د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أومن أن الحكم العسكري الدموي الفاشي الذي تأسس بانقلاب 1952م، كان من أهدافه الأساسية غير المعلنة، استئصال الإسلام، وإحلال المادية المتوحشة مكانه. سمها الاشتراكية، الشيوعية، الليبرالية، العلمانية، أي شيء آخر عدا الإسلام. 

وفي سبيل ذلك صُودرت أوقاف المسلمين، وأُّضعف الأزهر، وأفرغت التربية الدينية في المدارس من جوهرها؛ حيث صارت مادة لا تضاف إلى المجموع، ولا تدرّس عملياً، وينجح فيها الطلاب دون أي جهد، ثم تمّ تسخير السينما والدراما وبرامج الإذاعة والتلفزيون والصحافة لتشويه الإسلام والمسلمين ورميهم بأقذع الصفات وأقبحها، لتنفير الناس من الإسلام وتشريعاته.. وموّه النظام العسكري على ذلك بإنشاء إذاعة القرآن الكريم، ومن قبله ما يسمى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي كانت مهمته الدعاية للبكباشي داخل البلاد وخارجها!

وبالطبع كان التطبيق العملي لاستئصال الإسلام تفريغ المؤسسات العسكرية والحكومية من المتدينين أو الذين تشم فيهم رائحة تدين.

ولا يكف النظام عن التحرش بالإسلام والمسلمين، ووضعهم في خانة الإرهاب المتحرش بالعالم، ثم مطالبته بتغيير الإسلام من خلال ما يسمى تغيير الخطاب الديني؛ وعقد المؤتمرات والندوات وإطلاق الأبواق لتحقيق هذا الغرض الخبيث.

أحدث صيحة في هذا التوجه كانت من كاتب صحفي تربي في حضن السلطة العسكرية منذ انقلاب عام 1952م وعاش في خدمتها حتى الآن، وهو الأستاذ صلاح منتصر الذي دعا اللاعب المصري الشهير محمد صلاح ليحلق ذقنه، من خلال رسالة بعث بها رفيقه الناصري، وأيده فيها بقوة، وإلا صار متطرفاً وإرهابياً، وقال منتصر: إن نجومية صلاح لها تبعاتها التي تبدأ بضرورة أن يحافظ على موهبته وصحته وضرورة حاجته إلى «نيولوك» يتغير به شكله أمام محبيه، فهو يجب أولاً أن يحلق لحيته الكثيفة التي لا تتناسب مع سنه أو نجوميته، تضعه -من حيث الشكل على الأقل- في سلة واحدة مع المتطرفين المتزمتين إن لم تضعه مع الإرهابيين أو المتعاطفين معهم على الأقل، وبعد هذا فإن عليه أن يعيد النظر تماماً في تسريحة شعره الكثيف الذى يبدو مهوشاً ومنفوشاً وكأن الحلاق لم يعرف طريق شعره منذ سنوات، وتمنى أن تكون مناسبة كأس العالم في موسكو فرصة أن يظهر في الصورة الجميلة التي يتمناها له، وختم قائلاً: عش شبابك يا صلاح ولا تتعجل اللحية والشعر الغجري!

هكذا يفكر عُبّاد البكباشي تجاه اللحية وقضايا المجتمع، بالطبع لا يفكرون في اللحى التي يظهر بها آلاف اليهود في فلسطين المحتلة، ولا ملايين اللحى التي تظهر في شتى بقاع العالم، بدءاً من لحية هوتشي منه في فيتنام إلى لحية فيدل كاسترو في كوبا، لحية المسلم لا تليق حتى لوكان إطلاقها سُنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الغريب أن صلاح منتصر وصف الرفض الساخط لما كتبه بـ"غير المبرر"، وأصر على رأيه، لأنه لم يقصد الإساءة إلى اللاعب مطلقاً، وبالطبع تجاهل أن هجومه على لحية صلاح هو هجوم على سُنة إسلامية بوصف اللحية في رأيه علامة دالة على التطرف والإرهاب! ومن هذا المنطلق فلحية ميسي، ولحية تامر حسني، ولحية سمير الإسكندراني.. علامة دالة على الإرهاب والدموية!

