د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 07 أكتوبر 2020 08:52

الفساد من منظور الاقتصاد الإسلامي

الفساد آفة العصر، وإذا كانت الأمم المتحدة اتخذت من التاسع من ديسمبر يوماً دولياً لمكافحة الفساد، وعرفت الفساد بأنه: «سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص»، فإن الإسلام ونظامه الاقتصادي حارب الفساد على مدار الوقت، وجعله آفة ومعرة ومهلكاً للأمم، فالفساد نقيض الإصلاح، ومن خلاله تضيع الحقوق وتُنتهك المصالح وتقتل الروح المعنوية تقتيلاً.

أشار القرآن الكريم إلى الفساد كسلوك شائن بغيض ومصيره مهلك مهين في العديد من آياته، منها قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة)، (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة: 27)، (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ {204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205} وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة).

وقد قال الله تعالى في حق فرعون: (إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 4)، وفي حق قارون: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77)، وعن طغاة قوم ثمود ورؤوسهم: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) (النمل: 48)، وعن قوم شعيب: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ {84} وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود)، وعن اليهود: (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (المائدة: 64).

وبيَّن عز وجل أن الفساد نتيجة طبيعية للطغيان والاستبداد، وهو يصل بصاحبه في نهاية المطاف إلى النهاية المحتومة من هلاك ودمار وعذاب؛ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ {6} إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ {7} الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ {8} وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ {9} وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ {10} الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ {11} فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ {12} فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ {13} إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر).

مضار الفساد: 

يمكن إبراز أهم مضار الفساد فيما يلي:

1- الفساد يمثل سرقة لثروات الأمة؛ فهو يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل وقدرة أكبر على الحصول على المسكن والطعام والمياه وغيرها من ضروريات الحياة.

2- الفساد يؤدي إلى إهدار سيادة القانون، والتشكيك في فعاليته وفي قيم الثقة والأمانة، إلى جانب تهديده للمصلحة العامة من خلال إسهامه في خلق نسق قيمي تعكسه مجموعة من العناصر الفاسدة أو ما يسمى «Public bads"؛ وهو ما يؤدي إلى ترسيخ مجموعة من السلوكيات السلبية في المجتمع؛ ومن ثم انتشار الجريمة وتهديد الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمني، وسيادة الشعور بالاغتراب لدى المواطن العادي، وبأن القانون لا يطبق سوى على الفقراء ومن ثم انهيار منظومة القيم الأخلاقية.

3- الفساد يعوق عمليات التنمية ويضعف النمو الاقتصادي؛ حيث يؤثر على استقرار وملاءة مناخ الاستثمار، ويزيد من تكلفة المشروعات ويهدد نقل التقنية، ويضعف الأثر الإيجابي لحوافز الاستثمار بالنسبة للمشروعات المحلية والأجنبية؛ ومن ثم تطفيش رأس المال سواء أكان محلياً أم أجنبياً، ويؤثر على روح المبادرة والابتكار ويضعف الجهود لإقامة مشروعات استثمارية جديدة.

4- الفساد يؤثر على كل من العدالة التوزيعية والفعالية الاقتصادية، ويحول دون التخصيص الأمثل للموارد، نظراً لارتباطه بإعادة توزيع أو تخصيص بعض السلع والخدمات، حيث يسهم الفساد في إعادة تخصيص الثروات لصالح الأكثر قوة، لا سيما في حالة زواج السلطة بالمال، وقد تعرض ابن خلدون لذلك في مقدمته بتناوله "الجاه المفيد للمال".

5- الفساد يعمل ضد الشورى والعدالة؛ لأنه يزيد من سلطة ونفوذ الأثرياء ويوجه قرارات نظام الحكم وفقاً لمصالح المفسدين، ويوسع الفجوة بين الطبقات، ويؤذي الشريحة الفقيرة من المجتمع ويزيدها فقراً، ويزيد من البطالة ونسبة المهمشين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

6- الفساد يؤدي إلى إضعاف جودة البنية الأساسية والخدمات العامة، ويدفع ذوي النفوس الضعيفة للسعي إلى الربح غير المشروع عن طريق الرشى والإيرادات الريعية بدلاً من المشاركة في الأنشطة الإنتاجية، ويحد من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات، ويفضي إلى معدلات ضريبية متزايدة تجبى من عدد متناقص من دافعي الضرائب، ويزيد من الأموال المحولة للخارج لغسلها؛ وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة العجز في ميزان مدفوعات الدولة ومن ثم عجزها عن توفير الخدمات العامة الأساسية.

7- الفساد يقوم بتغيير تركيبة عناصر الإنفاق الحكومي، إذ يبدد أصحاب الثروة والسلطة موارد عامة أكثر على البنود التي يسهل ابتزاز رشى كبيرة منها مع الاحتفاظ بسريتها، ويلاحظ أن الأجهزة الحكومية التي ينتشر فيها الفساد تنفق أقل على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وتتجه إلى الإنفاق بشكل أكبر على مجالات الاستثمار المفتوحة للرشوة وغسل الأموال. 

