صلح الموت | أ. برجس العجمي

صلح الموت | أ. برجس العجمي

100 مشاهدة

03 فبراير 2026

صُلْحُ الْمَوْتِ


فِي صَفَحَاتِ التَّارِيخِ التِي لا تَكْذِبُ، وَبَيْنَ سُطُورِ «الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ» لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ، يَبْرُزُ لَنَا مَشْهَدٌ تُحْبَسُ فِيهِ الْأَنْفَاسُ، بَطَلُهُ سُلْطَانُ العُلَمَاءِ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، ذَاكَ الطَّوْدُ الشَّامِخُ الَّذِي لَا يَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وَخَصْمُهُ اللَّدُودُ، الوَزِيرُ ذُو السَّطْوَةِ وَالنُّفُوذِ، الصَّاحِبُ بْنُ شُكْرٍ.

لَقَدْ كَانَ الصَّاحِبُ بْنُ شُكْرٍ سَيْفًا مُصْلَتًا عَلَى رَقَبَةِ العِزِّ؛ فَمَا تَرَكَ بَابًا لِلأَذَى إِلَّا طَرَقَهُ، وَلا سَبِيلًا لِلتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ إِلَّا سَلَكَهُ، حَتَّى بَلَغَ بِهِ الكَيْدُ أَنْ سَعَى فِي نَفْيِ الشَّيْخِ وَتَشْرِيدِهِ، ظَانًّا أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ دَانَتْ لَهُ، وَأَنَّ الأَيَّامَ سَتَبْقَى صَفْوًا لَهُ وَحْدَهُ.

وَلَكِنَّ دَوَامَ الحَالِ مِنَ المُحَالِ؛ فَحِينَ دَنَتْ سَاعَةُ الحَقِيقَةِ، وَشَعَرَ الوَزِيرُ بِبَرْدِ المَوْتِ يَسْرِي فِي أَوْصَالِهِ، وَأَيْقَنَ أَنَّهُ مُفَارِقٌ لِجَاهِهِ وَسُلْطَانِهِ، تَذَكَّرَ خَصْمَهُ العَنِيدَ.

فَبَعَثَ رَسُولًا عَلَى عَجَلٍ إِلَى العِزِّ، يَحْمِلُ كَلِمَاتٍ مُثْقَلَةً بِالنَّدَمِ وَالرَّجَاءِ: «يَا مَوْلَانَا، اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ مِمَّا جَرَى، فَإِنِّي رَاحِلٌ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ».

هُنَا، وَفِي لَحْظَةٍ تَجَلَّتْ فِيهَا عَظَمَةُ النُّفُوسِ الكَبِيرَةِ، لَمْ يَشْمَتِ العِزُّ، وَلَمْ تَعْلُ وَجْهَهُ ابْتِسَامَةُ المُنْتَصِرِ، بَلْ انْهَمَرَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ خَشْيَةً وَشَفَقَةً، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ اليَقِينُ: «أَمَّا مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَقَدْ جَعَلْتُهُ فِي حِلٍّ مِنَ الأَوَّلِ، وَأَمَّا حَقُّ اللهِ فَعَسَى أَنْ يُسَامِحَهُ».

وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ خَرَجَ فِي جَنَازَتِهِ يَمْشِي خَاشِعًا، يَدْعُو لَهُ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ هَذَا القَلْبِ الَّذِي وَسِعَ خَصْمَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا!


الفَائِدَةُ وَالعِبْرَةُ:

أَقْوَى سِلَاحٍ تَحْمِلُهُ هُوَ قَلْبٌ خَالٍ مِنَ الضَّغَائِنِ؛ فَحِينَ تَكْثُرُ الصِّرَاعَاتُ وَالتَّنَاحُرُ عَلَى المَصَالِحِ، نَحْتَاجُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الانْتِصَارَ عَلَى الذَّاتِ أَعْظَمُ مِنَ الانْتِصَارِ عَلَى العَدُوِّ، وَأَنَّ نَقَاءَ القَلْبِ الزَّادُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَ رَحِيلِ الجَاهِ وَالسُّلْطَانِ، فَالنُّفُوسُ العَظِيمَةُ لَا تَسْجُنُ نَفْسَهَا فِي زَنَازِينِ الحِقْدِ وَالشَّمَاتَةِ، بَلْ تَتَسَامَى بِالعَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، مُدْرِكَةً أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ هِيَ الرَّاحَةُ العَاجِلَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالذُّخْرُ البَاقِي لِيَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيم

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة