلي عن أهل الأنانية، والتفرق والتشرذم، والولاء لغير الله!

لقد استحق كاتب المسلسل ومخرجه إشادة من المشاهدين والنقاد ومحبي الإسلام، وهو الذي بذل جهداً كبيراً في تقديم عمل يشهد له يوم القيامة، خدمة للإسلام والمسلمين.

لعلها مفارقة طريفة أن تنجب قرية نجريج مركز بسيون محافظة الغربية اثنين من المشاهير؛ الأول الشيخ محمد عياد الطنطاوي المولود في أوائل القرن التاسع عشر (1810 – 1861م)، ومحمد صلاح غالي؛ لاعب كرة القدم الدولي في أواخر القرن العشرين (1992- ..م)، فكانت شهرة الثاني الفائق في اللعب أقوى وأعمّ من شهرة الأول الذي كان صاحب ريادة طيبة في خدمة العربية وآدابها.. إنها مفارقة عطاء الرأس الفكري وحركة القدم في الملاعب.

الطنطاوي من أبناء الأزهر الشريف، وكان ميدان تفوقه اللغة؛ لغته الأم واللغة الأجنبية (الفرنسية والروسية)، وامتد جهده الفكري والأدبي في خدمة اللغة العربية داخل البلاد وخارجها، واستيعاب اللغة الأجنبية وعياً ودراسة وتأليفاً وترجمة.

حياة الطنطاوي تؤكد دور الأزهر وعلمائه في النهضة الحديثة التي أضحت ضرورة في عهد محمد علي حين بعث أبناء الأزهر الشريف إلى أوروبا لدراسة العلوم المختلفة ونقلها إلى مصر، فأدوا مهمتهم وعادوا إلى البلاد ينشرون ما حصلوه من علم وفكر. 211000.jpg

هناك من يحاول طمس دور الأزهر في النهضة الحديثة، ويقلل من قيمة جهوده الوطنية والإسلامية والإنسانية، وخاصة في مجال الآداب والفنون الرفيعة، مع أنه ظهر من علمائه ورجاله المعلمون والخطباء وقادة الفكر والصحافة، والأدب شعراً ونثراً، وزعماء الجهاد الوطني ضد الاستعمار والاستبداد والفساد، ورواد العمل الخيري والاجتماعي، وكانوا ألسنة ناطقة بخير الأمة العربية والإسلامية في كل مكان يحلّون به.

إن تجاهل هذه الجهود الأزهرية التي كان الطنطاوي في المقدمة من روادها، أو التهوين من شأنها يصب في اتجاه تحييد الأزهر بتجاهل جهود رجاله وعلمائه، وحصره في دائرة بعيدة عن الثقافة الحديثة، والحركة السياسة والاجتماعية المعاصرة.

لقد حاول «د. براون»– وكان أستاذاً في مدرسة الطب المصرية على عهد محمد علي- أن يجرد الأزهر من كل فضل حضاري في مضمار التقدم الفكري، فكتب إلى سكرتير الجمعية الآسيوية يحدثه عن انبثاق النهضة العلمية في مصر، فجعل من نفسه- كما يزعم- مشعل التوجيه العلمي مع من وفد من أوروبا للتدريس في مصر، أما علماء الأزهر الذين تعلم على أيديهم وقاموا بتصحيح مؤلفاته العربية وتنقيحها، وعاونوه في تحديد المصطلحات وتعريفها، فلا يعرفون شيئاً ما.

نسي «براون» أن الشيخين محمد عياد الطنطاوي، ومحمد عمر الطوانسي هما من علّماه اللغة العربية حتى برع فيها، و»كان زميلاً لرفاعة الطهطاوي، وحضر مجالس الشيخ حسن العطار مع العلماء في منزله، وخاضوا في مسائل كثيرة كانت موضع التفاته، وإذا كان «براون» قد اعترف بفضلهما فهما لم ينشأا من فراغ، لا استثناء من القاعدة، بل هما من تلاميذ الشيخ حسن العطار، وبهديه استطاعا أن يتفرغا لعلوم كثيرة، وأن يحتذيا رفاعة الطهطاوي في مجالات مسبقة» (السابق، ص 478).

لقد اختير الشيخ الطنطاوي واعظاً دينياً في جيش إبراهيم باشا، ولما عاد إلى مصر شارك في تحرير الكتب العلمية بمدرسة الطب، و»كانت مدرسة أبي زعبل قد أنشئت، وأخذ النَّقلة في ترجمة كتب الطب وغيرها، فعُيّن مصححاً، وأعجب به «د. براون» وارتاح إلى أدبه، فقرأ عليه «كليلة ودمنة»، ولمع نجمه في التحرير والتصحيح، وامتاز بين زملائه بمعرفة المصطلحات العلمية العربية، فكانوا يرجعون إليه في تحقيقه ويطلقون عليه «مصحّح كتب الطب»، وكانوا إذا أرادوا أن ينقلوا كتاباً في أوائل إنشاء مدرسة الطب وجدوا مشقة في إيجاد الألفاظ العربية الملائمة للألفاظ الإفرنجية في الكتب المترجمة، فيرجعون إليه في تحرير الكتب» (د. محمد كامل الفقي، الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة، ص78).