علاج الفساد:

علاج الفساد يتطلب إلى من يقف أمامه ويزيله من جذوره، فلا إصلاح مع فساد، فهما نقيضان لا يجتمعان، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أهمية مقاومة الفساد وعدم الركون إليه وعدم اليأس من الإصلاح، فقال تعالى: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ {116} وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود)، وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم خير الأمم بشرط أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر؛ (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) (آل عمران: 110)، ومن أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قطع دابر الفساد وإعلان الحرب على المفسدين، من خلال ما يلي:

1- وجود شورى وعدالة حقيقية يشعر من خلالها المواطن بكرامته والقدرة على التغيير، ويشعر الجميع أنهم متساوون أمام القانون، وأنه لا يوجد شخص فوق القانون؛ «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يديها»، والتأكيد على استقلالية القضاء وفاعليته، والفصل بين السلطات، واحترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية، ومنح مؤسسات المجتمع المدني حريات الرأي والتعبير والاجتماع.

2- إرساء مبادئ النزاهة والشفافية والإفصاح والحوكمة في جميع العمليات الحكومية، وإرساء مبدأ المساءلة قيداً على سلوك القائمين على شؤون السلطة، وإصلاح الجهاز الإداري وتحقيق الكفاية المعنوية والمادية له، ببناء كادر حكومي يتقاضى أجوراً جيدة، مع الاعتماد في التعيين والترقي على الكفاءة لا الولاء، ووضع بنية تشريعية -كماً وكيفاً- لمكافحة الفساد وتفعيل تنفيذها.

3- تكاتف قوى المجتمع المدني والقطاع الخاص والدولة في جهود مكافحة الفساد، وإتاحة الفرصة لوسائل الإعلام المسؤول والصوت الحر المسموع في مكافحة الفساد، مع بذل الجهود المكثفة لتحسين الاقتصاد ورفع مستويات المعيشة وتعزيز بيئة الأعمال التجارية.

4- تفعيل القيم الإيمانية والخلقية وإرشاد وتربية الأفراد على حرمة المال العام، فذلك أقرب الوسائل لمنع الفساد؛ لأن الوازع النفسي أقوى وأعم من الوازع الخارجي، وإن كان لا بد من الجمع بينهما.

5- ترسيخ مبدأ من أين لك هذا؟ وتطبيق العقوبة الشرعية الرادعة للقضاء على الفساد والمفسدين جزاء نكالاً لفسادهم وجشعهم في قوله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: 33).

6- ترسيخ مفهوم الإدارة بالقدوة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيَّنها القرآن الكريم في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب: 21)، وسار على نهجه خلفاؤه الراشدون من بعده حتى قال علي بن أبي طالب، لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما قولته المشهورة: «عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا»، كما أن لنا عبرة حسنة في عمر بن عبدالعزير وحربه على الفساد، حتى إنه في نحو ثلاثين شهراً فاض بيت مال المسلمين بالأموال، وعجز أن يجد فقيراً محتاجاً.

السبت, 05 سبتمبر 2020 13:33

التغريب.. والاقتصاد الإسلامي

قضية التغريب من القضايا التي تفرض نفسها في الساحة الإسلامية، وتشهد لهيباً محموماً في هذه الأيام، خاصة في ظل دعاة العلمانية في عالمنا العربي الذين يتقبلون أي دين أو مذهب وضعي إلا دين الإسلام، ولم يقتصر التغريب على الجانب السياسي والاجتماعي، بل الجانب الاقتصادي أيضاً.

عرَّفت الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة التغريب بأنه «تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي؛ وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية».

فالتغريب لا هدف من ورائه سوى صبغ حياة المسلمين باللون الغربي بحلوه ومره، خيره وشره، والدعوة إليه والتغني به باسم التقدم والحداثة، ومنها الحياة الاقتصادية، مع أن الحداثة بمفهومها الصحيح لا غبار عليها إذا كانت لا تصطدم بالأحكام الشرعية، فـ»الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها»، وشتان ما بين التغريب والحداثة، فالأخيرة تعني الانتقال من حالة قديمة إلى حالة جديدة، تشمل وجود تغيير ما، وتيسر لنا الاستفادة من كل جديد نافع، بينما التغريب يبدل ثقافة شعوبنا ويقوم على نبذ القيم والثقافة الإسلامية، وإحلال القيم الغربية مكانها، فهو انسلاخ من حضارتنا وقيمنا، وتكريس للتبعية الغربية المادية فينا.

ولو تطرقنا إلى التغريب في الاقتصاد لوجدنا الرأسمالية المتوحشة هي سيدة الموقف بويلاتها وأزماتها وثقافتها التي جعلت الربا أمراً لا فكاك منه، والمقامرة من مشتقات مالية ونحوها دواء لا بد منه، والاستهلاك الترفي متاعاً لا بد من التمسك به، وحرية السلع دون الأفراد مسلكاً محموداً، وفرض الضرائب وإهمال الزكاة منهجاً، وحصر دولنا الإسلامية في الإنتاج الريعي والتقنية المتقادمة، وتحويل الدولة من راعية للاقتصاد إلى حارسة له، بل وتفريغ العديد من البنوك الإسلامية من منهجها بالتحايل المقيت ببيع العينة والتورق المصرفي المنظم.