والمفارقة أن يأتي هجوم منتصر على اللحية، متزامناً مع حملة كراهية لترهيب المسلمين وإيذائهم في بريطانيا تحت عنوان رسائل «يوم العقاب».. فقد أكدت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أنها تحقق في رسائل إلكترونية وخطية مجهولة المصدر تحت عنوان «يوم عقاب المسلمين» تم إرسالها إلى مسلمين بعدة مناطق في بريطانيا من بينها العاصمة لندن، ومدن برادفورد، وكرديف، وشيفلد، وليستر، ومقاطعة يوركشاير ومنطقة «ميدلاندز»، وقالت الشرطة: إنها تحقق في الرسائل بوصفها «جريمة كراهية»، حيث تحرض الرسائل المروعة على إلحاق الأذى بالمسلمين يوم ٣ أبريل، انتقاماً مما وصفوه بـ«غزو المسلمين» لأوروبا.

ووضعت إحدى الرسائل «نظام نقاط» للتحريض على إيذاء المسلمين، منها أن من يقوم باعتداء لفظي سيحصل على ١٠ نقاط، ومن ينزع حجاب امرأة يحصل على ٢٥ نقطة، ومن يلقى مادة حارقة على وجه مسلم سيحصل على ٥٠ نقطة، ومن يفجر أو يحرق مسجداً سيحصل على ألف نقطة (هؤلاء لا يوصفون بالإرهاب أبداً!)

وأثارت الرسائل -كما تقول الأهرام 12/ 3/ 2018م- مخاوف من حملة اعتداءات ضد المسلمين، خاصة مع تزايد معدلات جرائم الكراهية ضد مسلمي بريطانيا بنسبة ٤٠% خلال العام الماضي، وأدان نواب في مجلس العموم البريطاني والمنظمات الحقوقية رسائل التحريض، ووصفوها بالخطيرة والمرعبة.

وقال المتحدث باسم شرطة المتروبوليتان في لندن لـ«الأهرام»: إن الشرطة بدأت التحقيق في التهديدات المروعة بعد تلقي مسلمين لتلك الرسائل، ودعاهم إلى عدم القلق، كما طالب كل من تلقى تلك التهديدات بالإبلاغ عنها للشرطة فوراً.

ولم تعلن جهة مسؤوليتها عن الرسائل، إلا أن الرسائل وضع عليها خنجر وحرفي «إم إس» أي «مسلم سلاير» أو «قاتل المسلمين» وهو ما يرجح أنها مرتبطة بتلك الجماعة العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين والمساجد في بريطانيا وأمريكا، وشنت تلك الجماعة العام الماضي هجمات على مسلمي البلدين.

عقاب المسلمين على إسلامهم بات أمراً طبيعياً في الداخل والخارج، ولم تعد مهمة الكتَّاب والإعلاميين في بلادنا العمل على مناقشة القضايا المزمنة التي يعانيها الشعب البائس، وطرح الحلول الممكنة، أو الدعوة لانتزاع الحرية والكرامة، ولكن الذي يعنيهم هو إرضاء النظام العسكري الفاشي لتزداد ثرواتهم وأملاكهم ومدخراتهم، ولم يكن غريباً أن يعلن أحدهم أنه على استعداد أن يلحس الأرض تحت أقدام الجنرال، حتى لا يرجع مسلم من سجنه!

ما يحدث في الخارج لا ينفصل عما يحدث في الداخل تجاه الإسلام والمسلمين، فحملة الكراهية ممتدة من لندن إلى القاهرة إلى بنجلاديش وميانمار والصين! لماذا؟ المسألة واضحة وضوح الشمس، الروح الصليبية الهمجية تظهر من تحت الرماد في بلاد التمدن والتنوير، وتنمو الاتجاهات التي تسمى بالشعبوية، وهي اتجاهات صليبية بكل معانيها: جبهة لوبين الوطنية، أحزاب التطرف الصليبي في هولندا والنمسا وألمانيا والنرويج والسويد والدانمرك وإيطاليا واليونان، والمجر التي أعلن زعيمها أنه قلق من زيادة المسلمين في بريطانيا، ورفض من قبل أن تستقبل بلاده اللاجئين والهاربين من بطش عملاء الغرب الصليبي في الشرق الأوسط التعيس!

