د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 28 نوفمبر 2016 11:35

الخيانة الثقافية مجاناً!

حين استولى العسكر على السلطة في بعض البلاد العربية عقب نكبة فلسطين وهزيمة الجيوش العربية عام 1948م وما بعدها، كان على من يسمون بالمثقفين أن يصْطفُّوا مجموعات للتخديم على استبدادهم ودمويتهم وطغيانهم، حدث ذلك في دمشق والقاهرة وبغداد وطرابلس وصنعاء والخرطوم والجزائر.. ثم امتد هذا التقليد إلى بقية العواصم المستبدة بوصفه طريقة جيدة وفعالة لتجميل الوجه القبيح للاستبداد العسكري والقمع البوليسي!

كان الشيوعيون أبرز المجموعات التي قامت بمهمة غسيل الاستبداد العسكري، وكان الصعود السوفييتي الشيوعي عنصراً فاعلاً في حسم مسألة التخديم على هذا الاستبداد عن طريق الرفاق المحليين، فقد اشترط خروشوف على البكباشي أن يفرج عن الشيوعيين ويُمكّنهم من المؤسسات الثقافية والفنية والإعلامية والتعليمية التي كانت مجالاً لخدمة الفكر الشيوعي تحت مسمى الاشتراكية العربية، وعندما حدث التحول نحو العالم الرأسمالي كانت هذه المؤسسات مجالاً لخدمة الفكر الغربي باسم التنوير والحداثة، وفي كل الأحوال كانت غاية هذه المجموعات شن الحرب الضروس على الإسلام وقيمه وثوابته وفروعه ومؤسساته العلمية وفي مقدمتها الأزهر، ورموزه وفي طليعتهم من يتمردون على السلطان العسكري أو الأعرابي!

وفي هذا الإطار كان الترويج لأعمال فكرية وأدبية وفنية في أسفل دركات الانحطاط، وتصوير أصحابها على هيئة الأبطال والشهداء، وخاصة عندما يتصدى لهم أصحاب الفطرة السوية، وكم رأينا ملاحدة ومختلين ومنحرفين وأشباه كتَّاب ينشرون كتابات تحت مستوى القراءة، ولكن مجموعات الخدمة في الأنظمة العسكرية والاستبدادية تتصايح من أجل ما يسمى حرية الإبداع والمبدعين، وتتلقى الإشارةَ الجهاتُ الغربية ذات المصلحة في سحق الثقافة الإسلامية، فتُمْنح الجوائز وتُوَجّه الدعوات، وتُعْطِي حق اللجوء لهؤلاء الذين يحاربون الإسلام وثقافة بلادهم، ويرافق ذلك حملات ردح منظمة للرجعية الدينية والظلامية والإرهاب والتخلف.

لا غرو أن تكون هذه المجموعات موالية لليهود الغزاة والغرب الصليبي الاستعماري أو الاستدماري بمعني أدق.

الشيوعيون في مصر والبلاد العربية كان ولاؤهم ومازال لليهود الغزاة فأستاذهم اليهودي الخائن – هنري كورييل - مؤسس الأحزاب الشيوعية في مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وهو الذي دافع ومعه الشيوعيون العرب عن حق اليهود الغزاة في الكيان المغتصب بفلسطين، وهو الذي استنكر ورفاقه العرب دفاع الجيوش العربية عن فلسطين عام 1948م، وهم الذين أبدعوا في التطبيع مع الكيان النازي اليهودي وأسهموا في اتفاقيات أوسلو المهينة، وكثير منهم يفاجئنا بزيارة تطبيعية لفلسطين المحتلة تحت الراية اليهودية المنتصرة.

لقد روّجوا للاحتلال الفرنسي بقيادة السفاح الصليبي نابليون بونابرت لمصر والشام، ودلسوا على الشعوب العربية حين احتفلوا بغزوه لمصر وقتْل سُبع أهلها؛ بالقول: إنه احتفال بالعلاقات الثقافية بين العرب وفرنسا، وأضفوا على الرجل الذي قتل سُبْع الشعب المصري هالات البطولة والعظمة والمجد.

