د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 05 أكتوبر 2016 15:50

الضرب في سويداء القلب ليس حلاًّ!

هل تذكرون الوزير البذيء الذي لم يسلم من لسانه أحد، واختاره مبارك ليكون وزيراً للداخلية خلفاً لأحمد رشدي؛ لأن ملفه أسوأ الملفات بين اللواءات؟

لقد كان هذا الوزير صاحب الفلسفة الدموية التي أعلن عنها أمام الناس، وقال: إنه سيضرب في سويداء القلب، وزايد عليه خلفه الذي قال: إنه سيثقب الأجساد، ثم جاء من ينفذ هذه الفلسفة دون أن يتكلم، فقتل ألف شهيد في ثورة يناير العظيمة، عدا من فقدوا أعينهم وأعضاءهم أو تحولوا إلى معاقين وهم بالألوف!

هذه الفلسفة أو السياسة لم تحقق الأمن ولن تحققه!

السبب بسيط للغاية أن الشخص يموت، ولكن الفكرة لا تموت، فقد قُتل أصحاب العقائد والأفكار على مدى التاريخ، ولكن أفكارهم ظلت باقية، مهما كان صوابها أو خطؤها.

هُزم هتلر هزيمة ساحقة أودت بحياته، ولكن النازية في ألمانيا لم تمت، وتنبعث من جديد في ثياب أخرى ومسميات جديدة.

انهزم الصليبيون الهمج في تسع حروب، ولكن الفكر الصليبي الوحشي لم يمت، ويستمر في حرب عاشرة راهنة ويعبر عن نفسه في حروب دموية همجية تستخدم أحدث الآلات والاختراعات، بالإضافة إلى انبعاث الفكر الصليبي صارخاً وصاخباً، من خلال ما يسمى الأحزاب اليمينية في فرنسا وبقية دول أوروبا!

في عالمنا العربي قتلوا الإمام الشهيد حسن البنا وزعماء الإخوان المسلمين ومفكريهم، ولكن أفكارهم لم تمت، وفكر الإخوان ما زال حياً، وكلما ازدادت الضربات الموجهة إلى من يحملونه، ازداد عدد أتباعه وأنصاره.. ظن الناس أن البكباشي قضى عليهم في الخمسينيات والستينيات، وأنه لن تقوم لهم قائمة، ولكن المجتمعات المسلمة في مصر وخارجها صوتت لهم في الانتخابات، فحققوا الأغلبية.

الفكر لا يهزمه إلا فكر

عندما لا يعجبني فكر ما، لا أستطيع القضاء عليه بالعصا الغليظة أو الدبابة أو الطيارة، ولكنني أستطيع أن أهزمه بفكر مضاد يقنع الناس، ويستطيع أن يكون بديلاً، القوة أو الضرب في سويداء القلب لا يمكن أن يكون بديلاً للفكرة أياً كانت.. وللأسف هناك من لا يفقه هذه البدهية البسيطة الساطعة أمام الأعين والعقول، ويصر على تجاهلها بعد تجارب الأيام والقرون!

عندما يتعلق الأمر بالدين أو المعتقد فالصورة أوضح، يحدثنا القرآن الكريم عن أصحاب الأخدود، وكيف آثروا الشهادة على التحول عن عقيدتهم وإيمانهم: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9}) (البروج).

في القرن العشرين ظن الناس أن الإسلام قد مات في الدول الإسلامية التي احتلها الشيوعيون السوفييت، فقد هدموا المساجد أو حولوها إلى إسطبلات أو كباريهات، واستأصلوا الإسلام من التعليم والحياة، وصادروا المصاحف والكتب الإسلامية، وزرعوا في أمخاخ الأجيال الجديدة أن الإسلام رجعية وتخلف وظلام، وفوجئ العالم أن الإسلام قد عاد إلى الحياة مرة أخرى، مع أن الروس وضعوا على رأس هذه الدول الإسلامية طغاة قساة غلاظاً يكرهون الإسلام والمسلمين، ولم يسمحوا لها بالحرية والديمقراطية!

الضرب في سويداء القلب منهج يعبر عن ضعف وليس عن قوة؛ لأن الضاربين فقدوا القدرة على التعايش وعلى السياسة معاً!