وهذا الدور الذي نهض به الطنطاوي يؤكد أهمية ما قام به هو وزملاؤه الأزهريون من المصحّحين والمترجمين في خدمة اللغة العربية وتعريب المصطلحات الأجنبية، فكأنهم قاموا بما نسميه الآن التحقيق العلمي للمخطوطات، والنقل عن الكتب الأجنبية، والمطابقة بين المصطلحات المنقولة ونظائرها في اللغة العربية.        

وقد خصص «كراتشكو فسكي» كتاباً عن حياة الشيخ محمد عيّاد الطنطاوي، نشره عام 1929م، وترجمته السيدة كلثوم عودة، وطبعه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر عام 1964م.

لقد طلبت السفارة الروسية من إسطنبول أستاذاً بمعهد الدراسات العربية في سانت بطرسبرج، فوقع الاختيار على الشيخ الطنطاوي، فنهض بما عهد إليه على أكمل وجه، وظل محافظاً على زيّه الأزهري وسمته الشرقي، يقول عنه أحد معاصريه من الروس: إنه رجل وسيم، يرتدي حلة شرقية، وعمامة بيضاء، وله لحية فاحمة سوداء، وعينان براقتان، ووجه متوقد الذكاء، وهو يسير الهوينى شامخ الرأس.

ومن المفارقات أن المستشرقين الذين وفدوا على مصر في عهد محمد علي للعمل في وظائف مختلفة، وكانوا يبذلون جهوداً حثيثة ضد الثقافة الإسلامية، تأثر بعضهم بالشيخ الطنطاوي، مما قلل من سرعة عدوانهم على هذه الثقافة، ونظراً لحاجتهم تعلم العربية بدأت علاقه الشيخ بهم، ومنهم: الفرنسي «فرنيل»، الذي قدم إلى مصر عام 1831م، والفرنسي «بايرون»، الطبيب بقصر العيني، والألماني «فايل»، مدرس الآداب الشرقية في جامعة هايدلبرغ، والألماني «برونر»، والإنجليزي «إدوار وليم لين»، صاحب كتاب «المصريون المحدثون»، ومترجم «ألف ليلة وليلة»، وكان من تلاميذ الشيخ عياد الطنطاوي من المستشرقين الروس «موخين»، و»فرين». 10-3-6.jpg

والطنطاوي من أوائل من كتبوا الرحلة في العصر الحديث «هدية العاقل» قبل رحلة رفاعة «تلخيص الإبريز»، ولكنها لم تطبع ولم يكتب لها الذيوع.

أيضاً، فإن رفيقه الشيخ الطوانسي كتب رحلة «تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان» يصف رحلته إلى الواحات والسودان، وقد طبع في باريس مع ترجمة فرنسية قام بها «سيديليو»، وكتب عنها بالمجلة الآسيوية.

وللأسف تتجاهل الرسائل الجامعية هاتين الرحلتين، تبدأ برفاعة، وتقفز إلى عبدالله فكري والشدياق، تاركة ما كتبه هذان الرائدان (انظر: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين،ج2، ص481).

لقد ألف الطنطاوي في مصر مجموعة من الكتب في العقائد، وفي قواعد اللغة، والبلاغة، والعروض والقوافي، إضافة إلى الجبر والميراث والحساب، وأسماء الناس والخيل الأصيلة وتدبيج الشروح والحواشي على مصنفات غيره، وألّف بالفرنسية «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»، وهو كتاب أكسب الطنطاوي شهرة واسعة في كل أوروبا، كما أنشأ قاموساً عربياً فرنسياً طبع في قازان عام 1849م، وله 3 مقالات باللغة الفرنسية، كما كتب بالروسية مجموعة حكايات وملاحظات في تاريخ الخلافة والشرق الإسلامي، وقواعد اللغة العربية، وترجم إلى الروسية مجموعة أمثال عربية، وترجم «تاريخ روسيا الصغير» لـ»أوسترالوف».

وفضلاً عن ذلك فله كتاب «تحفة الأذكيا بأخبار بلاد الروسيا»، ويعد من أهم مؤلفاته إن لم يكن أهمها جميعاً، ويروي فيه رحلته من القاهرة إلى سانت بطرسبرج، ويتناول روسيا وأحوالها.