لن ننتظر إنصافاً للإسلام أو دفاعاً عن المسلمين ممن تربوا في أحضان الشمولية المهزومة من الأعداء دائماً، ولكن الذي ننتظره هو رحمة الله بهذه الأمة البائسة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الخميس, 05 أكتوبر 2017 09:27

السلطانة حليمة.. وتجارة الهلس!

 

 هل تقبلين مهراً معجلاً من أرطغرل بن سليمان شاه قيمته عشرة دراهم، وعشرون خروفاً؟

قالت السلطانة حليمة: نعم أقبل.

وبعد سؤال وجواب يتكرر مع الشاب أرطغرل (العقاب الكاسر) يتم إعلان أجمل عقد قران وأبسطه، وتتصاعد الدعوات للعروسين، ليعيشا في سعادة ووئام، ويطول بهما العمر على وسادة واحدة، وينجبا من البنين والأحفاد ما يعز الإسلام والمسلمين، ويعلي من شأن قبيلة القايي، ثم يجري زفاف بقرع الدروع بالسيوف مع كلمات تفيض رقة وسمواً وطهارة، وفرحاً من السلطانة التي اقترنت بمحارب من أجل الإسلام، استطاع أن يكسر شوكة فرسان المعبد، ويهزم الصليبيين، وبهجة من المحارب أرطغرل الذي ظفر بغزالة تملك الجمال والإيمان وكانت تترقبه وهو يحارب وينتصر للدين الحنيف.

كان هذا بعض مشهد في المسلسل التركي الذي جذب ملايين المشاهدين ببساطته وعمقه وعبقريته وترفّعه عن الابتذال والهبوط.

لم تذع قنوات العربان هذا المسلسل، في الوقت الذي تحتفي فيه بمسلسلات أخرى عن حريم السلطان والعشق ومهند تشوّه التاريخ الإسلامي، وتقدم صوراً تناغي وتراً حساساً لدى خصوم الإسلام والمتربصين به، وتجذب المراهقين والمراهقات.

كانت قناة “قطر” الرسمية وحدها تذيع المسلسل مدبلجاً، وكانت الدبلجة ليست على مستوى الأداء الفني والأدبي الذي تمثله الرواية التاريخية، ولكن قنوات الثورة أذاعت المسلسل، واحتفت به من خلال ترجمة مباشرة، لم تكن دقيقة لغوياً، ولكنها كانت معبرة بطريقة ما عما يقوله الممثلون الذين يشاركون في العمل التلقائي الجميل.

قنوات العربان الكثيرة التي تبث غثاء العالم، لم تحتمل بث مسلسل يعبر عن أمجاد المسلمين في جزء مهم من العالم، ويتحدث بمعجم إسلامي، ويستدعي روح الإسلام وتاريخه وقصصه في سياق الحوار والأفكار التي يفيض بها المسلسل.

لم أفرغ لمشاهدة مسلسل في غمرة مشاغلي ومتاعبي الصحية، ولكني رأيت حلقة واحدة من أرطغرل جذبتني بأدائها الهادئ التلقائي، فتابعت بقية الحلقات التي بدت فطرية وإنسانية في تجسيد الصراع بين الخير والشر، بين الحرية والاستبداد، بين القوة المبصرة والقوة العمياء، بين الفكرة المؤمنة والسطوة الكافرة.. أضف إلى ذلك نعومة الإخراج، وخضرة المشاهد، وجمال الموسيقى، وروعة المعارك.

رجال المسلسل ونساؤه بسطاء ولكنهم محترمون وأقوياء الإيمان والانتماء، يعبرون عن مبادئهم دون ضجيج أو صراخ أو افتعال، فيضحكون ويتألمون، ويصبرون، ويثابرون في مواجهة العناء والمؤامرات والعدو الماكر الخبيث المدجج بالسلاح والقوة والحصون، يتدربون ويتعلمون ويخططون، ثم يقاتلون في استبسال وشراسة، ونساؤهم يملكن المشاعر الفياضة والعواطف الغنية، وعند الضرورة يمتلكن بأس المحاربين والمجاهدين.. مجتمع أرطغرل ليس مجتمع ملائكة، ولكن أهله يعالجون الأخطاء ويواجهون المخاطر بما ينبغي.