منذ تملكت الانقلاب العسكري الدموي الفاشي في يوليو 2013م شهوة الدم، وأقام المجازر في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة وأكتوبر والفتح ورمسيس وناهيا وكرداسة ودلجا والقائد إبراهيم وغيرها، فإنه لم يشبع، وقلت في حينه: إن شهوة الدم شديدة السعار، ولا تتوقف؛ وبالتالي لا تحل مشكلاً، ولا تنتج عملاً طيباً، ولا تحقق أمناً ولا استقراراً، بل تخلف الأحزان والآلام والخراب والعناء الذي لا يتوقف!

من المؤسف أن منهج التصفية خارج القانون يوحي لعشاقه أنه سيحل مشكلة الأمن والرخاء، وهذا وهم بعيد المنال، لقد تمت تصفيات في البيوت والشوارع والمظاهرات، ولكن هذا الإعدام الميداني لم يثمر شيئاً طيباً، فالبلاد على شفا التدهور الاقتصادي والموت السياسي والتراجع على المستويات كافة.

قبل شهور تم اغتيال ثلاثة عشر من لجنة التكافل في جماعة الإخوان بشقة أكتوبر، وقتلهم بدم بارد، وقيل للناس: إنهم كانوا يقاومون السلطات، ويتبادلون معها النار، ولكن الحقيقة كانت مختلفة، فلم يصب أي من القوة المهاجمة ولو بجرح سطحي، كما لم يظهر أثر رصاصة واحدة على الجدران، والمؤكد أن الضرب في سويداء القلب كان هو سيد الموقف!

في أزمة الشاب الإيطالي ريجيني تمت تصفية مجموعة من الناس ينتمون لأسرة واحدة، قيل: إنهم لصوص ومنحرفون، وإنهم هم الذين قتلوا ريجيني، واستولوا على متعلقاته الشخصية، وجاءت الأحداث بعدئذ لتثبت أن المجموعة لا علاقة لها بالشاب الإيطالي القتيل، ولم تقتنع أسرة ريجيني بقتل الأسرة المستباحة، ولم ينته مسلسل ريجيني حتى هذه اللحظة، الإعدام الميداني جريمة كبرى، ويشير إلى ما يسمى شبه دولة أو أشباه دولة؛ أي حكومة لا تعترف بالقانون!

أحدث الحوادث تصفية د. محمد كمال، ود. ياسر شحاتة، بدعوى أنهما يمثلان قيادة الجناح المسلح في جماعة الإخوان! قالت جريدة "اليوم السابع" الانقلابية: إنه تم القبض عليهما، وبعد نحو ساعتين قالت الجريدة نفسها: إنه تمت تصفيتهما، وتتابع الابتهاج والسرور والشماتة الرخيصة في بقية الصحف الانقلابية، وتحدث المحررون عن مكتب الإرشاد الذي صار في خبر كان بعد قتل عدد من أفراده والحكم بالإعدام والمؤبد على الآخرين، وأخذ التشهير الفج منهجاً رخيصاً في الحكم على ضحيتين بين يدي الله: "منع الانقلاب صلاة الجنازة عليهما، وحرم على بقية مساجد أسيوط أن تصلي عليهما صلاة الغائب"! (استعادة ما حدث مع سيد بلال رحمه الله قبل ثورة يناير بأيام).

الضرب في سويداء القلب، أو التصفية خارج القانون، أو الإعدام الميداني، أو اعتقال عشرات الألوف أو المداهمات الليلية، أو تجييش الكذبة والمنافقين والأفاقين في الإعلام الفاشل للتشهير بالمخالفين وتشويههم؛ ليس حلاً لمشكلات أم الدنيا.

الحل يكمن في كلمتين بسيطتين هما: الحرية والعدل!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

الأربعاء, 21 سبتمبر 2016 13:36

الأومباشي حفتر.. وبناء الديمقراطية!