ولم يكن الشيوعيون المصريون وأشباههم وحدهم في التعبير عن الولاء للغزاة القتلة يهوداً أو غيرهم، ولكن الشام والخليج واليمن والسودان والمغرب العربي الكبير شهد نوعيات مماثلة تدين بالولاء للغزاة الأوروبيين، وتتغزل في الغزاة اليهود، عرفنا أسماء عديدة في تونس والجزائر والمغرب تكتب بالفرنسية وتتبنى التصورات العنصرية الغربية، وتسخر من القيم والعقيدة الإسلامية، وبعضهم كان مستشرقاً عدوانياً أكثر من المستشرقين الغربيين أنفسهم، خذ مثلاً على ذلك: الطاهر بن جلون، محمد أركون، وهما من أشهر المتفرنسين أو المنتمين لما يسمى بحزب فرنسا.

وإذا كان بعض هؤلاء الموالين للغرب عامة وفرنسا خاصة، يحصدون ثمن ولائهم نقداً أو جوائز أو شهرة، فإن جيلاً آخر يقدم فروض الولاء والطاعة للغرب ممزوجة بالخيانة لثقافته وقومه مجاناً كي يحظى ببعض الشهرة أو الكتابة عنه في الصحف الغربية أو الحديث عنه في بعض البرامج التلفزيونية والإذاعية.

خذ مثلاً شخصاً يدعى بوعلام صنصال من الجزائر، كتب بعض الروايات المتواضعة التي تنتقد الإسلام، ينتهز حادثة الاعتداء في نيس الفرنسية مؤخراً فيشبه هذا الاعتداء بما قام به مجاهدو ثورة 54 ضد الاحتلال الفرنسي، وكتب في مقال له عنوانه "محطة لإرهابيين بتكلفة منخفضة": إن "إرهابيي نيس لا يختلف عن إرهابيي جبهة التحرير الوطني" - يقصد الجبهة الجزائرية - وأضاف: إنه "في كلتا الحالتين، فإن الضحية واحدة وهي فرنسية". ("عربي21"، 21 يوليو 2016م).

السيد بوعلام لا يعلم أن فرنسا قتلت من شعبه المسلم منذ عام 1830 حتى عام 1962م أكثر من 10 ملايين جزائري، وفي مذبحة واحدة وقعت في مايو 1945م ذبحت أكثر من 45 ألف جزائري مسلم، هل بعرف الفرق بين الجهاد والإرهاب؟

لقد أثار الصنصال موجة غضب عارمة بين الطبقة المثقفة غير المصطفاة بالجزائر، وقال بعضهم في لغة مهذبة: إن الروائي صنصال يبحث دوماً عما يناقض توجهات الجزائريين ويمس بعواطفهم من أجل الحصول على إشهار لكتاباته، وليست هذه المرة الأولى التي يسيء فيها الرجل للثورة والمجاهدين الجزائريين الذين طردوا الاستعمار".

الرجل حانق على الثورة الجزائرية، وكتب عام 2008م رواية بعنوان "شارع داروين" نالت جائزة المكتبيين الألمان، وهي تتضمن سرداً مناقضاً لحقيقة ما وقع بمعركة الجزائر الشهيرة العام 1960م، وقد حاز على جوائز عدة نظير مواقف منحازة للغزاة الهمج ومعادية للإسلام والمسلمين.

فرنسا الهمجية لم تعتذر حتى اليوم عن جرائمها ومذابحها ضد الجزائريين، وفي عام 2007م، قال الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي في خلال زيارته الجزائر: "لا يمكن للأبناء أن يعتذروا عما ارتكبه الآباء"، وأضاف: "كان هناك عنف مرتكب من الجانبين"، ساركوزي بدا أكثر إنصافاً من الجزائري صنصال، ولكن الأخير قدم هدايا مجانية للغزاة القتلة من أجل الشهرة، والشهرة مرض قاده لزيارة القدس المُحتلة، وحائط المبكى (البراق)، والبكاء عنده، آملاً في الحصول على جائزة! ولكن هذا الانتهازي الخاسر كما سماه بعض الكتَّاب الجزائريين لا يفقه معنى الوطن والكرامة القومية، مثله مثل الشيوعيين والليبراليين العرب والمأجورين الذين يعملون في خدمة الاستبداد والحكم العسكري الفاشل والغزاة الغربيين واليهود!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الخميس, 10 نوفمبر 2016 12:49

أحلام الشيخوخة!