لقد كرمه الروس وعيّنوه مستشاراً في الدولة الروسية، وقلّده القيصر وسام «ستانيسلان» ووسام «القديسة حنة»، كما قلده القيصر خاتماً مرصعاً بالألماس الغالي، وجعلت الدولة الروسية مدفنه لديها أثراً تاريخياً ضمن آثارها التاريخية.

هذا التكريم الروسي للشيخ محمد عياد الطنطاوي يطرح علينا سؤالاً مهماً: ماذا فعلنا نحن أهله وبلده من أجله؟

أتصور أن إجابة السؤال يمكن أن تتحقق في النقاط التالية:

أولاً: طبع كتاباته العربية، وكتاباته بالفرنسية والروسية بعد ترجمتها إلى اللغة العربية، مع تعريف بها وإلقاء الضوء على محتوياتها.

ثانياً: التعريف بالرجل من خلال ما كتب عنه، مع نشره على القراء في مصر والعالم العربي.

ثالثاً: توجيه الباحثين والكتّاب إلى دراسة الفترة التي بدأت فيها النهضة الحديثة، واستكمال ما أشار إليه جرجي زيدان حول هذه المرحلة، لإنصاف الأزهر وعلمائه، وإبراز الجهد الذي قام به، فضلاً عن إزاحة التعتيم الذي فرض على دور الأزهريين في المجالين الأدبي واللغوي.

إن الشيخ محمد عياد الطنطاوي يعيدنا إلى دائرة الاهتمام بالثقافة الإسلامية المظلومة من أبنائها قبل أعدائها، وهو فأل طيب نستبشر به خيراً إن شاء الله.

السبت, 06 أكتوبر 2018 09:15

هل يستسلم «أردوغان»؟

 

قيل: إن حكومة الرئيس “أردوغان” ستختار اسم “عبدالحميد الثاني”  لمطارها الجديد في إسطنبول (من أكبر المطارات في العالم)، ويقف العلمانيون هناك ضد هذه التسمية التي ستلغي تلقائياً اسم “أتاتورك”، مؤسس الجمهورية على أطلال الخلافة العثمانية.

مناسبة اختيار اسم المطار تطرح تشابهاً بين السلطان “عبدالحميد الثاني”، والرئيس “أردوغان”، رئيس الجمهورية الحالي، في مواجهة كل منهما للضغوط والعواصف والأعاصير الخارجية والداخلية لوأد الإصلاحات التي قاما بها لتقوية البلاد، واستعادة قوتها ومجدها بوصفها دولة كبرى ذات سيادة عالمية واستقلالية لا تخضع للغير ولا تتبع له. 

“عبدالحميد الثاني”، أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الثاني بعد المائة، وترتيبه السادس والعشرون من سلاطين آل عثمان، خادم الحرمين الشريفين، وهو السلطان المظلوم، الغازي، الخاقان الكبير، خادم المسلمين، لقبه أعداء الإسلام بالسلطان الأحمر، والدكتاتور، والقاتل، كما يلقبون “أردوغان” الآن بمثل هذه الألقاب! 

ولد “عبدالحميد” بإسطنبول في 21 سبتمبر 1842م، وتوفي بها في 10 فبراير 1918م، وتوج في 31 أغسطس 1876م، وتم الانقلاب عليه وخلعه في27 أبريل 1909م، ووُضع رهن الإقامة الجبريَّة حتّى وفاته.

عُرف بتديّنه واستقامته، وتقول ابنته عائشة: «كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويقرأ القرآن الكريم، وفي شبابه سلك مسلك الشاذلية، وكان كثير الارتياد للجوامع لا سيما في شهر رمضان».

شهدت خلافته إنجازات مهمة، منها إنشاء سكة حديد الحجاز بين دمشق والمدينة المنورة، وسكة حديد بغداد، وسكة حديد الروملي، والاهتمام بالتعليم والصناعة والصحة، ومحاولة تخليص البلاد من الديون. 

وفي عهده تعرضت البلاد لأزمات عديدة من جانب دول الغرب بقيادة الإنجليز واليهود والأرمن، مع انتشار الأفكار الانفصالية والدخول في حروب عديدة أدت إلى فقْد الدولة أجزاءً من أراضيها في البلقان، وقبرص ومصر وتونس، كما انفصلت بلغاريا والبوسنة والهرسك في عام 1908م، ومهدت هذه التداعيات إلى انفصال العرب عملياً عن الخلافة العثمانية ووقوعهم في شرك الاستعمار الأوروبي.