ومن أشد أساليب التغريب في الاقتصاد أيضاً الركون إلى المنهج التجريبي وحده دون غيره، والاستسلام لمقولة العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، ولا مكان للدين والأخلاق سوى التحييد.

إن المعرفة تشمل كل ما يتجمع لدى الإنسان من المعلومات العامة أو الحقائق القائمة على التجربة أو الإدراك الحسي أو التأمل الفلسفي أو الجهد الفكري المنظم، والعلم هو المعرفة المنظمة التي تنشأ عن الملاحظة الحسية التي تعرضت للفحص والتدقيق والتحليل والتجريب بغرض تحديد طبيعة وأسس وأصول ما تم دراسته، ولا علم بدون منهج، ولا ممارسة للعلم بدون قاعدة علمية وضوابط منهجية، والمنهج هو الطريقة الواضحة التي ينتهجها العقل للتوصل إلى الكشف عن الحقيقة التي يريد الباحث الوصول إليها، مستعيناً في ذلك بمجموعة من القواعد العامة التي يخضع لها العقل في عملية البحث عن طريق بعض أدوات التحليل، ومنها: أدوات التحليل المنطقي التي تضم الطريقة الاستنباطية والطريقة الاستقرائية.. إلخ، وذلك بهدف التوصل -من خلال عملية التحليل- إلى أفكار ومقولات عامة.

والإسلام يؤمن بالمعرفة والعلم، ويثمن على منهج البحث في علم الاقتصاد الذي يرتبط بالسلوك الإنساني، وينصرف إلى طرق الدراسة والتحليل التي تستخدم من خلال الفكر المتتابع والمنتظم عن دراسة موضوع معين بهدف التوصل إلى قانون عام يحكم الموضوع محل الدراسة، ولكن السلوك الإنساني في الإسلام ليس سلوكاً عشوائياً ولا سلوكاً يحكمه التجريب فقط، بل يحكمه العقل والوحي المرشد لهذا العقل.

النظرية الاقتصادية

والاقتصاد الإسلامي كعلم ينشغل بالسلوك الاقتصادي للإنسان في إطار الأصول الشرعية والجوانب العقدية والأخلاقية، فهو يتضمن الأحكام التقريرية (الوضعية)، والتقديرية (المعيارية) معاً، فدراسة الجوانب الواقعية من السلوك الاقتصادي لا تقل أهمية عن دراسة الجوانب المعيارية فيه، والنظرية الاقتصادية الواقعية هي نظرية علمية يتحدد إطارها بملاحظة الواقع وتفسيره، مثل قانون الطلب الذي يعكس العلاقة العكسية بين الكمية المطلوبة والسعر، فهي تستند لمعايير واقعية.

والنظرية الاقتصادية المعيارية لا تعني انفصال النظرية الاقتصادية عن الواقع تماماً، حيث تصبح هذه المثالية مسألة خيالية خارجة عن نطاق اهتمام الاقتصاديين، إنما المقصود بالمفهوم المثالي هو ارتباط النظرية الاقتصادية بعض الأهداف المرغوبة التي يظن صاحب النظرية أنه ينبغي تحقيقها في الواقع، فقد تتضمن النظرية الاقتصادية فرض التوزيع العادل للدخل القومي في المجتمع، بينما أن التوزيع السائد في الواقع غير عادل، وفي مثل هذه الحالة لن يمكن اختبار النظرية الاقتصادية مثلما هي الحال في المفهوم الواقعي للنظرية، حيث يقتصر ذلك فقط على تحقق الهدف المثالي على أرض الواقع، حيث يمكن حينئذ اختبار النظرية وتنتفي منها الصفة المثالية وتصبح واقعية، ومعظم ما يتكلم عنه البعض في نظريات اقتصادية في إطار قيم أخلاقية معينة أو عقائد دينية يدخل في نطاق المفهوم المثالي، حيث لا تخلو النظرية من بعض فروض غير موجودة في الواقع، ومع ذلك يرى أنه ينبغي أو يجب تحقيقها.

إن المفهوم المثالي للنظرية الاقتصادية أو ما يطلق عليه الأحكام التقديرية يقوم على أحكام قيمية معيارية (أي شخصية) تخضع لقيم الإنسان ومعتقداته أو انتمائه الفكري والسياسي والاجتماعي، ويقصر البعض البحث العلمي على الأحكام التقريرية أو الوضعية دون الأحكام التقديرية أو المعيارية، باعتبار الأولى تختص بما هو كائن فعلاً، وأي اختلاف فيها يمكن حسمه باللجوء إلى الحقائق المشاهدة، بينما الثانية تختص بما ينبغي أن يكون، ومن ثم فهي تتضمن أحكاماً شخصية تعكس وجهات نظر الأفراد وميولهم ومعتقداتهم، ومن ثم تعذر حسم أي خلاف بشأن هذه الأحكام.