رأيته في الحلم ينتزعني من حضن أمي، كنت في الثامنة ولكني رأيت حجمي ضئيلاً للغاية، يشبه حجم قطة صغيرة، ثم رأيتني في الوحدة الصحية بالقرية الكبيرة المجاورة، كنا نسميها المستشفى وأحيانا "المجانة"؛ أي التي تعالج المرضى مجاناً، كانت معي إحدى قريباتي تمسك بيدي، وباليد الأخرى ولداً من حارتنا غاب عني شكله، واسمه، وقفنا في باحة الوحدة وسط الزحام، رجال ونساء وأطفال ورضع، غابة من الصياح والصراخ والأصوات العالية كأنه يوم الحشر،

قلت لقريبتي:

- كيف سنصل إلى شباك صرف الدواء؟

ضغطت يدي، وقالت:

- اصبر، سنصل إن شاء الله!

أخذنا نناضل الناس ونخترق الزحام حتى وصلنا إلى الشباك الزجاجي الذي تحميه شبكة حديدية قوية، وبها فتحة مستطيلة في الأسفل يوزع منها الدواء، كانت الأيدي الممدودة نحو الشباك كثيرة جداً، لا أعرف كيف استطعنا الحصول على زجاجة الدواء الأسود؟ هل كانوا يسمونه زرنيخ مع الحديد؟ ومعها قطعة من المرهم، ثم كوباً به شربة زيت الخروع لطرد ديدان الإنكلستوما!

في الشارع الواسع المترب جذبتنا لمة خلق كثيرين أمام قصر الباشا القديم الذي علا أسواره الخارجية نشع المياه، كان هناك جهاز راديو ضخم، يذيع أخبار الملك السابق والقائد المحبوب محمد نجيب، ويتحدث عن الضباط الأحرار والعهد الذهب القادم.

قلت لقريبتي:

- إني جائع يا خالة.. جائع يا خالة..

سحبتني والولد الآخر إلى بيت فلاحي بابه واسع وجدرانه من الطوب اللبن، ومدخله يمنح الجالس فيه شيئاً من الطراوة، جلسنا أمامه، وجاءت ربة الدار ببعض الأرغفة البيتي وقطعة من الجبن القديم وقطعا من اللفت المخلل وقُلّة من الماء البارد، أكلنا وشربنا وشبعنا ودعونا للمرأة صاحبة الدار.

قلت للخالة:

أنا حاف والأرض ساخنة ولا أستطيع السير في الصهد. قالت:

- امش بجانب الحائط، هناك جانب طريّ.

قلت لها: تعبت، استدارت وقالت: سأنادي على صاحب الحمار القادم هناك، وأشارت بيدها لتركب معه.

فجأة وجدتني في مطار فخم يشبه مطار القاهرة، كنت أرتدي حلة فاخرة دون رباط عنق، كان معي بعض المرافقين، وتقدمنا إلى الجوازات بوثائق السفر لنختمها.

قال الضابط المختص:

- آسف يا معالي الوزير، لن تستطيع السفر!

بوغتُّ، وقلت له: لماذا يا بني؟ إني ذاهب لأوقع اتفاقية بين دولتين!

قال: يؤسفني أن جواز سفرك ملغي، فقد مضت عليه سبعون سنة!

نظرت حولي لم أجد المرافقين، رأيت عدسات التلفزة والمصورين وميكرفوناتهم تتجه إليّ، وتسألني عن تشكيل الحكومة الجديدة، أحسست بشيء يخنقني ويكتم على أنفاسي ويضغط على صدري وأجفاني.

جاء أذان الفجر لينقذني من العدسات والميكروفونات وهجمات الناس، تشهدت واستغفرت وقلت: اللهم اجعله خيراً!

(2)

رأيته في الحلم جميلاً ومبتسماً، وجهه يشع بالضياء والنضارة، كان شاباً وسيما تعلو رأسه عمامة شامخة وفوق عينيه نظارة مذهبة لعلها للقراءة، اندفعت إليه مرحباً ومهللاً، قال لي: لماذا لم توافني بأعداد الاعتصام؟ لقد اشتريت المجلة من الباعة الذين حول إدارة الأزهر، حصلت على عشرين نسخة لأوزعها على الضيوف الذين يريدون معرفة رأيي!