وكان من أبرز المتآمرين على السلطان والخلافة يهودي شيوعي اسمه “ألكسندر باروس” (1867 – 1924م)، ولد في ألمانيا لعائلة يهودية فقيرة، وكان ناشطاً مثيراً للجدل في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وعاش فترة في إسطنبول حيث أسس شركة لتجارة السلاح، وازدهرت أرباحها خلال حروب البلقان، عمل مستشاراً سياسياً ومالياً لحزب “تركيا الفتاة” المعادي للخلافة العثمانية، ورأس إحدى الصحف اليومية، وكانت له علاقات وثيقة بالصهيوني “تيودور هيرتزل” داعية قيام دولة لليهود في فلسطين، ومنحه الإنجليز في إسطنبول مكانة تفوق مكانة السفير لتخريب الخلافة وبث الفتنة في أرجاء الدولة العثمانية وأعراقها وطوائفها.

صاحب القامة المرفوعة

أما الرئيس «رجب طيب أردوغان»، ولد عام 1954م، فهو رئيس جمهورية تركيا الثاني عشر، تولاها عام 2014م، وهو أول رئيس تركي اختاره الشعب بطريق الاقتراع المباشر، شغل قبل رئاسة الجمهورية عمدة مدينة إسطنبول التركية من عام 1994 إلى 1998م.

كما نهض بالتعليم والصناعة والزراعة والسياحة والبنية الأساسية، ورفع مستوى دخل الفرد من 900 دولار سنوياً إلى 12 ألفاً، وأقام مشروعات ضخمة مثل المطارات والأنفاق والجسور والمصانع العسكرية، واستطاع أن يتعامل مع دول الغرب وأمريكا بندّيّة واستقلالية، ووقف مع قضية فلسطين بكل قوة ممكنة، وساند الشعب المصري المظلوم، واستقبل ملايين السوريين الذين فروا من جحيم الطاغية “بشار الأسد”، وكافح الانفصاليين الأكراد الذين مارسوا الإرهاب ضد المدنيين الأتراك، واستطاع أن يقضي على معظم قواتهم، وفي عهده استطاعت المرأة أن ترتدي الحجاب، وأن تنتشر المدارس الإسلامية، وأن يأمن المسلمون على أنفسهم ويعيشوا بلا خوف ولا ترويع من العسكر.أسس حزب العدالة والتنمية، وانتقل بتركيا من قاع التخلف الاقتصادي والديون إلى المنافسة على المركز المتقدم اقتصادياً بين أفضل الدول العشرين في العالم، وأبعد العسكر عن الحكم.

ويبدو أن الغرب الاستعماري ومعه اليهود لم يعجبهم أن يكون هناك حاكم مسلم يحتفظ بقامة مرفوعة، ويتعامل باستقلال، ويرفض التبعية، فتآمروا عليه وحرضوا علناً وسراً، لدرجة تدبير انقلاب عسكري ليلة الخامس عشر من يوليو 2016م، شاركت فيه القوات الجوية والبرية والبحرية، وقصفوا مجلس النواب والاستراحة التي كان ينزل بها “أردوغان”، فواجههم الشعب في إسطنبول بصدره العاري، واستشهد مئات من المواطنين والجنود، ونجا “أردوغان” من الموت بفضل الله تعالى، وأخفق الانقلاب، وتم القبض على المشاركين فيه والداعمين له، وقدموا إلى المحاكمات التي مازالت جارية حتى الآن.

والمفارقة أن قوى الفشل العربي لم تخف شماتتها ساعة الانقلاب، ولكنها باءت بالخزي والعار بعد دحره، فتفرغت لهجائه والتحريض عليه، ووصفه بالدكتاتور (لا توجد في بلادهم انتخابات أو ديمقراطية أو حرية)، وتشويه صورته من خلال نشر الأخبار المسيئة من قبيل “تركيا تستفز جيرانها بقاعدة عسكرية في المتوسط”. 

أما الدول الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا واليهود، فلم تقصر في الدفاع غير المباشر عن الانقلابيين والتنديد بمحاكمتهم، وافتعال الأزمات مع الحكومة التركية، ثم وهو الأخطر اتجهوا إلى تحطيم الاقتصاد التركي من خلال تقويض قيمة الليرة التركية (خسرت 40% من قيمتها منذ أوائل العام الحالي 2018م)، وقامت أمريكا بإعلان الحرب الاقتصادية ورفع قيمة الجمارك على الواردات التركية، وفرض العقوبات الاقتصادية على وزيرين في حكومة أنقرة، ولم يخجل اليهودي “إيدي كوهين” من التصريح أن اليهود يملكون ثروة العالم، وأنهم سيسقطون الاقتصاد التركي؛ وبالتالي إسقاط تركيا أرضاً، والقضاء على قيادتها الإصلاحية!

لقد رد “أردوغان” على أمريكا بالمثل، ولجأ إلى الشعب لمواجهة انخفاض الليرة أمام الدولار، وتجاوب الشعب معه، كما ساندته دولة قطر بعدة مليارات للاستثمار، واتفق مع بعض الدول على التبادل التجاري بالعملة المحلية، كما اتخذ عدة إجراءات في المجال الاقتصادي المحلي، ونجح في وقف تدهور قيمة الليرة إلى حد ما. 

الحملة ضد “أردوغان” لم تتوقف، وشارك فيها الرئيس الفرنسي “ماكرون” الذي قال: “إن لدى أردوغان “مشروعاً إسلامياً”، يُقدم بشكل منتظم على أنه مناهض للأوروبيين، وتتعارض إجراءاته المنتظمة مع مبادئنا”؛ وبالتالي يجب رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

القضية إذاً تكمن في الإسلام، وهو ما يزعج الغرب واليهود، ولأن السلطان و”أردوغان” يتشابهان في الذكاء والتدين، والقدرة على الكرّ والفرّ سياسياً، فلن يسكت الغرب واليهود عن “أردوغان”، كما لم يسكتوا عن السلطان الذي خلعوه، وشوّهوه، لأنه مسلم بحق، فهل يستسلم “أردوغان”؟ أو إن المعادلة تغيّرت ودخل فيها الشعب المسلم الواعي؟

 

في عصر القوة والأكاذيب والانحطاط السياسي، تتوه الحقائق وتضيع الحقوق!

الغرب الصليبي ومعه اليهود الغزاة، لا يألو جهداً في إذلال المسلمين وإضعافهم، وتشويه الإسلام، واستعادة الحملات الصليبية الوحشية التي انطلقت من فرنسا بقيادة بطرس الحافي عام 1095م، والمسلمون للأسف لديهم قابلية لذلك.

هذه الحقيقة يقفز عليها نفر من المحسوبين على الإسلام، ليحمّلوا المسلمين سبب الكراهية أو العنصرية التي يبديها الصليبيون واليهود تجاه ديننا الحنيف.. وبعضهم يجاهر بالقول: لا تضيعوا وقتكم في تعقب المثقفين الفرنسيين الذين يطالبون بحذف آيات القتال من القرآن، ولكن تعقبوا الجماعات والتنظيمات الإسلامية، التي فخخت المدن ومحطات المترو ودور السينما والمسارح والكنائس وحتى المساجد والأضرحة، ورفعت السلاح ضد شعوبها وجيوشها الوطنية، مستندة إلى قراءاتها وتفسيراتها هي لآيات القتال! وكأن قتل ملايين المسلمين بأحدث الطائرات والصواريخ والدبابات والقنابل والغازات في أفغانستان والشيشان والعراق وسورية واليمن والصومال وليبيا ومالي وغيرها؛ حدث بسبب التغيرات الجوية!

لا يمكن القول: إن الصليبيين ومعهم اليهود توقفوا عن حروبهم الوحشية طوال عشرة قرون مضت، حتى يوم الناس هذا، تربيتهم ونشأتهم ومناهجهم تحمل الروح الصليبية الوحشية الهمجية التي تملأ النفوس والعقول والإعلام، والثقافة والفكر والأدب.

تتعدد أشكال المواجهة الصليبية اليهودية للإسلام والمسلمين، وتتنوع حسب التغيرات وتطورات الأوضاع في البلاد الإسلامية، فالحروب المباشرة تتراجع ليحل مكانها أخرى غير مباشرة عن طريق الوكلاء والعملاء، ثم تعود مباشرة بأحدث ما وصلت إليه الأسلحة لتقوم باختبارها على هؤلاء التعساء الذين يطلق عليهم مسلمون، والذرائع أكثر مما يحمله القفا، وتتكفل أجهزة المخابرات الغربية واليهودية بصنعها، وتجنيد آلاف المسلمين من كورت أوغلو، وسعد الدين كوبيك، أو قرضاي، وداعش بطريقة الريموت كنترول.

هناك من المحسوبين على الإسلام من يتطوعون -تحت دعوى الموضوعية- بتبرئة الهمج الهامج، ويعطوننا دروساً في رفض نظرية المؤامرة، أو يحملون الجماعات والأفراد الذين تحركهم أجهزة الغرب واليهود مسؤولية ما يصيب المسلمين والإسلام على يد الصليبيين واليهود!

نحن ضحايا همجية الغرب واليهود، وآلاف من الوكلاء والعملاء، صرنا نراوح مكاننا، وكلما بدت إمكانية القفز إلى الأمام وتجاوز العقبات والمصاعب فرضوا علينا أمراً واقعاً مزرياً مخيفاً يعيدنا إلى مستنقع اليأس والإحباط! الهمج لا يتوقفون عن فرض إرادتهم الوحشية الهمجية بكل السبل والأساليب، لإخراجنا من عقيدتنا الظافرة وثقافتنا الإنسانية، والوكلاء يشدون عزائمهم للتنفيذ!