والواقع أن منهج البحث في العلوم الاجتماعية يختلف عنه في العلوم الطبيعية، والاقتصاد كعلم اجتماعي محوره الإنسان ككل في نطاق الإنتاج والاستهلاك والتوزيع إشباعاً لحاجاته، وهو مجال يختلف عن مجال بحث وأهداف العلوم الطبيعية، وإن كانت جميعها في النهاية تخدم الإنسان، ومن ثم فإن الدراسة العلمية لا تقتصر على مجال الأحكام التقريرية، وإنما تمتد إلى مجال الأحكام التقديرية كذلك.

وعلى ذلك، فإن علم الاقتصاد الإسلامي لا يقف عند دراسة الواقع فقط، بل يتجاوزه إلى دراسته كما ينبغي أن يكون، ثم تحديد الخطوات العلمية والعملية لتعديل الواقع القائم ليصبح هذا الواقع كما ينبغي أن يكون، بمعنى آخر؛ إن مهمته وهدفه هي مهمة وضعية ومعيارية معاً.

والباحثون في الاقتصاد الإسلامي مطالبون بالنظر في الكتاب والسُّنة وأقوال الفقهاء والعلماء في الكتب الشرعية وكتب الفكر الاقتصادي وكتب التاريخ ورؤيتهم للظاهرة الاقتصادية في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والنقود والتجارة الدولية.. إلخ، وكذلك دراسة الواقع من حيث وصفه وتفسيره.

النظرية الاقتصادية الوضعية والإسلامية

وقد عجزت النظريات الاقتصادية الوضعية التي يسعى أهل التغريب لجعلها منهجاً لنا عن حل المشكلات الاقتصادية المعاصرة، وركزت على الماديات وأهملت الروحانيات وحيدت الأخلاق، وسارت في ركب الحياد العلمي للنظرية الاقتصادية الذي تبنته المدرسة التقليدية الجديدة بمناداتها بتجريد الظاهرة الاقتصادية عن غيرها من الظواهر الاجتماعية والأخلاقية، بينما النظرية الاقتصادية الإسلامية تنبع من القيم الإسلامية، وتوازن بين المادة والروح، وهدفها بناء الإنسان الاقتصادي الصالح الذي استخلفه الله لعمارة الكون بحوافز مادية وإيمانية وأخلاقية، لا الإنسان الاقتصادي المادي الذي على أساسه تم إقرار تعظيم الربحية للمنتج وتعظيم المنفعة للمستهلك بحوافز مادية بحتة.

وبناء نظرية اقتصادية إسلامية ينبغي أن يكون في إطار الثوابت، بالاستفادة من دراسة النظريات الاقتصادية الغربية رغم ارتباطها بفلسفات وبيئات مختلفة، ولكن مع ذلك يمكن البناء عليها بما يلائم واقعنا، ودون اصطدام مع أحكام شريعتنا، سواء بمفهوم المخالفة إذا كنا مختلفين تماماً، أو بمفهوم المشابهة في بعض الأحيان إذا كان هناك تشابه، فنحن لا نبدأ من الصفر ولا نهدر القوانين الاقتصادية التي ثبت صحتها ولا تصطدم بشريعتنا، فالمعرفة تراكمية، والتعديل والتطوير للنظريات الاقتصادية المعاصرة لا غبار عليه، لا سيما وأننا نمتلك تراثاً فقهياً عظيماً يمكننا من الربط بين الأصالة والمعاصرة.

وإذا كانت النظرية الوضعية تتطلب اختبار فروضها الاحتمالية بالرجوع إلى الحقائق والمشاهدات التي تؤيد ذلك، فإن النظرية الاقتصادية الإسلامية لا تحتاج إلى مثل هذا الاختبار على أساس أن الثوابت مسلمات في الاقتصاد الإسلامي يوقن بها الباحث يقيناً لا شك فيه، فحينما يقول الله تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة: 276) فهذا من المسلمات ولا مجال لاختباره حتى نثبت صحته.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إن النظرية الاقتصادية الإسلامية يمكن أن تحتوي الممارسات المادية بعد تهذيبها وفقاً للمبادئ الإسلامية، فالعقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة، بل العقل والوحي المرشد له، مع أهمية تفسير النتائج المتأتية منها بعناية، ويجب ألا تلتبس بشريعة الإسلام وعصمتها، فالباحثون متفاوتون في المقدرة على الفهم والاستنباط، بل ومتفاوتون في معرفة هذه الأصول الشرعية والإحاطة بها، فالنظرية الاقتصادية الإسلامية وإن استمدت مسلماتها وأطرها العامة من الوحي، فإنها ليست في نفسها وحياً منزلاً، وإنما هي بالضرورة مشتملة على اجتهادات وأفكار وتفسيرات بشرية ضمن مكوناتها الرئيسة، وفي كل ذلك قد يرد الخطأ، وهذا الخطأ لا يمكن أن يمس عصمة الشريعة، فهو مجهود بشري مستنبط من النصوص ويرجع على قائله ومفسره.