قلت له:

- إن الحاج حسن سيوافيك بخمسين نسخة أخرى.

قال وهو يبدي فرحه بنشر موضوعه:

- اشكره وقل له: إن نشر المقال بعد أن رفضت صحف الحكومة نشره يؤكد أن مصر بها علماء دين لا يركعون إلا لله، لقد رفضت ما أرادوا فرضه علينا مخالفا للشرع.

وتهيأت للثناء عليه، ولكني لم أجده، صحت بأعلى صوتي:

- يا مولانا، يا فضيلة الإمام، يا د. عبدالحليم، ولكن صوتي غاب في فلاة لا نهاية لها.

مضيت أبحث عنه وأنا أتلفت يميناً وشمالاً لم أجد أحداً، وصلت شاطئ النيل عند قريتنا، رأيته قادماً في مركب ذات شراع، كان يسير فوق الماء، ولكن وجهه مكفهر، مليء بالغضب وينطلق الشرر من عينيه:

- كيف تسمحون بمن يلغي خانة الدين في الشهادات المدرسية؟

حاولت الإجابة ولكن صوتي لم يخرج من حلقي:

- إنهم ينقضون الإسلام عروة، يطالبونكم بفصل الدين عن الدنيا، ويجعلونه مادة للتندر والسخرية وأنتم صامتون، ثم يطلبون أن تعيشوا جالية في بلدكم، على فكرة قرأت مقالك "الجالية الإسلامية في مصر" وكنت سعيداً به.

اختفي مرة أخرى، وكنت أطير من الفرح لأنه قرأ كلامي؟ حاولت أن أشكره وأحاوره، ولكني استيقظت لأجد الدنيا حولي صامتة ساكنة، والليل يرخي سدوله على العالمين.

(3)

في نومي جاءت خديجة، رأيت وجنتيها محمرتان في لون الطماطم، وضعت يدي على جبينها أحسست بنار الله الموقدة تلسع يدي، فتقطع قلبي، حملتها على الفور وأسرعت بها إلى المستوصف المجاور، كنت قوياً وفي ريعان الشباب، قالت:

- يا جدي، أين عصاك التي تمشي بها؟

قلت لها:

- لقد شفيت يا أمي.

قال طبيب له وجه أرنب وصوت قطة:

- الحرارة 40، ويلزم علاج عاجل.

كبرت خديجة ونحن في طريق العودة، كانت عصاتي في يد، وخديجة في اليد الأخرى، غنت: "يا كتكوت يا صغير.. مالك كدا متحي.."، وضحكت من الأعماق، قابلتني أمي التي لم أرها منذ ثلاثين عاماً فاتحة ذراعيها لحفيدتي، ورأيت مصعداً في عمارة يحملنا نحن الثلاثة إلى شقة طيبة الهواء، وجلست أمي على أحد الكراسي تقرأ سورة الفلق، وكانت خديجة تردد وراءها بصوت ألثغ: جميل. 

السبت, 05 نوفمبر 2016 13:45

"نوبل" للجنرال!

مشكلٌ كبيرٌ أن ترى من يُفْترض أنهم الصفوة يعيشون حالة مَرَضيَّة مزعجة في الفهم والسلوك، وخاصة فيما يتعلق بعقيدة الوطن ومستقبله، وعلاقته بأعدائه التاريخيين!

أستاذ الجامعة الذي يفترض أنه في ذروة الوعي وقمة الهرم الفكري، ويدرك أبعاد ما يجري حوله، ويعلم أن الشعوب لا تتقدم إلا بالحرية والكرامة والشورى والعدل، حين يتحول إلى مجرد مخبر أو كاتب تقارير أو ماسح بيادة لأنه لا يستريح إلى الإسلام وقيمه وأخلاقه فاعلم أن مصر ليست بخير

حين يتحول أستاذ الجامعة إلى مجرد مطبلاتي لقائد الانقلاب ومداهن له، ويتناسى ما درسه في تخصصه العلمي حول الطبيعة العدوانية النكدة للعدو النازي اليهودي، ويتصور أن مبادرات الاستسلام والإذعان يمكن أن تقنع اليهود الغزاة بالسلام الحقيقي، والتخلي عن الوحشية التي يأمرهم بها خطابهم الديني وكتابهم المقدس، وإعادة الحقوق أو جزء منها لأصحابها ؛ فاعلم أن مصر ليست بخير!