في 23 من أبريل 2018م، نشرت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية، مقالاً بعنوان: «معاداة السامية الجديدة»، تضمن اتهاماً صريحاً للمسلمين بأنهم وراء انتشار ظاهرة معاداة السامية الجديدة في فرنسا، وأن القرآن كتاب يدعو إلى العنف والقتل وكراهية اليهود والمسيحيين.

بعده تقدّمت 300 شخصية فرنسية ببيان يطالب بتجميد سور من القرآن الكريم، ووقّع  البيان الذي نشرته صحيفة «لوباريزيان» أيضاً شخصيات مهمة مثل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الأسبق مانويل فالس، والممثل جيرار ديبارديو، وحجتهم أن هذه السور التي تبلغ  ثلاثين سورة تعادي السامية أيضاً وتدعو إلى القتل.

في التوقيت ذاته، دعا حزب "التقدم" اليميني النرويجي، المشارك في الائتلاف الحكومي، إلى إسكات الأذان في المساجد، وقال جون هيلغهيم، المتحدث باسم الحزب، المعروف بخطابه العنصري: "لا يعنيني ما تقوله قوانين حقوق الإنسان في هذا الموضوع، ما يهمني هو أن يعيش المقيمون قرب المساجد في هدوء وسكينة، دون إزعاجهم بالأذان"، علماً أن الأذان يرفع عبر سماعات داخل المساجد، ولا يرفع خارجها، وسبق لوزارة العدل أن ردت على الدعوة بأنها تعدٍّ على الحرية الدينية وتجاوز للمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وكشفت شبكة "NBC نيوز" الأمريكية، في 23 أبريل 2018م، معلومات مثيرة عن مؤسسة بحثية كان يترأسها جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد لمدة 5 سنوات وقالت الشبكة: إن بولتون ترأس مؤسسة "جيتسيون إنستيتيوت" ومقرها نيويورك "بهدف الترويج لأفكار مضللة وغير صحيحة عن المسلمين"، وإثارة ذعر الغرب من سيطرة الجهاديين على مقدرات الغرب في مدى قريب، وقتل أعداد كبيرة من ذوي البشرة البيضاء.. بولتون مشهور بالمواقف المتشددة ضد المسلمين، وصاحب نظرية الحرب الاستباقية، والولاء للعدو النازي اليهودي.

وعلى الجانب الآخر، طالب شخص جزائري بحذف سورة الإخلاص وإلغاء درس فرائض الوضوء من المناهج التعليمية في المرحلة الابتدائية، بمدارس الجزائر؛ بحجة أن تلميذ الابتدائي لا يفهم معنى السورة مع سهولة حفظها، لأن "الطفل لا يعرف الأشياء المجردة، ولا يفهم محتوى السور"، وأيضاً لا يستوعب فرائض الوضوء لصغر سنه، كما يدعي.

الصليبيون ومثقفوهم، يعلمون جيداً أن العرب هم الساميون الحقيقيون، وأن معظم اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة ليسوا ساميين، بل من السلاف والخزر والقبيلة الثالثة عشرة، وأن آيات الجهاد تأتي دفاعاً عن النفس، وأن القرآن الكريم يتحدث عن أنبياء اليهود والمسيح عليه السلام بكل تقدير واحترام، ويوجب الإيمان بهم، ويحث على التواصل مع أهل الكتاب والتعامل معهم ما لم يعتدوا، فالدفاع عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع والدساتير والقوانين، وقد دعا الإسلام البشر جميعاً إلى الدخول في السلم (ادخلوا في السلم كافة).

الهمجية الصليبية تعرف طبيعة الإسلام جيداً، وتعلم أن كورت أوغلو، وسعد الدين كوبيك، والجماعات الجاهلة من تصنيع أجهزتهم ومخابراتهم، ومسألة شحن العالم بكراهية الإسلام والمسلمين (فوبيا الإسلام) جرت منذ زمان بعيد منذ خطبة البابا أوربانوس في سان مونت كلير عام 1095م، وشارك فيها أدباء ومفكرون كبار يفخر بهم كثير من أنصار الثقافة الغربية عندنا، مثل فولتير الذي كتب مسرحية قبيحة اسمها "محمد" يصور فيها نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلامة تصويراً بذيئاً، وهناك شاعر إنجليزي يدعى جون ليدهيت اقتبس سيرة شعبية تدعي أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- كان يضع حبات القمح في أذنه ليلتقطه الحمام ثم يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، وجاء بعده شكسبير ليستوحي القصة المفبركة في مسرحية "هنري الرابع"، ليكون المسلم في الذهن الصليبي واليهودي بربرياً وهمجياً ودموياً وقاطع طريق، وهناك آخرون يعلمون حقيقة الإسلام وأشادوا به وعبروا عن احترامهم العميق له مثل شاعر الألمان جوتة، وشاعر الروس بوشكين، وكاتبهم الروائي تولستوي، ولكنهم للأسف قلة!