تجار الهلس

في قنوات بلاد العربان الشهيرة والمغمورة، قدموا دراما صنعها تجار الهلس، إن لم تسخر من الإسلام والمسلمين وتهجوهم، فهي تقدم نماذج بشرية مشوهة وتائهة وضائعة وفاقدة للذاكرة، وإلى جوارها نماذج من الجلادين يغسلون سمعتهم السيئة ويقدمونهم في صورة متحضرة لا وجود لها على أرض الواقع، فضلاً عن صور شاذة ومبتذلة لرجال ونساء لا يعانون الواقع ومتاعبه وتحولاته، ولا يعيشون مرارة الظلم والحرمان والبؤس التي فرضها الفراعنة المعاصرون.

حين تقارن بين أرطغرل، وبضاعة الهلس العربية، يهولك في هذه البضاعة ذلك السيل العرم من البذاءة والفحش في الحوار والتعبير والعلاقات بين الشخصيات التي يفترض أنها تقدم جانباً تربوياً مهماً بديلاً بعد أن اختفى دور المدرسة والجامعة والبيت.. كما يثير غضبك اتساع مساحة العنف والشر التي لا مسوغ لها في الدراما أو الواقع، والتطبيع مع هذه المساحة بوصفها أمراً مقبولاً، يُسقط القانون والضمير والأخلاق والنظام والأعراف والنظام الاجتماعي بقبضات البلطجة والإدمان والأسلحة البيضاء والفحش والبذاءة والسفالة، وكأنها أمر مقدور لا فكاك منه.. لقد استعادوا مصطلح الهلس بمفهومه اللغوي الصحيح وهو الهذيان والهذر، هَلَسَهُ الدَّاءُ أَو الحزن: ذهبَ برُشده فأَخذ يَهْذِي. هلَّسَ يهلِّس، تهليساً، فهو مُهَلِّس، والمفعول مُهَلَّس.

هَلَّسَ: مبالغة في هَلَسَ. هلَّس الشَّخصُ: هزَل، ضعُف ونحُف. هلَّس الشَّخصُ: هُلِس؛ ذهب عقلُه فأخذ يهذي. هُلِسَ: أَكل ولا يُرى أَثرُ الأَكل في جسمه مصدر هلَسَ.

 الهلس (طب) مرض السُّلّ في الرِّئتين. قال الكميت: يُعالِجْنَ أَدْواءَ السُّلالِ الهَوالِسا. هلّسه إدمان المخدّرات، أفقده رشدَه وحمله على الهذيان.

ولا أظن ما تقدمه مسلسلات الدراما وبرامج المقالب والعوالم والطبالين والزمارين والمهرجين؛ إلا هذا الهلس بكل معانيه اللغوية التي وردت في معاجم اللغة العربية، حتى ما يخص الجانب الطبي، فهي بمعنى ما سُلٌّ ينخر في صدور المشاهدين العرب وقلوبهم، ويغيّبهم عن الواقع المهين الذي تعيشه الأمة قهراً وحزناً وبؤساً وضياعاً وفقداناً للحرية والكرامة!

تخريب متعمد

ماذا قدم لنا تجار الهلس في رمضان وغير رمضان إلا موضوعات غريبة وعجيبة لا تعالج مشكلات حادة أو متجذرة في المجتمع؟ لقد استنسخوا مثلاً موضوعات العفاريت في السينما المصرية التي ظهرت قبل نصف قرن أو يزيد، وأعادوها بطريقة سمجة وسخيفة ومملة، لا تحمل خفة الدم ولا العفوية التي كان يملكها إسماعيل يس، أو فريد الأطرش، أو عبدالفتاح القصري (رحمهم الله جميعاً)، والأكثر بؤساً أنهم ربطوها بمماحكات سياسية هامشية فما أضافت وما أمتعت وما أثبتت جدارة بحال من الأحوال.