حين يتحول الصحفي الذي يخاطب الناس في صحيفة يومية إلى مجرد تلميذ بليد في مدرسة النفاق والتضليل، فيقلب الحقائق، ويدلس على القراء، ويحول شعبه إلى أعداء يجب على السلطة الانقلابية أن تقاتلهم وتستأصلهم وتنزع الجنسية عنهم، لأنهم مسلمون، ويتمسكون بدينهم وقيمه وأخلاقه ؛ فاعلم أن مصر ليست بخير.

هذه النماذج النفاقية الرخيصة حين تتصدر المشهد الانقلابي تعني أن مصر مقبلة على مجهول مُفزع لا يعلم إلا الله إلى أين يصب أو ينتهي.

الصفوة الثقافية في المجتمع يفترض أن تكون حائط صدّ يحمي الشعب من الاستبداد والطغيان والقمع والارتماء في أحضان العدو. الصفوة الثقافية في أميركا اللاتينية أيام حكومات العسكر الانقلابية؛ كانت مثالا رائعا لهذا الحائط. لقد دفعوا ثمنا باهظا، موتا وسجنا ومطاردة ونفيا، ولم يهادنوا أعداء الحياة وحملة البنادق وقادة الدبابات والطائرات.. التاريخ سجل لهم بالفخر والتمجيد دورهم العظيم في تحرير بلادهم من الحكم العسكري والفشل المزمن والتخلف المهين!

حين يزوّر أستاذ جامعي الواقع المشهود ويرى أن مشكلة البلاد تكمن في ثنائية مريضة بين السلطة (يقصد الانقلاب) والمتأسلمين (يقصد المسلمين)، وتبادل المقاعد والتعاون الظاهري والخفي والتوافق حول توزيع الأدوار ويطالب بوقفة حاسمة – أي استئصال المسلمين - ليبقى المخبرون وكتاب التقارير وجواسيس التنظيم الطليعي، فاعلم أن البلاد تهبط بسرعة شديدة إلى الحضيض.

المخبر التعيس يكذب فيدعي مثل بقية اليساريين وأشباههم أن السادات أحيا الإسلاميين، وأن مبارك استخدمهم، وأنهم جلسوا فوق السلطة وفى البرلمان! ونسي البائس أن الشعب المصري هو من اختار الإسلاميين لمجلسي الشعب والشورى، وهو من انتخب رئيساً مسلماً ليحكمه، وعلينا ألا ننسى أن الإسلاميين في كل الحقب العسكرية وما قبلها كانوا نزلاء في المعتقلات والسجون ولم يكونوا في يوم ما مصدر فساد مرعب أو هزائم مذلة، وأنهم كانوا عوناً للفقراء والمساكين والمحتاجين، بما أنشؤوه من مستوصفات ومستشفيات، وجمعيات خيرية ومدارس نموذجية صادرها العسس!

المخبر الذي اتهم رؤساء الجامعات بالأخونة وأدانه القضاء، يشكو اليوم من محاولة إلصاق تهمة الأخونة بكل نقد يكتب أو يقال للسلطة الحاكمة (أي الانقلاب)!  