تمنيت من بعض المحسوبين على الإسلام أن يراجعوا بعض مواضع الكتاب المقدس لليهود والنصارى ويخبروننا برأيهم من الأحق بتجميد بل إزالة الآيات من كتابه؟ وهذه نماذج قليلة: (حزقيال:6-9)، (إرميا 48: 10)، (خروج 32: 27) ،(عدد 25: 4-5)، (تثنية 20: 11- 17)، (صموئيل الأول: 15 -3).

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الأحد, 01 يوليو 2018 13:45

ليلة انتصار أرطغرل!

فقرة لافتة في التعليق على نجاح أردوغان وحزبه في انتخابات 24/ 6/ 2018، جاءت في تعليق جريدة "القدس العربي" اليسارية التي تصدر في لندن قالت فيها: الانتخابات التركية كانت حدثاً عالمياً بامتياز، فالغرب اصطف بإعلامه وسياسييه وعملائه ضد أردوغان، بينما اصطف الشارع العربي والإسلامي والإنساني والديمقراطي مع أردوغان، وبينما عمت فرحة الفوز شوارع المدن العربية والإسلامية وأحرار العالم ملأت الهيستريا والهلوسة وسائل إعلام الغرب وعملائه.

كانت هذه شهادة من غير إسلاميين لصالح مقيم الشعائر ومؤذن الأذان الموحد عبر مدينة إسطنبول العريقة، وحافظ القرآن الكريم والحديث الشريف، والشعر الإسلامي الذي نظمه شاعر تركيا العثمانية الأشهر محمد عاكف، أردوغان يردد ما يحفظ في مناسبات متعددة، وكان ترديده لبعض أبيات عاكف سبباً في دخوله السجن لفترة غير قصيرة (4 شهور) خرج بعدها ليؤلف العدالة والتنمية ويجلس على كرسي رئيس الوزراء، كان أردوغان يردد قول عاكف:

«مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذنا، مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهو ما كرره في كثير من خطاباته السياسية بعد ذلك وخاصة في حملته الانتخابية المنتهية أخيراً.

أي إنسان صاحب ضمير حر يسعد بانتصار أردوغان في معركته ضد أنصار التخلف والإقصاء والهمجية الغربية والظلم الدولي، فقد انحاز الرجل للحق والعدل والبناء والتعمير والحرية والديمقراطية، وهي جوهر قيم الإسلام، أو قيمه الأساسية التي انتصر بها الإسلام في فترات تحققه وازدهاره.

هناك أوجه شبه كثيرة بين أردوغان، وأرطغرل، بطل المسلسل التركي الشهير الذي يحظى بشعبية كبيرة في العالم العربي والإسلامي، فقد كان أرطغرل يتحرك من خلال قبيلته لنصرة الحق ورفع الظلم، واستخدم ذكاءه مع قدرته الدفاعية في مواجهة الخونة المحليين، والأعداء الخارجيين من قطاع الطرق وفرسان المعبد والمغول والصليبيين، وانتصر عليهم جميعاً بفضل إخلاصه لله والدين واتخاذ الأسباب وتقديم التضحيات الكثيرة، كان أرطغرل يحمل الفكرة الإسلامية ويتحرك بالتصور الإسلامي، فتغلب على المصاعب والعقبات، وهو ما يواجهه أردوغان.

تآمر عليه من ينتسبون إلى دينه من العلمانيين وطغاة العرب والأعراب (الأشد كفراً ونفاقاً) ودول العالم الصليبي الظالمة، أهانوه وأساؤوا إليه ووصفوه بأوصاف تليق بهم هم: "الديكتاتور، الحاكم الفرد، العثماني، الانتهازي، حليف جماعة الإرهاب الإخواني، قام بسجن نحو 160 ألفًا وإغلاق منافذ ومنصات إعلامية كثيرة، وآخر التهم مزوّر الانتخابات.."، ولكنه انتصر عليهم.