الأحد, 09 أغسطس 2020 09:59

التمويل الاجتماعي الإسلامي

2020-08-09_10h02_51.jpgذهب تقرير التمويل الاجتماعي الإسلامي للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بجدة إلى أن التمويل الاجتماعي الإسلامي يضم الزكاة والأوقاف ومؤسسات التمويل الأصغر لخلق فرص عمل للفقراء، وذلك من خلال ثلاثة أنماط من المؤسسات التي تقدم التمويل الإسلامي الأصغر، وهي:

الأولى: مؤسسات تمويل أصغر تستخدم عقوداً تمويلية ربحية، وتسعى إلى تحقيق أرباح متواضعة لضمان استدامة التمويل.

الثانية: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند كذلك إلى عقود تمويلية ربحية.

الثالثة: مؤسسات إسلامية غير ربحية وتعاونيات قائمة على الأعضاء تقدم خدمات التمويل الأصغر، وتستند إلى عقود تمويلية غير ربحية، مثل القرض والوكالة والكفالة.

خصائصه:

يتسم التمويل الاجتماعي الإسلامي بخصائص متعددة، من أهمها:

1- أنه تمويل ذات أبعاد اجتماعية، فهو جزء لا ينفصم من طبيعة التمويل ذاته، سواء أكان ربحياً أم غير ربحي.

2- أنه تمويل يتفق وأحكام مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا يعرف للربا والنشاط المحرم سبيلاً، ولا للحيل المذمومة في المعاملات المالية طريقاً.

3- أنه تمويل يهدف إلى التمكين الاقتصادي وتنمية المجتمع وعمارة الكون، فهو منهج عملي لمفهوم الاستخلاف في المال، وما يتطلبه من مسؤولية استخلافية.

4- أنه تمويل متنوع ومتعدد الأساليب التمويلية، حيث ينقسم إلى:

أ- التمويل الاجتماعي الخيري (غير الربحي): وهو قائم على التبرعات والبر والإحسان؛ كالقرض الحسن والصدقات التطوعية والزكاة والوقف.

ب- التمويل الاجتماعي الربحي: وهو قائم على الربحية المتواضعة التي تراعي الجوانب الاجتماعية، وتسعى في الوقت نفسه لضمان استدامة التمويل، وينقسم بدوره إلى:

- التمويل الاجتماعي بالمعاوضة: وهو قائم على المعاوضات كالبيع الآجل وبيع السلم وبيع الاستصناع والتأجير سواء أكان منتهياً بالتمليك أم خدمات، فضلاً عن الوكالة بالاستثمار.

- التمويل الاجتماعي بالمشاركة: وهو قائم على المشاركات كالمشاركة المؤقتة، والمشاركة المتناقصة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والمغارسة.

5- أنه تمويل يقوم على أساس دراسات الجدوى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يعني أن المشروعات عند دراستها تخضع للأولويات الإسلامية من ضروريات وحاجيات وتحسينات؛ مما يحقق تخصيصاً أمثل للموارد، وتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.

6- أنه تمويل يعمل على بناء الإنسان من خلال قدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم بناء رجال وسيدات أعمال في المجتمع، والانتقال بالمحتاجين من كونهم اليد السفلى لتكون يدهم عليا، تعطي ولا تأخذ.

أهميته:

تبدو أهمية التمويل الاجتماعي الإسلامي من خلال كونه عبادة يتقرب بها الممول إلى الله عز وجل إذا أخلص له النية فيها بتلبية الحاجات المشروعة للخلق وإعمار الكون، كما أنه قد يكون فرض عين من خلال التمويل التمليكي بالزكاة، أو فرض كفاية من النوعية الأخرى من التمويلات، توفيراً للاحتياجات التمويلية للعباد، لإعانتهم على طاعة الله، وتمكينهم اقتصادياً، ومن ثم تقوية بنيان الدولة الاقتصادي، وإعانتها على تحقيق دورها في سياسة الدنيا وحراسة الدين.

والتمويل الاجتماعي الإسلامي وسيلة من وسائل تحقيق مقاصد الشريعة، باعتبار حفظ المال من المقاصد الشرعية الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) التي ترجع إليها تصرفات العباد، فضلاً عن كون التمويل الاجتماعي الإسلامي يمتد لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل كذلك، بقدرته على التمكين الاقتصادي، ومن ثم التمكين الاجتماعي، كما أن التمويل الاجتماعي الربحي إحدى الوسائل المشروعة للكسب، فرغم أن ربحيته متواضعة لاستدامة التمويل، فإن فيه دوراناً للمال وتقليبه، وتسخيراً للموارد الاقتصادية البشرية والمادية، ومن ثم إشاعة الخير والنماء في المجتمع.