عقب نكبة فلسطين عام 1948م حدثت مجموعة انقلابات عسكرية في دمشق والقاهرة وبغداد وصنعاء، ولوحظ أن هذه الانقلابات التي قيل: إنها جرت نتيجة لهزائم الجيوش العربية في فلسطين السليبة، أسهمت بطريقة ما في تثبيت الاحتلال النازي اليهودي للأرض المباركة، وتوسيع مساحة الأرض المغتصبة منها، وهيمنة الغزاة اليهود على البحر الأحمر والبحر الأبيض والمنطقة بأسرها، وجاء اليوم الذي تتودد فيه الحكومات العسكرية الانقلابية إلى العدو لتحظى برضاه ومنحه الشرعية لدرجة تغيير المناهج الدراسية، ووضع القدس عاصمة لـ"إسرائيل" بدلاً من فلسطين كما حدث في الجزائر مؤخراً!

ترافق مع الانقلابات العسكرية ازدهار ملموس للشيوعية والشيوعيين العرب الذين أعلنوا استنكارهم لدفاع الجيوش العربية عن الشعب الفلسطيني في حرب عام 1948م، وصار لهم حضور واضح ومؤثر في الحياة السياسية بعد النكبة، وهو ما اضطر فؤاد سراج الدين وكان وزيراً للداخلية قبل انقلاب عام 1952م إلى طرد عرّاب الشيوعيين العرب الخائن اليهودي هنري كورييل من مصر، وهو مؤسس الحزب الشيوعي المصري حدتو، وكان مقرباً من قائد انقلاب يوليو 1952م وعدد من رفاقه.

لقد كان الشيوعيون المصريون والعرب مؤيدين لوجود الكيان الصهيوني الغاصب، وروّجوا لاستحالة هزيمته، وحوّلوا قضية فلسطين إلى قضية إنسانية تقتصر على محاربة ما يسمى اليمين اليهودي في الكيان الصهيوني، ومكافحة التطبيع الذين كانوا أول من اقترفه، وكانوا أكبر داعم للاستبداد، مع أن كلمة الديمقراطية كانت تتردد مثل الأرز في كتاباتهم وأدبياتهم! وفي الوقت نفسه كانوا يشوّهون الإسلام ويحقّرونه.

هل بدأت الانقلابات بالشيوعي أديب الشيشكلي في سورية (1949م) عفواً أم إن "الموساد" أو مخابرات الدول الصليبية الاستعمارية كانت من ورائها لتثبيت الوجود النازي اليهودي في فلسطين؟

هناك قرائن عديدة تؤكد وجود الأصابع اليهودية الصليبية من وراء الانقلابات العسكرية والهزائم المتوالية لجيوش العربان، بل إن الانقلابات ضد ثورة "الربيع العربي" مؤخراً جعلت قادة المخابرات اليهودية النازية يجاهرون بصراحة فاقعة أنهم أنفقوا المليارات مع غيرهم من الأعراب لاقتلاع هذه الثورات والإطاحة بحكوماتها، ومنعها من العمل والديمقراطية والمحافظة على كرامة الشعوب العربية.

كل انقلاب يبدأ بدعاوى عريضة تدعي الانحياز للشعب قضايا الأمة وحريتها، ولكن هذه الدعاوى تتحول بعد اغتيال إرادة الشعب إلى سفك دماء الأبرياء واعتقال عشرات الألوف من الأبرياء، ومصادرة الأموال، وتكميم الأفواه، وحرمان المواطنين من الكرامة والحرية والأمل.

هل تذكرون انقلاب عام 1952م والمبادئ الستة؟ (القضاء على الاحتلال، والإقطاع، والرأسمالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الجيش القوي ووضع نظام ديمقراطي سليم)، ما الذي تحقق منها وما الذي لم يتحقق؟ ولماذا ظل المبدأ السادس "بناء الديمقراطية" في علم الغيب دائماً؟ لأن العسكر – ويقلدهم الآخرون – لا يؤمنون بالديمقراطية ولا اختيار الشعب ولا التخصص!  

الشيء ذاته حدث في انقلاب يوليو 2013م بصورة أكثر بشاعة وشناعة، وإحصاء القتلى والمصابين والمعتقلين والمطاردين والمختفين قسراً يثبت ذلك ويؤكده!