لم يكتف أعداء الإسلام بهذه التهم ولكنهم لجؤوا إلى العنف والدم، قاموا بانقلاب منتصف يوليو 2016م، واستهدفوه بالقتل لولا عناية الله، واتجهوا إلى الاقتصاد فضاربوا في البورصة لإسقاط الليرة، واستطاعوا أن ينالوا بعض أغراضهم فقد فقدت الليرة في أقل من ستة شهور هذا العام أكثر من 20% من قيمتها، ولكنها أخذت تسترد بعض الخسارة فور إعلان نتيجة فوز أردوغان وحزبه، وأظنها ستتعافى إن شاء الله، ولم يتوقف مسلسل تعويق دولة تركيا المسلمة عن النمو والعيش المستقر في ظلال الحرية والديمقراطية والقانون، فرأينا على الجبهة الأوروبية والأمريكية امتعاضاً واضحاً لنجاح أردوغان، وبيانات غير نزيهة تصدر من هنا وهناك، وتلكؤاً في تهنئة الرجل وفقاً للأعراف الدبلوماسية، وتبع هذه الجبهة جبهة الأعراب التي كشفت عن حقدها وجهلها وتفاهة تفكيرها.

أعرابي يكتب تغريدة: "بأغلبية بسيطة وفِي انتخابات شبه نزيهة فاز هذا الحاكم السلطوي -يقصد أردوغان- المصاب بفيروس الغرور لـ7 سنوات قادمة، مبروك لتركيا 7 سنوات عجاف"، والسؤال لهذا: هل عندكم انتخابات تشبهها، وتتحقق فيها الأغلبية البسيطة أو غيرها؟ 

وآخر غرد قائلاً: "فوز أردوغان في الانتخابات بمناسبة انهيار الليرة التركية"! وأردف في تغريدة ثانية: "في وطن يحكمه أردوغان.. لا يفوز إلا أردوغان".

ويبدو أن هذا حزين على المليارات التي أنفقتها حكومته على المعارضة التركية وضاعت هباء.

وصل الأمر ببعضهم إلى التعبير عن السفاهة والخواء بنظم قصيدة سخيفة مليئة بالشتائم والبذاءات لهجاء أردوغان والتقرب إلى حكام بلاده، والمفارقة أنه إمام وخطيب أحد المساجد الشهيرة في عاصمة بلاده، ومما جاء فيها:

يا مُظهرًا زيفَ التّخوفِ مُبطنًا.. حقدًا تضيقُ بحملهِ الأضلاعُ..

خادعْ سِوانا إننا لا يَنطلي.. عن فهمِنا أسلوبُك الخدَّاعُ..

القدسُ ضاعتْ تحتَ عُهْدةِ حُكْمِكُمْ.. وبِـمُلْكِكُمْ كَمْ ضاعتِ الأصقاعُ.

وواضح أنه شاعر رديء، وجاهل بالتاريخ.

أما أم الدنيا فصحفها وقنواتها تمتلئ بما هو مقزز من الهجاءات والأكاذيب ضد الرجل الذي نقل تركيا من قاع التخلف والانحطاط والديون، إلى مصاف الدول المحترمة التي شطبت ديونها، وتبني الجامعات والمدارس ومعاهد الأبحاث والمستشفيات والمساجد والأنفاق، وتنشئ المصانع في الداخل والخارج، وتكتفي من المحاصيل والفواكه والخضراوات وتصدر إلى العالم إنتاجاً غير مسبوق في تاريخها، وتعالج مواطنيها بأفضل طرق العلاج، مع وعد أن يُصرف الدواء مجاناً لكل مريض بعد سنتين أو ثلاثة.. ورفعت الحد الأدنى للدخل من ألف دولار إلى 12 ألفاً، مع وعد بالمزيد.

انتصار أرطغرل يعد انتصاراً للإسلام ولو كره المبغضون، فهذا الانتصار حماية لأربعة ملايين لاجئ سوري من الذين شردهم سفاح دمشق، وطاردتهم طائرات الصليبي بوتين ونظرائه الغربيين، وانتصار أرطغرل إجارة للمظلومين الذين تطاردهم حكومات الفشل والخيبة والديون، وانتصار أرطغرل بداية الطريق لاستقلال الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها عن دول الظلم والإجرام والاحتلال، والتفكير في بناء دولها على أسس العدل والحرية والعمل الجاد والشورى الملزمة التي تجعل صندوق الاقتراع أداة التغيير بدلاً من صندوق الذخيرة.

لقد صار أردوغان أقوى شخصية تركية بعد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال، مع أنه رجل بسيط نشأ نشأة متواضعة ببيع السميط، ولكن الإسلام أعزه، وجعل منه نموذجاً طيباً يتمسك بأهدابه المظلومون والضعفاء من المسلمين وغير المسلمين، ويحبه الناس من أصحاب الضمير الحي، ويكفي أن شعوب الإسلام ظلت ليلة بطولها تدعو له، وترجو الله ألا يتعرض للخذلان والهزيمة أمام جبروت الطغاة والأعراب.

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم.

الصفحة 1 من 18
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top