الأعجب من ذلك أن يسعى أستاذ جامعي آخر لنيل الرضا العسكري الانقلابي فيشيد بما يسمى مبادرة السلام التي طرحها الجنرال في أسيوط، وأنه وجد المفتاح الوحيد للحل وجائزة نوبل للسلام، ويتباهى أنه وضع نفسه وأدواته البحثية في حاله ترقب وطوارئ منذ دعا الجنرال في خطاب أسيوط إلى ضرورة السلام وحل المأساة الفلسطينية، ويحدثنا المذكور أنه واصل التنقيب ومازال في المصادر العبرية بحثا عن المؤشرات الدالة على تأثيرات دعوة الجنرال على موقف القيادات الصهيونية المتصلّب، ويرى أن مفتاح السلام ليس في القرارات الدولية ولا المباحثات ولا المؤتمرات ولا الدعوات الحسنة للسلام. إن المفتاح كما تدله خبراته التاريخية السابقة يتمثل في تبديل قناعات(؟) القيادات الصهيونية لتقترب من تيار الجوار الحسن مع العرب والذي يفرز فكرة الدولتين المتجاورتين في سلام، وأنه يبحث عما يستطيع الجنرال أن يحدثه من تغيير في القناعات المتطرفة لدى نتنياهو وحكومته بالترغيب في الفوائد المشتركة للشعبين(؟) من تحقيق السلام العادل ومن التحول من تيار السيطرة العسكرية على العرب إلى تيار الجوار الحسن معهم!

صاحبنا الخبير القديم في العبرية يتصور أن القتلة اليهود سيقتنعون بما يقدمه الجنرال من تنازلات، وما يشرحه لهم من فوائد، ونسي أن اليهود الغزاة يطبقون خطابهم الديني الذي ينطلق من الكتاب المقدس باستباحة الأغيار وتصفيتهم دموياً وبقر بطون نسائهم الحوامل، والاستيلاء على الأرض والممتلكات والماشية والأغنام، وأن القوة هي المفاوض الأول والأخير.. وأمتك يا مولانا لا تستخدم القوة إلا ضد نفسها، وانظر إلى بشار براميل ومن قبله والده حين لم يطلقا طوال أكثر من أربعين عاما رصاصة واحدة على الجولان المحتل، بينما تتدفق القذائف والصواريخ ضد الشعب السوري السنّي بلا هوادة طوال ست سنوات عجاف!

المهم أن صديقنا الخبير العبري يطلب وسام البطولة القومية للجنرال إذا نجحت جهوده في إقناع القتلة اليهود بما يسمى السلام!

وإذا تركنا أهل الجامعة جانبا، فاقرأ ما يقوله كائن يعمل بصحافة الجنرال تحت عنوان "اذهب أنت وربك فقاتلا!" مشبهاً له بالنبي موسى عليه السلام: والله، بدلاً من أن نشكو من ارتفاع الأسعار وضيق الحال، علينا أن نخجل من أنفسنا، بعد أن ارتضينا أن نكون «ظهراً محنياً»!

وعدنا «الرجل» - يقصد الجنرال - بالصبر والجلد والتحمل، ولكننا لم نكن رجالاً، ولم نف بوعودنا!

استغثنا به لإنقاذ مصر وقت أن كانت على شفا حفرة من النار، ولما قبل بتولي المهمة، ألقينا هموم 60 عاماً على كاهله، وفي مرحلة لاحقة حملناه هو نفسه مسؤوليتها، وفي مرحلة تالية، انتقلنا إلى مرحلة التطاول والوقاحة، بحجة أنه رئيس، وأن الرئيس «موظف» عند شعبه، ونسينا أننا أيضاً «موظفون» مثله، ولكننا لا نعمل 1% من عمله! ثم يستمر المذكور في جلد الشعب المصري بشتائمه وسخائمه ويشبه الجنرال بتشبيه آخر بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -«لو خضت البحر لخضناه معك».. إلخ.

هذه النوعية من الصفوة التي يفترض أنها حائط صدّ يحمي الشعب تبدي نفاقها وابتذالها، وتمسح البيادة في انحناء كريه، ولا تجد غضاضة في ازدراء دينها والتحريض على شعبها بينما تسترضي اليهود القتلة الغزاة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 29 أكتوبر 2016 14:41

تربية العوالم وتعليم الغوازي!

أبناؤنا من الأجيال الجديدة لا يجدون تربية حقيقية ولا تعليماً جيداً بحكم الواقع الفاسد الذي يعيشون فيه، فالأسرة مشغولة بالبحث عن لقمة الخبز، وتوفير مستلزمات الحياة اليومية، لا يجد الطفل ولا الصبي ولا الشاب من يرشده إلى السلوك القويم ولا الكلم الطيب فضلاً عن العمل المفيد المنتج، وأضحت ثقافة الزحام تلقي بظلالها الكئيبة على الأسرة والمجتمع والحياة فتفرز ألواناً شاذة من السلوك والتعامل والحوار والمعجم، تصب غالباً في خانة الحياة المادية الجافة الجرباء الجوفاء!