ماذا يعني أن تفرض على الأمة نفراً من الناس تسميهم بقوة الذراع فنانين أو مبدعين، وهم لا ينتمون إلى الفن الحقيقي بصلة أو الإبداع الأصيل بآصرة، ثم تمنحهم عشرات الآلاف من الدولارات ليشاركوا في مقالب سخيفة معلوم سلفاً أنها تمثيل في تمثيل، ثم يخرج المهرج أو الأراجوز على الناس، وقد خلع سرواله؟ أو تظهر واحدة من العوالم والغوازي وهي تشرشح وتردح بأحط الألفاظ ؟ ثم ينتهي كل ذلك بالضحك المصطنع وشرب الماء؟

إن برامج لا تستضيف العلماء ولا أهل العمل والإنتاج الزراعي والصناعي والفكري والأدبي الاقتصادي ونحوهم، وتكتفي بتجار الهلس وصبيانهم، لهي برامج تخريب متعمد وتدمير فاجر، والدنيا تعلم أن هناك دولاً غنية بعضها يزعم كذباً وزوراً تطبيق الإسلام؛ تنفق المليارات على هذا التخريب وذلك التدمير لإلهاء الناس عن الحق والواجب والمستقبل، والفارق بين هذه الدول ودول أخرى غير إسلامية أن الأخيرة تملك طاقات فنية حقيقية تبث من خلالها ما تريده في إطار إستراتيجية ذكية واعية بما يخدم خططها وتدبيراتها، أما دول حنا للسيف فتدمر نفسها بأيديها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الله مولانا.. اللهم فرج كرب المظلومين.. اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الإثنين, 28 نوفمبر 2016 11:35

الخيانة الثقافية مجاناً!

حين استولى العسكر على السلطة في بعض البلاد العربية عقب نكبة فلسطين وهزيمة الجيوش العربية عام 1948م وما بعدها، كان على من يسمون بالمثقفين أن يصْطفُّوا مجموعات للتخديم على استبدادهم ودمويتهم وطغيانهم، حدث ذلك في دمشق والقاهرة وبغداد وطرابلس وصنعاء والخرطوم والجزائر.. ثم امتد هذا التقليد إلى بقية العواصم المستبدة بوصفه طريقة جيدة وفعالة لتجميل الوجه القبيح للاستبداد العسكري والقمع البوليسي!

كان الشيوعيون أبرز المجموعات التي قامت بمهمة غسيل الاستبداد العسكري، وكان الصعود السوفييتي الشيوعي عنصراً فاعلاً في حسم مسألة التخديم على هذا الاستبداد عن طريق الرفاق المحليين، فقد اشترط خروشوف على البكباشي أن يفرج عن الشيوعيين ويُمكّنهم من المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والتعليمية التي كانت مجالاً لخدمة الفكر الشيوعي تحت مسمى الاشتراكية العربية، وعندما حدث التحول نحو العالم الرأسمالي كانت هذه المؤسسات مجالاً لخدمة الفكر الغربي باسم التنوير والحداثة، وفي كل الأحوال كانت غاية هذه المجموعات شن الحرب الضروس على الإسلام وقيمه وثوابته وفروعه ومؤسساته العلمية وفي مقدمتها الأزهر، ورموزه وفي طليعتهم من يتمردون على السلطان العسكري أو الأعرابي!

وفي هذا الإطار كان الترويج لأعمال فكرية وأدبية وفنية في أسفل دركات الانحطاط، وتصوير أصحابها على هيئة الأبطال والشهداء، وخاصة عندما يتصدى لهم أصحاب الفطرة السوية، وكم رأينا ملاحدة ومختلين ومنحرفين وأشباه كتَّاب ينشرون كتابات تحت مستوى القراءة، ولكن مجموعات الخدمة في الأنظمة العسكرية والاستبدادية تتصايح من أجل ما يسمى حرية الإبداع والمبدعين، وتتلقى الإشارةَ الجهاتُ الغربية ذات المصلحة في سحق الثقافة الإسلامية، فتُمْنح الجوائز وتُوَجّه الدعوات، وتُعْطِي حق اللجوء لهؤلاء الذين يحاربون الإسلام وثقافة بلادهم، ويرافق ذلك حملات ردح منظمة للرجعية الدينية والظلامية والإرهاب والتخلف.

لا غرو أن تكون هذه المجموعات موالية لليهود الغزاة والغرب الصليبي الاستعماري أو الاستدماري بمعني أدق.