يشير تقرير التنمية العربية إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية ما زالت تشكو من صعوبة التمويل المناسب، بالرغم من تعدد الجهات التي تقدم التمويل لهذه المشروعات سواء أكانت داخلية؛ مثل المؤسسات المصرفية، وجمعيات القروض الصغرى، وشركات التأجير التمويلي، وشركات الاستثمار، بالإضافة إلى آليات التمويل من خلال الأسواق التي تستهدف تلك المشروعات في بعض الدول العربية، أم كانت جهات خارجية؛ مثل الحساب الخاص الذي يديره الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وتمويل البنك الإسلامي للتنمية، وتمويل المنظمات الدولية.

ومما يؤسف له أن هذا التخبط التمويلي في الدول العربية لم يحقق الحماية لأبنائها من الفقر والبطالة؛ حيث يشير التقرير الاقتصادي العربي الموحد إلى أن نسب الفقر في الدول العربية وفق خطوط الفقر الوطنية تتراوح بين 4.8% في المغرب، و48.6% في اليمن، كما يشير البنك الدولي إلى أن نسبة البطالة في الدول العربية بلغت نحو 10%، وهو ما يمثل نحو ضعفي معدل البطالة في العالم.

إنه رغم ما تعانيه المجتمعات العربية من فقر وبطالة، فإن التمويل في الجانب الاجتماعي في تلك المجتمعات ما زال متواضعاً، وهذا الأمر يطرح إشكالية تتعلق بالتمويل الاجتماعي الإسلامي ومدى قدرته على المساهمة في التمكين الاقتصادي من خلال تمويل المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة، وقد تعددت تعريفات تلك النوعية من المشروعات وفق رؤية المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بها، «حيث عرفت منظمتا العمل الدولية والعربية المشروعات الصغرى أو متناهية الصغر بأنها المشروعات التي يعمل بها من 1 - 4 عمال، والمشروع الصغير الذي يعمل به من 5 - 19 عاملاً».

ولعل التوجه نحو الشمول المالي الذي تتبناه المؤسسات الدولية والمحلية يفتح المجال بصورة فعالة للاهتمام بالتمكين الاقتصادي؛ حيث إن الشمول المالي يعني: «إمكانية وصول الأفراد، بمن فيهم أصحاب الدخل المنخفض، والشركات، إلى مجموعة واسعة من الخدمات المالية الرسمية ذات جودة عالية (مدفوعات، تحويلات، ادخار، اقتراض، تأمين.. إلخ)، يتم توفيرها بطريقة مسؤولة ومستدامة من قبل مجموعة متنوعة من مقدمي الخدمات المالية في بيئة قانونية وتنظيمية مناسبة وبكلفة معقولة». 

وفي ظل الحاجة الماسة إلى اتباع أساليب مبتكرة لتحفيز النمو الاقتصادي، يمكن للشمول المالي القيام بدور بالغ الأهمية في خلق فرص عمل والحد من الفقر وتحقيق التنمية بالمفهوم الشامل والمستدام؛ فالأفراد والمشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين تتوافر لديهم فرص الوصول إلى مصادر التمويل الرسمية والحصول على التمويل، يكونون قادرين على إنشاء أنشطة مدرة للدخل ومشروعات جديدة والتوسع في المشروعات القائمة.

وتشير نتائج قاعدة بيانات الشمول المالي، على مستوى الدول العربية، إلى أن متوسط نسبة الذين يمتلكون حساباً في مؤسسة مالية قد ارتفع من 22% عام 2011 إلى 37% عام 2017م، وذلك مقارنة بارتفاع المتوسط العالمي الذي ارتفع من 51% عام 2011 إلى 69% عام 2017م؛ وهذا يعني انخفاض مستوى الشمول المالي في الدول العربية مقارنة بالمتوسط العالمي.

ومن هنا، جاء الشمول المالي على رأس أولويات صناع القرار على مستوى العالم كأولوية اقتصادية وإنمائية؛ نظراً لدوره الكبير في دعم النمو الاقتصادي، وتقليل التفاوت في توزيع الدخل، وتوفير فرص العمل، وزيادة مستويات الرفاه الاقتصادي.

إضافة لما سبق، يساعد الشمول المالي على تحقيق تسعة من الأهداف السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق التنمية المستدامة بحلول عام 2030م، التي على رأسها خفض الفقر، ومكافحة الجوع، وخلق المزيد من فرص العمل.

إن التكامل بين التمويل الاجتماعي الإسلامي والشمول المالي لتحقيق التنمية المستدامة من أبرز ما يميز الاقتصاد الإسلامي الذي يحقق التوازن التنموي الأفقي للجيل القائم، والتوازن التنموي الرأسي بين الجيل الحالي والأجيال اللاحقة قبل أن تعرف الأمم المتحدة مصطلح التنمية المستدامة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر: 10).