في العادة يتصدر المشهد أحد الانقلابيين ويفضل لو كان ضابطاً؛ مثلما حدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق وقبل ذلك بعقدين من الزمان في الجزائر، ثم ينكشف العنصر الفعال في الانقلاب من الدول والكيانات الأجنبية والأعراب للحيلولة دون الحرية والديمقراطية، ولعل حالة خليفة حفتر خير مثال على ذلك.

حفتر (1943م) كان ضابطاً بالجيش الليبي على عهد العقيد الهالك معمر القذافي، وشارك في الحرب ضد تشاد، فتم أسره هناك مع أكثر من ثلاثمائة من جنوده، وظل هناك أسيراً مهاناً ذليلاً حتى تم تسفيره إلى الولايات المتحدة ليسكن بالقرب من مبنى المخابرات الأمريكية في "لانجلي" لمدة 20 عاماً، ويعود بعد ثورة 17 فبراير 2011م ليعلن نفسه من الثائرين على القذافي، ثم يتمرد على حكومة الثورة، ويشكل مليشيات من بعض القبائل الجنوبية وعناصر أفريقية ودعم من مصر والإمارات وفرنسا وإنجلترا وأمريكا، ليمنع الإسلاميين من المشاركة في حكم ليبيا، وقد كشفت الأحداث مؤخراً عن الدور الإجرامي لفرنسا والولايات المتحدة مع الأعراب في إشعال نار الفتنة داخل ليبيا وحرمانها من الحرية والإفادة بثرواتها.

لقد رقى حفتر نفسه كعادة الانقلابيين إلى درجة المشير (الفيلد ماريشال) وكأنه انتصر في الحرب العالمية الثانية، مع أنه فاقد الأهلية العسكرية ليكون مجرد صف ضابط بدرجة أومباشي (عريف)!

بعد أن منح نفسه رتبة "الماريشالية" أعلن - بمساعدة طيران عربي - سيطرته على قوس النفط، تمهيداً لاقتطاع دويلة بشرق ليبيا يحكمها وتخدم كفلاءه بطريقة ما، ولكن الدول الصليبية أعلنت في بيان مشترك أن عليه أن يسحب قواته من قوس النفط وإلا.. وهي لعبة استعمارية ماكرة، حيث بدأ الكرّ والفرّ بينه وبين هذه الدول، فبعد انسحابه من القوس عاد واحتله ثانية بمساعدة الطيران إياه، وحكومات الغرب الاستعماري تلعب لعبة القط والفار مع الحكومة التي وافقت عليها في الصخيرات وتسميها حكومة الوفاق، ولكنها في النهاية تخطط للوصول إلى هدفها النهائي، وهو نهب البترول والثروات الأخرى المتوقعة في الوطن الليبي التعيس.

ويبدو أن دول الغرب الصليبي الاستعماري تريد أن تضحك على الإسلاميين الذين ساندوا حكومة الوفاق، وحاربوا ما يسمى بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش)، وطهروا مدينة سرت مقر تمركز التنظيم، فأصدروا بيانهم المذكور ليهدئ من روع الإسلاميين الذين شعروا كما يقول الصحفي ديفيد هيرست بالطعن في ظهورهم، وأنهم تعرضوا للخيانة والغدر.

بأمثال حفتر يجري الاستعصاء الديمقراطي وبالأبواق الشيوعية الموالية لليهود الغزاة وأشباهها؛ يزدهر الاستبداد والطغيان ويتم تجميل الصورة القبيحة للانقلابيين، هنا تبدو القابلية للاستبداد أو الاستعمار أمراً طبيعياً لدى الشعوب العربية المنهوكة بالقهر الصليبي اليهودي الشيوعي.

هل يعني ذلك فقدان الأمل في بناء الديمقراطية؟ كلا.. فالأغلبية حين تدرك طبيعة ما يراد بها، وتتخذ الوسائل المناسبة لمنعه لن يكون الأومباشي حفتر ولا الصاغ عامر ولا الهزائم المنكرة أمام اليهود الغزاة!

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

(إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ {81}) (يونس).

مضت الذكرى الثالثة لمذبحة رابعة (14/ 8/ 2013م) وما سبقها وما تلاها من مذابح قام بها الانقلاب العسكري الدموي الفاشي لتضيء واقعاً مظلماً خفي على بعض الناس، كان الانقلابيون يظنون أن المذابح وخاصة في رابعة ستتيح لهم التحليق على مستوى العالم، بعد أن يرضى عنهم اليهود الغزاة والصليبيون الهمج.