الشيوعيون في مصر والبلاد العربية كان ولاؤهم ومازال لليهود الغزاة فأستاذهم اليهودي الخائن – هنري كورييل - مؤسس الأحزاب الشيوعية في مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وهو الذي دافع ومعه الشيوعيون العرب عن حق اليهود الغزاة في الكيان المغتصب بفلسطين، وهو الذي استنكر ورفاقه العرب دفاع الجيوش العربية عن فلسطين عام 1948م، وهم الذين أبدعوا في التطبيع مع الكيان النازي اليهودي وأسهموا في اتفاقيات أوسلو المهينة، وكثير منهم يفاجئنا بزيارة تطبيعية لفلسطين المحتلة تحت الراية اليهودية المنتصرة.

لقد روّجوا للاحتلال الفرنسي بقيادة السفاح الصليبي نابليون بونابرت لمصر والشام، ودلسوا على الشعوب العربية حين احتفلوا بغزوه لمصر وقتْل سُبع أهلها؛ بالقول: إنه احتفال بالعلاقات الثقافية بين العرب وفرنسا، وأضفوا على الرجل الذي قتل سُبْع الشعب المصري هالات البطولة والعظمة والمجد.

ولم يكن الشيوعيون المصريون وأشباههم وحدهم في التعبير عن الولاء للغزاة القتلة يهوداً أو غيرهم، ولكن الشام والخليج واليمن والسودان والمغرب العربي الكبير شهد نوعيات مماثلة تدين بالولاء للغزاة الأوروبيين، وتتغزل في الغزاة اليهود، عرفنا أسماء عديدة في تونس والجزائر والمغرب تكتب بالفرنسية وتتبنى التصورات العنصرية الغربية، وتسخر من القيم والعقيدة الإسلامية، وبعضهم كان مستشرقاً عدوانياً أكثر من المستشرقين الغربيين أنفسهم، خذ مثلاً على ذلك: الطاهر بن جلون، محمد أركون، وهما من أشهر المتفرنسين أو المنتمين لما يسمى بحزب فرنسا.

وإذا كان بعض هؤلاء الموالين للغرب عامة وفرنسا خاصة، يحصدون ثمن ولائهم نقداً أو جوائز أو شهرة، فإن جيلاً آخر يقدم فروض الولاء والطاعة للغرب ممزوجة بالخيانة لثقافته وقومه مجاناً كي يحظى ببعض الشهرة أو الكتابة عنه في الصحف الغربية أو الحديث عنه في بعض البرامج التلفزيونية والإذاعية.

خذ مثلاً شخصاً يدعى بوعلام صنصال من الجزائر، كتب بعض الروايات المتواضعة التي تنتقد الإسلام، ينتهز حادثة الاعتداء في نيس الفرنسية مؤخراً فيشبه هذا الاعتداء بما قام به مجاهدو ثورة 54 ضد الاحتلال الفرنسي، وكتب في مقال له عنوانه "محطة لإرهابيين بتكلفة منخفضة": إن "إرهابيي نيس لا يختلف عن إرهابيي جبهة التحرير الوطني" - يقصد الجبهة الجزائرية - وأضاف: إنه "في كلتا الحالتين، فإن الضحية واحدة وهي فرنسية". ("عربي21"، 21 يوليو 2016م).

السيد بوعلام لا يعلم أن فرنسا قتلت من شعبه المسلم منذ عام 1830 حتى عام 1962م أكثر من 10 ملايين جزائري، وفي مذبحة واحدة وقعت في مايو 1945م ذبحت أكثر من 45 ألف جزائري مسلم، هل بعرف الفرق بين الجهاد والإرهاب؟

لقد أثار الصنصال موجة غضب عارمة بين الطبقة المثقفة غير المصطفاة بالجزائر، وقال بعضهم في لغة مهذبة: إن الروائي صنصال يبحث دوماً عما يناقض توجهات الجزائريين ويمس بعواطفهم من أجل الحصول على إشهار لكتاباته، وليست هذه المرة الأولى التي يسيء فيها الرجل للثورة والمجاهدين الجزائريين الذين طردوا الاستعمار".

الرجل حانق على الثورة الجزائرية، وكتب عام 2008م رواية بعنوان "شارع داروين" نالت جائزة المكتبيين الألمان، وهي تتضمن سرداً مناقضاً لحقيقة ما وقع بمعركة الجزائر الشهيرة العام 1960م، وقد حاز على جوائز عدة نظير مواقف منحازة للغزاة الهمج ومعادية للإسلام والمسلمين.

فرنسا الهمجية لم تعتذر حتى اليوم عن جرائمها ومذابحها ضد الجزائريين، وفي عام 2007م، قال الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي في خلال زيارته الجزائر: "لا يمكن للأبناء أن يعتذروا عما ارتكبه الآباء"، وأضاف: "كان هناك عنف مرتكب من الجانبين"، ساركوزي بدا أكثر إنصافاً من الجزائري صنصال، ولكن الأخير قدم هدايا مجانية للغزاة القتلة من أجل الشهرة، والشهرة مرض قاده لزيارة القدس المُحتلة، وحائط المبكى (البراق)، والبكاء عنده، آملاً في الحصول على جائزة! ولكن هذا الانتهازي الخاسر كما سماه بعض الكتَّاب الجزائريين لا يفقه معنى الوطن والكرامة القومية، مثله مثل الشيوعيين والليبراليين العرب والمأجورين الذين يعملون في خدمة الاستبداد والحكم العسكري الفاشل والغزاة الغربيين واليهود!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الخميس, 10 نوفمبر 2016 12:49

أحلام الشيخوخة!

رأيته في الحلم ينتزعني من حضن أمي، كنت في الثامنة ولكني رأيت حجمي ضئيلاً للغاية، يشبه حجم قطة صغيرة، ثم رأيتني في الوحدة الصحية بالقرية الكبيرة المجاورة، كنا نسميها المستشفى وأحيانا "المجانة"؛ أي التي تعالج المرضى مجاناً، كانت معي إحدى قريباتي تمسك بيدي، وباليد الأخرى ولداً من حارتنا غاب عني شكله، واسمه، وقفنا في باحة الوحدة وسط الزحام، رجال ونساء وأطفال ورضع، غابة من الصياح والصراخ والأصوات العالية كأنه يوم الحشر،

قلت لقريبتي:

- كيف سنصل إلى شباك صرف الدواء؟

ضغطت يدي، وقالت:

- اصبر، سنصل إن شاء الله!

أخذنا نناضل الناس ونخترق الزحام حتى وصلنا إلى الشباك الزجاجي الذي تحميه شبكة حديدية قوية، وبها فتحة مستطيلة في الأسفل يوزع منها الدواء، كانت الأيدي الممدودة نحو الشباك كثيرة جداً، لا أعرف كيف استطعنا الحصول على زجاجة الدواء الأسود؟ هل كانوا يسمونه زرنيخ مع الحديد؟ ومعها قطعة من المرهم، ثم كوباً به شربة زيت الخروع لطرد ديدان الإنكلستوما!

في الشارع الواسع المترب جذبتنا لمة خلق كثيرين أمام قصر الباشا القديم الذي علا أسواره الخارجية نشع المياه، كان هناك جهاز راديو ضخم، يذيع أخبار الملك السابق والقائد المحبوب محمد نجيب، ويتحدث عن الضباط الأحرار والعهد الذهب القادم.

قلت لقريبتي:

- إني جائع يا خالة.. جائع يا خالة..

سحبتني والولد الآخر إلى بيت فلاحي بابه واسع وجدرانه من الطوب اللبن، ومدخله يمنح الجالس فيه شيئاً من الطراوة، جلسنا أمامه، وجاءت ربة الدار ببعض الأرغفة البيتي وقطعة من الجبن القديم وقطعا من اللفت المخلل وقُلّة من الماء البارد، أكلنا وشربنا وشبعنا ودعونا للمرأة صاحبة الدار.

قلت للخالة:

أنا حاف والأرض ساخنة ولا أستطيع السير في الصهد. قالت:

- امش بجانب الحائط، هناك جانب طريّ.

قلت لها: تعبت، استدارت وقالت: سأنادي على صاحب الحمار القادم هناك، وأشارت بيدها لتركب معه.

فجأة وجدتني في مطار فخم يشبه مطار القاهرة، كنت أرتدي حلة فاخرة دون رباط عنق، كان معي بعض المرافقين، وتقدمنا إلى الجوازات بوثائق السفر لنختمها.