والتمويل الاجتماعي الإسلامي من أهم الوسائل الفعالة للمساهمة في تحقيق التمكين الاقتصادي والتنمية المستدامة، بما يملكه من تنوع في أساليبه، سواء أكان تمويلاً خيرياً أم ذات ربحية، وقد آن الأوان للدول الإسلامية (ومؤسسات العمل الخيري) التركيز على التمويل الاجتماعي الإسلامي بعيداً عن سعر الفائدة المقيت؛ للانتقال بالمحتاجين من الفقر والبطالة إلى الكفاية، ومن أخذ الزكاة إلى إخراجها، ومن الاعتماد على الغير في احتياجاتنا إلى الاعتماد على أنفسنا بتمويل اجتماعي يراعي حاجات المجتمع وأولوياته، ويوفر سلعاً وخدمات تحل محل الواردات، وتعزز الصادرات، وتحقق الاكتفاء الذاتي للبلاد والعباد.

2020-07-08_10h12_43.jpg

جاءت جريمة مقتل «فلويد» بعد 3 أشهر من مقتل شاب أسود آخر وهو «أحمد أربيري» في ولاية جورجيا، أثناء ممارسته رياضة الجري، على يد رجل وابنه من ذوي البشرة البيضاء، وقد دفع مقتل «جورج فلويد» إلى اندلاع احتجاجات كبيرة في أنحاء الولايات المتحدة، ترفع شعار «حياة السود مهمة»، وخرجت بعض تلك الاحتجاجات عن جانب السلم إلى العنف، وأصبحت تهدد عرش الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، حتى وظَّف الإنجيل في الوقوف ضدها، ولكن لم يزد تصرفه هذا إلا استهجاناً، كما انتشرت المظاهرات في العديد من دول العالم التي تندد بالعنصرية، ولم ينطفئ لهيب الاحتجاجات حتى اشتعلت نار التظاهرات بصورة أكبر بعد التمادي في قتل آخرين من السود.

إن هذه العنصرية البغيضة لم تكشف عن عنصرية الجنس البشري واللون فحسب، بل كشفت كذلك عن توحش النظام الرأسمالي الذي يزيد الغني غنى والفقير فقراً، ويقسم المجتمع إلى طبقتين؛ طبقة غارقة لا تجد قوت يومها، وطبقة طافية مترفة، حتى وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر في الولايات المتحدة نحو 12%، وارتفع معدل البطالة إلى 13.7%، في أبريل الماضي، وقد بدا واضحاً رد الفعل على الطبقية التي هي نتاج العنصرية المالية البغيضة من خلال السلب والنهب بصفة خاصة للمتاجر ذات الماركات العالمية المشهورة.

إن ما يحدث بأمريكا يكشف بوضوح عن عورة الذين يتغنون بالحرية ويغذون العنصرية، وفي مقدمتهم الرئيس الحالي «دونالد ترمب»، وفي الوقت نفسه يتهمون الإسلام ليلاً ونهاراً خفية وجهاراً بالإرهاب، هذا الدين الخالد الذي حارب العنصرية ووصفها بـ «المُنْتِنة»، وأقرَّ للبشر جميعاً التكريم والتسخير والرزق والتفضيل دون تمييز في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء: 70)، وحينما أقرَّ التمييز لم يجعله على أساس الجنس أو اللون أو اللغة أو المال، ولكن بمعيار التقوى، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).

فالله تعالى هو من خلق الأبيض والأسود، ولا ينبغي أن يحاسَب إنسان على لونه، فهو ليس من اختياره، ومعيار التفرقة يكون بشيء مرتبط بسعي البشر وإرادتهم وهو التقوى، وفي الحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، كما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: قاولت رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا ابن السوداء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، طف الصاع طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل».

وعنصرية المال التي بدت نواجذها واضحة في أزمة «فلويد» بأمريكا من خلال التفاوت الطبقي الكبير، وفقدان التراحم بين أبناء المجتمع، لا مكان فيها للإسلام الذي يرسخ للدرجية لا الطبقية، وفتح مجال التراحم ومعالجة التفاوت الطبقي من خلال إعادة التوزيع.

فالله تعالى جعل الناس درجات وليس طبقات، وسخر بعضهم لبعض وفق تخصصاتهم، فكل منهم يحتاج للآخر ولا يستغني عنه، يقول تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32).

يقول صاحب «الظلال» في هذه الآية: «ورزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد، وظروف الحياة، وعلاقات المجتمع، وتختلف نسب التوزيع بين الأفراد والجماعات وفق تلك العوامل كلها، تختلف من بيئة لبيئة، ومن عصر لعصر، ومن مجتمع لمجتمع، وفق نظمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها، ولكن السمة الباقية فيه، التي لم تتخلف أبداً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة للإنتاج وللتوزيع أنه متفاوت بين الأفراد، وتختلف أسباب التفاوت ما تختلف بين أنواع المجتمعات وألوان النظم، ولكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً، ولم يقع يوماً حتى في المجتمعات المصطنعة المحكومة بمذاهب موجهة أن تساوى جميع الأفراد في هذا الرزق أبداً. 2020-07-08_10h12_55.jpg

والحكمة في هذا التفاوت في جميع العصور وجميع البيئات ليسخر بعضهم بعضاً.. ودولاب الحياة حين يدور يسخر بعض الناس لبعض حتماً، وليس التسخير هو الاستعلاء.. استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد.. كلا! إن هذا معنى قريب ساذج، لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد.. كلا! إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية؛ وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجيء.