شاءت إرادة الله أن يسلط عليهم أعمالهم الظالمة ودعوات المظلومين التي ليس بينها وبين الله حجاب، فكان الفشل من نصيبهم في كل المجالات بعد أن أسفروا عن وجوههم الحقيقية التي تؤكد الظلم والقمع والقتل والنهب والقبح الإنساني، وبعد أن كانوا يقولون: "مصر قد الدنيا"، صارت على ألسنتهم "أشلاء دولة!"، وبعد أن كانت عقب ثورة يناير العظيمة تتمتع بحرية وليدة تؤذن بتطور إيجابي، يحرك الطاقات المعطلة، ويشد القوى المختلفة للمشاركة والعمل المنتج، ماتت السياسة والحركة والنشاط وصار التخبط والارتباك والارتجال عنواناً لمرحلة أبرز ملامحها:

انهيار الاقتصاد ومضاعفة قيمة الدولار وركود السياحة، وهروب الاستثمار، ومدّ اليد للتسول والاقتراض والديون، وفرض الضرائب الباهظة على جموع الكادحين والبسطاء والمحرومين، وارتفاع الأسعار، واختفاء الأدوية المهمة، وتوقف آلاف المصانع، وتراجع الزراعة مع خسائر فادحة للفلاحين، وانقسام المجتمع، وازدهار الكذب والتدليس والتضليل، والاعتماد على إعلام بائس مجرم يؤله الجنرال ويدافع عن الخراب الذي يتمدد بقوة في شتى الاتجاهات، وقمع همجي متوحش، وتكميم الأفواه، وإغلاق الصحف والقنوات ودور النشر التي تهتف باسم الله، وحرب ضروس ضد الإسلام والمسلمين، وتواصل الفشل الذريع في الإدارة والعمل لدرجة أنه لأول مرة في تاريخ مصر لم يصدق الناس أن الثانوية العامة هذا العام يمكن أن تتم بسبب الغش، والسيد "شاو مينج"!

الإقلاع من رابعة كان كارثة بكل المقاييس، وكان أسوأ بداية للحكم العسكري العائد بقوة رغبة في الانتقام المتوحش من الشعب وثورته، ومع ذلك لم تحقق العين الحمراء التي أرادوا إظهارها للشعب المسكين إنجازاً يذكر إلا في مجالات القتل وسفك الدماء وهدم الاقتصاد، وبناء اثني عشر سجناً ضخماً، في أنحاء الدولة كل سجن تكلف قرابة المليار، هذه السجون لم تستوعب الأسرى الشرفاء النبلاء، بينما يقوم بعض موظفي الانقلاب بالتسوّل من أجل بناء بعض المدارس!

ارتفع الدين الخارجي إلى قرابة 54 مليار دولار، والداخلي إلى ثلاثة تريليونات جنيه، واختفت عشرات المليارات (الرز) من مساعدات بعض الدول العربية، وصار النظام الاقتصادي – إن صح أن نسميه كذلك – معتمداً على "الفنكوش"؛ أي الأفكار العشوائية غير العلمية، لا تعرف نتائجها، ولكنها تتكلف عشرات المليارات من دم الشعب أو من المرابي الصليبي اليهودي الذي يُصرّف بضاعة فاسدة مرهونة بفوائد باهظة يدفعها الفقراء، دون السادة الكبار، تأمل فنكوش: تفريعة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة، واستصلاح مليون ونصف مليون فدان، المفاعل النووي في الضبعة، طائرات الرفال، حاملة الطائرات.. ثم جاءت الطامة الكبرى بشراء أربع طائرات فالكون 7x بثلاثمائة مليون يورو – أي ما يقرب من أربعة مليارات جنيه، لتنقل الباشوات الكبار عبر أجواء مصر، حيث توفر لهم كل وسائل النعيم؛ السرير الفخم، والكنب المريح والمطابخ والحمامات.. (رئيسة مالاوي جويسباندا باعت الطائرة الرئاسية و٣٥ سيارة مرسيدس حكومية لتسهم بثمنها في حل مشكلة الجوع والفقر في بلدها)، ولا يخجل الإعلام الانقلابي المجرم من الزعيق بالقول: "صبّح على مصر بجنيه!".