أما التعليم فحدث ولا حرج، مدارس التعليم العام لم تعد مكاناً للتعليم بقدر ما أضحت مكاناً للامتحانات الذي يشيع فيه الغش والانفلات، فقد تكفلت الدروس الخصوصية بتقديم التعليم البديل الذي يتولى معالجة كل المواد عدا التربية الإسلامية التي لا يمثل وجودها قيمة تذكر؛ لأنها لا تضاف إلى المجموع، وأضحى المعلم يمد يده للطالب كي يتناول أجره، وتسقط الحواجز بين الاثنين لدرجة أنهما - في بعض الأحيان - يتبادلان السجائر، ويتعاملان مثل صديقين حميمين! وقل شيئاً من ذلك عن الجامعات.

خلت المدارس من الطلاب إلا أيام الامتحانات، ولن تجد في فصول الصف الثالث الثانوي أو الثالث الإعدادي طالباً واحداً أيام الدراسة، بقية الصفوف يتفاوت فيها الحضور بحيث لا تستطيع أن تجد فصلاً يكتمل حضور طلابه، الحضور في بيوت المدرسين أو مراكز الدروس الخصوصية (السنتر) أو المنازل انتظاراً للمستر!

أبناؤنا ليس أمامهم غير المربي الأوحد وهو التلفزيون بما يقدمه من أفلام ودراما وبرامج مليئة غالباً بالأكاذيب والجهل الفاضح والتسطيح الثقافي وتزييف الوعي والتطبيع مع الحرام والجريمة والاستخفاف بالدين وأهله فضلاً عن القدوة الفاسدة!

المادة الصلبة فيما يقدمه المربي الأوحد أعني التلفزيون هي المادة التي يقدمها أهل الهلس، ويسمونهم أهل الفن، وما أبعدهم عن الفن الحقيقي الذي يرقي بالبشر ويرقق الحجر، إنهم يقدمون الجريمة والعهر والشرب واللصوصية والخلل الفكري والعقدي بوصفها أموراً عادية لا صلة لها بالحلال والحرام يمارسها المجتمع المسلم بشكل طبيعي اعتيادي!

رأى الحكم العسكري أن أهل الهلس هم نجوم المجتمع الذين يحارب بهم ويكيد العذال من الأعداء والخصوم، فألح على عرضهم باستمرار على شاشة المربي الفاضل ليكونوا بديلا للأسرة والمدرسة والجامعة. ومن المضحكات المبكيات أنه جعلهم مناضلين وقادة سياسيين يبذلون التصريحات والبيانات المؤيدة للاستبداد والطغيان، ويكفي مثلاً أن نشير إلى ما نسب إلى بعضهم، فإحداهن تعلن بمناسبة ما قيل عن مظاهرات الغلابة يوم 11/ 11/ 2016م: "سنواجه النازلين بصدور عارية، وأخرى تقول: مستعدة أقلع ملط لو سمعت أحداً يهتف ضد الجنرال! صحيح اللي اختشوا ماتوا! هذه هي الفلسفة التربوية والتعليمة لأهل الهلس، ولا تسل عن تهميش الفئات الأخرى من علماء ومهندسين وأطباء وأدباء وفلاحين وعمال وغيرهم".

الهلس الذي تقدمه الأفلام والمسلسلات يؤكد على قيم التفاهة والسطحية والانحطاط السلوكي والخلقي ويقدم لغة مكشوفة مبتذلة لا مكان فيها للرقي والتهذيب واحترام الناس، كما يرسخ بعض الصور المعكوسة للرجل والمرأة، فنرى الرجال "المؤنثين" والنساء "الذكور"، الرجل الناعم مثل الأنثى، والمرأة الخشنة مثل الذكر، فضلاً عن قيام بعض الممثلين بدور امرأة، يلبسون ملابس النساء، ويقدمون أنفسهم بوصفهم إناثاً معتقدين أن الإكثار من ذلك يخدم كوميديا الهلس التي يقدمونها، ولكن العائد سيئ بالتأكيد لأن الشبان والفتيات يرون فيما يقدم نموذجاً وقدوة ومثلاً.