إن كل البشر مسخر بعضهم لبعض، ودولاب الحياة يدور بالجميع، ويسخر بعضهم لبعض في كل وضع وفي كل ظرف، لمقدر عليه في الرزق مسخر للمبسوط له في الرزق، والعكس كذلك صحيح، فهذا مسخر ليجمع المال، فيأكل منه ويرتزق ذاك، وكلاهما مسخر للآخر سواء بسواء، والتفاوت في الرزق هو الذي يسخر هذا لذاك، ويسخر ذاك لهذا في دورة الحياة.. العامل مسخر للمهندس ومسخر لصاحب العمل، والمهندس مسخر للعامل ولصاحب العمل، وصاحب العمل مسخر للمهندس وللعامل على السواء، وكلهم مسخرون للخلافة في الأرض بهذا التفاوت في المواهب والاستعدادات، والتفاوت في الأعمال والأرزاق».

العدالة في الإسلام

لقد حرص الإسلام على تحقيق العدالة والتوازن في التوزيع للدخل والثروة؛ ففتح المجال أمام الملكية الفردية من خلال توظيف ما يملكه الإنسان من مهارات، والعمل بصورة نظيفة لا غش فيها ولا احتكار ولا ربا ولا قمار ولا أكل للمال بالباطل على العموم وفتح الباب للكفايات، وتقسيم العمل بين الناس على أساس التخصص وتبادل المنافع.

وفي الوقت نفسه؛ شرع آليات تتولى إعادة توزيع الدخل والثروة، من أبرزها آلية الإرث التي تعيد توزيع الدخول والثروات المكتسبة خلال دورة الحياة على أساس درجة القرابة، والشارع الحكيم وهو يتوخى توزيع الميراث على مستحقيه توزيعاً عادلاً -لا يشوبه حيف ولا يعتريه ظلم- أخذ في الاعتبار بمعيار الحاجة كأساس للتفاضل في التوزيع وليس عنصرية النوع، فكلما كانت الحاجة إلى المال أشد كان النصيب أكبر، ولعل هذا هو السر في كون «للذكر مثل حظ الأنثيين» في بعض حالات الميراث؛ لما يتحمله من تكاليف مالية في مقدمتها المهر والنفقة؛ فالعطاء على قدر الحاجة هو العدل، والمساواة عن تفاوت مقدار الحاجة هو الظلم. 2020-07-08_10h13_23.jpg

كما شرع الإسلام الزكاة على الدخول والثروات بشرائطها، وهو ما يحقق إعادة تلقائية في توزيع الدخول في المجتمع، وفي الظروف الاستثنائية يتدخل الشرع لحماية الفقراء من الحاجة وحماية الأغنياء من الطغيان، قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ) (الحشر: 7)، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إعادة توزيع الدخول بالمال الذي أفاء الله به عليه حينما ظهر على بني النضير، حيث قسمه بين المهاجرين، ولم يعطِ أحداً من الأنصار منه شيئاً إلا رجلين كانا فقيرين.

كما فطن الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى العدالة الحالية والمستقبلية في التوزيع فيما يتعلق بأرض السواد في العراق وغيرها، حيث نظر فوجد أن الأراضي المفتوحة تبلغ ملايين الأفدنة، فإذا قام بتقسيمها بين الفاتحين فقط وهم ألوف معدودة تضخمت الملكية في أيدي أفراد قلائل، ولم يجد من بعدهم شيئاً، فأبقى الأرض في يد أهلها وأخذ منهم خراجاً للمسلمين كافة وأجيالهم القادمة، وبذلك رسخ لمفهوم «التنمية المستدامة» قبل أن تعرفها الأمم المتحدة بمئات السنين.

إن إعادة توزيع الدخل والثروة في الإسلام يتجاوز النظام الرأسمالي وعنصريته المالية الذي لا يسمح باستحقاق الثروة أو الدخل المتولد في الاقتصاد إلا لعناصر الإنتاج التي شاركت فيه؛ لأنه يؤمن بأن قوى السوق هي المعيار الوحيد للتوزيع بين الفئات المختلفة، حتى أصبحت الثمرة المرة والنكدة التي أفرزها هذا النظام هي تأجيج نار الصراع الطبقي وإشاعة الكراهية والبغضاء في النفوس المعسرة أو المحرومة من الإنفاق أو من سعة في المال التي أقعدتها ظروف البطالة أو الفقر عن المشاركة في النشاط الاقتصادي، ومن ثم لم تستطع إشباع حاجاتها الضرورية أو أن تنال شيئاً مما يوزع من خلال آلية السوق، التي لا تلبي إلا الطلب المدعوم بالقوة الشرائية الذي يفتقد في حقيقته للمنافسة الشريفة ويتحكم فيه الرأسماليون الكبار.

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top