في ذكرى رابعة أطلقت السلطة الانقلابية أذرعها الإعلامية واللحى التايواني الخائنة لنشر أكاذيب واختلاق وقائع تجعل دم الأبرياء الذي أريق ظلماً وعدواناً من الحلال الذي يأمر به الدين ويؤيده الإجماع الوطني، ولكن النتيجة كانت عكس ما أرادوا، فقد أعلن عدد لا بأس به من المؤيدين للانقلاب على الحرية، أنهم اكتشفوا خطيئتهم، واعتذروا عن موقفهم من رابعة، وأعلنوا أنهم كانوا مخدوعين، ومع ذلك يحاول الانقلاب الدموي الفاشي أن يجد نافذة يطل منها على العالم ليثبت نجاحه، بعد أن رأى أن الإقلاع من رابعة كان كارثة بكل المقاييس، صاحبها الفشل الذريع والخيبة الثقيلة، فهبط في ريو، ليشارك في الألعاب الأوليمبية في البرازيل، وأرسل وفداً ضخماً من المنتفعين على حساب الدولة سفراً وإقامة وإعاشة وفسحاً وبدلات بالدولار، ولم يحقق الجيش العرمرم نجاحاً يذكر، كل ما حققه ثلاث ميداليات برونزية، مقابل 400 مليون جنيه من دم الشعب، أجهش وزير الرياضة بالبكاء حين حصلت لاعبة على أول ميدالية!

ثم كانت المهانة الكبرى في لعبة الجودو التي انهزم فيها اللاعب إسلام الشهابي هزيمة منكرة أمام اللاعب النازي اليهودي أوري ساسون (من مستوطني القدس المحتلة، وهو مقاتل بجيش الاحتلال اليهودي برتبة نقيب) ثم رفض أن يصافحه وفق تقاليد الأولمبياد!

في المقابل، رفضت لاعبة سعودية أن تقابل نظيرتها النازية اليهودية في إحدى اللعب إيماناً من اللاعبة السعودية بأنها تقابل عدواً لا يجوز التعامل معه إلا بعد هزيمته في ميدان القتال، بيد أن اللاعب الشهابي كان أمره غريباً وغامضاً ومخجلاً، فقد تردد في البداية، وفجأة أعلن عن قبول التحدي، فانهزم هزيمة ثقيلة ساحقة وكأنه كان مطلوباً أن يقابل العدو وينهزم أمامه، ثم كانت النهاية – عدم المصافحة - التي استغلها المجرمون النازيون اليهود بذكاء بارع ليقولوا للعالم: ها هم العرب لا يقبلوننا، ويرفضون اليد اليهودية الممدودة بالسلام، وبالطبع لن يتذكر العالم أنها يد ملوثة بدماء الأبرياء وأصحاب الوطن السليب والعرب الأذلاء!

المجرم نتنياهو قال في احتفاله باللاعب النازي اليهودي: إن القاهرة أرسلت ما يفيد أنها لا توافق على ما فعله اللاعب المصري إسلام الشهابي! إلى هذا الحد وصلت المهانة أن نعتذر لشذّاذ الآفاق الذين جاؤوا من شتى أرجاء العالم ليحتلوا بلادنا ويفرضوا سطوتهم علينا، ويجعلوا حكامنا العسكر وغير العسكر يركعون أمامهم، ولكنهم يستنهضون الهمم من أجل الكرامة الوطنية وهيبة الدولة حين يعتصم الناس سلمياً من أجل الحرية والديمقراطية والشرعية، فيُعْمِلون فيهم آلات القتل والحرق ويستخدمون جرافات الزبالة لتلقي بهم في الصحراء جثثاً متفحمة!

الإقلاع من رابعة ثم الهبوط في ريو علامة مؤكدة على صدق قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ {81})، فالانقلاب إفساد في الأرض لأنه ظلمٌ بيّن، ولذا تنتصر الدول الكافرة التي تتبنى العدل، الذي هو أساس الملك!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الخميس, 11 أغسطس 2016 08:09

وحشية الخطاب الصليبي اليهودي!