قال الضابط المختص:

- آسف يا معالي الوزير، لن تستطيع السفر!

بوغتُّ، وقلت له: لماذا يا بني؟ إني ذاهب لأوقع اتفاقية بين دولتين!

قال: يؤسفني أن جواز سفرك ملغي، فقد مضت عليه سبعون سنة!

نظرت حولي لم أجد المرافقين، رأيت عدسات التلفزة والمصورين وميكرفوناتهم تتجه إليّ، وتسألني عن تشكيل الحكومة الجديدة، أحسست بشيء يخنقني ويكتم على أنفاسي ويضغط على صدري وأجفاني.

جاء أذان الفجر لينقذني من العدسات والميكروفونات وهجمات الناس، تشهدت واستغفرت وقلت: اللهم اجعله خيراً!

(2)

رأيته في الحلم جميلاً ومبتسماً، وجهه يشع بالضياء والنضارة، كان شاباً وسيما تعلو رأسه عمامة شامخة وفوق عينيه نظارة مذهبة لعلها للقراءة، اندفعت إليه مرحباً ومهللاً، قال لي: لماذا لم توافني بأعداد الاعتصام؟ لقد اشتريت المجلة من الباعة الذين حول إدارة الأزهر، حصلت على عشرين نسخة لأوزعها على الضيوف الذين يريدون معرفة رأيي!

قلت له:

- إن الحاج حسن سيوافيك بخمسين نسخة أخرى.

قال وهو يبدي فرحه بنشر موضوعه:

- اشكره وقل له: إن نشر المقال بعد أن رفضت صحف الحكومة نشره يؤكد أن مصر بها علماء دين لا يركعون إلا لله، لقد رفضت ما أرادوا فرضه علينا مخالفا للشرع.

وتهيأت للثناء عليه، ولكني لم أجده، صحت بأعلى صوتي:

- يا مولانا، يا فضيلة الإمام، يا د. عبدالحليم، ولكن صوتي غاب في فلاة لا نهاية لها.

مضيت أبحث عنه وأنا أتلفت يميناً وشمالاً لم أجد أحداً، وصلت شاطئ النيل عند قريتنا، رأيته قادماً في مركب ذات شراع، كان يسير فوق الماء، ولكن وجهه مكفهر، مليء بالغضب وينطلق الشرر من عينيه:

- كيف تسمحون بمن يلغي خانة الدين في الشهادات المدرسية؟

حاولت الإجابة ولكن صوتي لم يخرج من حلقي:

- إنهم ينقضون الإسلام عروة، يطالبونكم بفصل الدين عن الدنيا، ويجعلونه مادة للتندر والسخرية وأنتم صامتون، ثم يطلبون أن تعيشوا جالية في بلدكم، على فكرة قرأت مقالك "الجالية الإسلامية في مصر" وكنت سعيداً به.

اختفي مرة أخرى، وكنت أطير من الفرح لأنه قرأ كلامي؟ حاولت أن أشكره وأحاوره، ولكني استيقظت لأجد الدنيا حولي صامتة ساكنة، والليل يرخي سدوله على العالمين.

(3)

في نومي جاءت خديجة، رأيت وجنتيها محمرتان في لون الطماطم، وضعت يدي على جبينها أحسست بنار الله الموقدة تلسع يدي، فتقطع قلبي، حملتها على الفور وأسرعت بها إلى المستوصف المجاور، كنت قوياً وفي ريعان الشباب، قالت:

- يا جدي، أين عصاك التي تمشي بها؟

قلت لها:

- لقد شفيت يا أمي.

قال طبيب له وجه أرنب وصوت قطة:

- الحرارة 40، ويلزم علاج عاجل.

كبرت خديجة ونحن في طريق العودة، كانت عصاتي في يد، وخديجة في اليد الأخرى، غنت: "يا كتكوت يا صغير.. مالك كدا متحي.."، وضحكت من الأعماق، قابلتني أمي التي لم أرها منذ ثلاثين عاماً فاتحة ذراعيها لحفيدتي، ورأيت مصعداً في عمارة يحملنا نحن الثلاثة إلى شقة طيبة الهواء، وجلست أمي على أحد الكراسي تقرأ سورة الفلق، وكانت خديجة تردد وراءها بصوت ألثغ: جميل. 

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top