قلب المعادلة البشرية في الأنوثة والذكورة له تداعياته في تخريب المجتمع، وسيولة القيم والعادات والتقاليد التي كانت إيجابية؛ تحافظ على كيان الرجل وجديته، وحياء المرأة ونعومتها. من المعيب أن يكون النموذج الغالب في أفلامنا ومسلسلاتنا استجداء الرجل المتهافت للمرأة الشرسة في مناظر تجعل المجتمع يمشي على رأسه بدلا من السير على قدميه.

وما لنا نذهب بعيداً والترويج على قدم وساق لفكرة الرقص والتعري ومواجهة المرأة للمجتمع بوصف المسألة فناً رفيعاً تحكمه قواعد وتقاليد، وأنه مهنة مثل بقية المهن الاجتماعية التي تحتاج إلى نقابة تدافع عنها وتحميها، بينما الواقع يعرفه الناس ويفهمونه جيدا. يقال في المثل الشعبي: فلان وجهه مكشوف. أي عديم الحياء، فهل نعد الراقصة التي تقدمها بعض الجهات بوصفها أما مثالية نوعاً من عدم الحياء؟ حين تخرج إحداهن على شاشة التلفزيون وقد جاوزت الستين لتخبرنا أن ابنها الرجل يشجعها على الرقص ويطلب منها أن تؤديه على أصوله، فهو يعني أن الأنوثة تباع بمعرفة الأبناء الذين فقدوا النخوة والمروءة والغيرة.

وها هي إحداهن تصدمنا بقولها: إن الراقصة تستطيع أن تربي أولادها أحسن من الأمهات الأخريات (؟) وتعلل ذلك بأن "الراقصة ستعرف كيف تربي جيداً جداً لأنها شاهدت بعينها أشياء كثير جداً، وأنا أعرف الفرق بين ابنتي التي ربتها الراقصة وبين بنات أخريات ربتهن أمهات عاديات"!

لا يعنينا أن الست الراقصة تفخر بأنها أكثر راقصة معروفة على مستوى العالم، أو إنها ترقص في "فترينة" – كما تدعي - لا يستطيع أحد لمسها.. فالمجتمع له أحكامه؛ فضلاً عن الدين، ولكن الذي يعنينا هو الإلحاح على تقديم هذا النموذج للأبناء والبنات، وخاصة حين تتخصص بعض البرامج في تقديمه وأشباهه، وتطرح قضية التعليم في سياق يجعله أمراً تافها لا قيمة له، ما قيمة المهندسة والطبيبة والصيدلانية والمدرسة والصحفية والمحاسبة والباحثة في العلوم التطبيقية والزراعية وغيرها، أمام الراقصة التي تغزو العالم بجسدها في مجتمع يفترض فيه أنه يسعى للمعرفة والعلم والثقافة بمفهومها العميق؟

من المؤسف أن السيدات اللاتي يزعمن أنهن يقفن إلى جانب تحرير المرأة ويستضيفهن التلفزيون بكثافة لا يلتفتن إلى امتهان المرأة واستباحتها في أعمال الهلس التي تعرض على هيئة أفلام أو مسلسلات أو برامج أو مقابلات، ولكنهن يركزن على قضايا هامشية تصب في مجال تخريب الأسرة وهدمها تعبيراً عن عقد شخصية أو تعبيراً عن مشكلات ذاتية أو تنفيساً عن فشل اجتماعي.

ومهما يكن من أمر فإن تربية العوالم لا تصلح لبناء مجتمعات تريد النهوض وتسعي للمعرفة والتقدم، كذلك فإن تعليم الغوازي لا يحقق ما تنشده الأوطان من عزة وفخار في مجال البناء الحضاري والمشاركة الإنسانية، وأعتقد أن الطريق إلى بناء المجتمع يبدأ من استعادة البيت لدوره في التربية بمشاركة المسجد والمدرسة، والنهوض بالتعليم نهوضاً حقيقياً يضع في حسبانه تطهير وسائل الإعلام من الهلس ورموزه!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

translate

Top