تكشف أحداث التاريخ وتضاريس الجغرافيا أن الصليبيين منذ حروبهم الأولى مروراً بمذابحهم في الأندلس حتى عدوانهم الراهن، كانوا يتحركون بهمجية غير مسبوقة، ووحشية لا مثيل لها في التاريخ، ولك أن تتكلم عن الإرهاب الصليبي الرائد في بشاعته وهمجيته وإجرامه دون أن تتوقف، فالحوادث كثيرة، والممارسات بلا حدود، ليس مع المسلمين وحدهم بل فيما بينهم، واقرأ إن شئت عن الحروب بين الممالك والإمارات والمقاطعات الأوروبية في القرون الوسطي وما بعدها، وخاصة حرب الثلاثين عاماً، وتوقف عند وحشية قشتالة فيما سموه حرب الاسترداد بالأندلس، والحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم انتقل إلى جرائمهم في المستعمرات الإسلامية والأفريقية، واسأل عن عشرات الملايين الذين أبيدوا وذُبحوا! على سبيل المثال؛ قتل الفرنسيون في الجزائر وحدها منذ احتلالها عام 1830 حتى رحيلهم 1962م أكثر من عشرة ملايين جزائري، وقتل نابليون سُبْع الشعب المصري في حملته الإجرامية التي استمرت ثلاث سنوات فقط، ناهيك عما فعله الفرنسيون في بلاد الشام والمغرب والصومال وأماكن عديدة في أفريقيا.

هذا مثال واحد للإرهاب الصليبي والوحشية والاستدمار والهمجية التي تلبست ما يسمونه بالعالم الذي يسمونه متحضراً وإنسانياً ويملك الأخلاق الرفيعة.

الوحشية والهمجية والاستدمار والإرهاب تطبيق عملي على الأرض لتعاليم الكتاب المقدس الذي يأمر بالقتل والاغتصاب وبقر بطون الحبالى والذبح والاستباحة للحجر والبشر من غير اليهود والنصارى، وقد أشرت إلى آياتها في مقام آخر.

بالطبع لا يختلف اليهود المنتصرون في القرن العشرين عن الصليبيين في وحشيتهم وهمجيتهم امتثالاً لما تقوله التوراة عن الأغيار أو الأميين وضرورة استئصالهم.

في المقابل؛ ترى على الجانب العربي الإسلامي نخباً آثرت أن تنحاز إلى الخطاب الصليبي اليهودي بالعمالة أو الوكالة، فتردد مزاعمه، وتتحدث عن تجديد الخطاب الديني، أي تغيير الخطاب الإسلامي الذي يحض على الجهاد دفاعاً عن النفس وتأميناً للبلاد والعباد، ويتكلمون عن ضرورة حذف آيات الجهاد، وإنهاء مهمة الأزهر الذي يمثل من وجهة نظرهم سلطة دينية قاهرة للمواطنين، ثم يزعمون أنهم يقصدون بتجديد الخطاب تغيير الوسائل والأدوات، ويلحون ليل نهار على أن تجديد الخطاب الإسلامي هو الذي سيحل مشكلات مصر والمسلمين، لا أدري كيف سيحل الخطاب الديني مشكلة الحرية في ظل الحكم العسكري مثلاً، ولا كيف يحقق الديمقراطية في ظل الحكم الاستبدادي، ولا كيف يهزم النخب الحاكمة وهي تمارس القهر والتعذيب والظلم والعسف والنهب والفساد والإفساد وممارسة التمييز العنصري والطبقي والترويج للكذب والتضليل والتدليس وتزوير التاريخ والتفريط في الجغرافيا؟

إن الصليبيين واليهود المعاصرين يطبقون تعاليم الكتاب المقدس بكل وحشية، وما يقولونه عن المحبة والسلام وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والإخاء البشري هو مجرد عملية تمويه خادعة وكاذبة ينخدع بها السذج والمغفلون.

أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة تيريزا ماي أنها لا تمانع في الموافقة على ضربة نووية بضغطة زر قد تؤدي إلى مقتل 100 ألف شخص مدني من أجل مصالح بريطانيا.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وصف الإسلام بـ"الإرهاب"، وتحدث عما سماه بـ"الإرهاب الإسلامي"، وفي الوقت نفسه تشارك قواته في التحالف الصليبي الهمجي الذي يقتل المسلمين الأبرياء في سورية والعراق وليبيا بالآلاف ويدمر البيوت والمؤسسات؛ تحت دعوى محاربة "تنظيم الدولة" (داعش)، وقد بارك بابا الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو عمليات القتل التي يقوم بها الجيش الروسي في سورية ووصفها بـ"المهمة المقدسة"!

يروي الكاتب اليهودي ألون بن دافيد بمقال له في صحيفة "معاريف" الصهيونية بتاريخ 22/ 7/ 2016م في معرض حديثه عن فشل الانقلاب التركي، فيقول: في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي قرر رائد في جيش بنما، موزيس جيرولدي أنه حان وقته ليحل محل الحاكم مانويل نورييجا، فنظم بضع سرايا من الجيش، واتصل بالأمريكيين وطلب مساعدتهم للقيام بانقلاب (ولكنه نسي أن يترك لهم رقم هاتف يمكنهم أن يتصلوا به من خلاله).

في صباح الانقلاب سيطر جيرولدي على النطاق الرئاسي وتوجه باحترام شديد إلى الرئيس نورييجا: "سيدي الجنرال، أنت مطالب بأن ترافقني إلى الاعتقال"، قالها له بأدب، وبالتوازي أطلق بياناً في الإذاعة عن مجلس الثورة، ولكن الأمريكيين نسوا أن يسدوا أحد الطرق المؤدية إلى القصر، وفي غضون ساعات اقتحمت القصر القوات الموالية للرئيس، سحب نورييجا الغاضب مسدس جيرولدي وأطلق عليه ثلاث رصاصات وهو يصرخ: "ليس هكذا تقام الثورة!".

في ألمانيا أقر حزب "البديل من أجل ألمانيا" في برنامجه الحزبي أول مايو 2016م عبارة "الإسلام لا ينتمي لألمانيا"، مطالباً بحظر المآذن والأذان، وارتداء النقاب.

تلك هي أخلاق الخطاب الديني الصليبي في الاستخفاف بدماء البشر وكرامتهم وحريتهم وحكوماتهم، أما الخطاب الديني اليهودي، فها هي بعض الأمثلة:

نشرت صحيفة "هــاآرتس" الصهيونية في 13/ 7/ 2016م مجموعة من الفتاوى العنصرية للحاخام إيال كريم الذي عين حاخاماً عسكرياً أكبر بالجيش اليهودي، منها عدم التعامل مع الفلسطينيين على أنهم بشر بل هم حيوانات، كما أفتي بأن القتل هو التعامل الأمثل إذا ما تم العثور على فلسطيني جريح، وعندما سُئل الحاخام حول رفض الأوامر العسكرية في حالات إنقاذ الأنفس والاعتبارات الأخلاقية، أجاب: إذا كان هناك تناقض بين الشريعة اليهودية وأوامر الجيش الصهيوني فالشريعة هي التي تُهيمن.

يذكر أن إيال كريم أصدر فتوى سابقة بجواز اغتصاب جنود الجيش الصهيوني لغير اليهوديات أثناء الحرب، مستنداً بذلك لآية في سفر التثنية من التوراة تبيح اغتصاب الفتيات غير اليهوديات، وقال الحاخام: إن الجنود اليهود مسموح لهم باغتصاب النساء غير اليهوديات أثناء الحرب كجزء من الحفاظ على الاستعداد واللياقة القتالية، ويمكن اختراق قواعد الاحتشام والطهارة الدينية، أما ما تفعله بعض الأجهزة اليهودية الرسمية مثل "الموساد" من اغتيالات للعرب وغيرهم فحدِّث ولا حرج، ويكفي ما قيل عن مائير دوغان، رئيس "الموساد" الأسبق الذي توفي في مارس 2016م وكان موته مناسبة للاعتراف بجرائم ارتكبها جهازه يشيب لهولها الولدان.

ترى ما رأي النخب في بلاد المسلمين؟

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأتباعهم!

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top