أفكار وتصرفات تسرق سعادة الأمهات

09:57 30 يوليو 2019 الكاتب :   نجلاء محفوظ

تستحق كل الأمهات السعادة، والثابت أن الإنسان السعيد يجيد التعامل مع المشكلات وأكثر رغبة في التحلي بالصبر ولديه قدر كبير من التحكم بانفعالاته ويتمتع بالصحة النفسية ثم الجسدية، وكل هذه الأمور تساعد كل أم على أداء وظيفتها كأم.

نبدأ بأكثر سارق لسعادة الأمهات؛ وهو التفكير معظم الوقت في مشكلات الأولاد والتركيز على عيوبهم، فيجهد الأم ويسرق طاقاتها ويشعرها بالإنهاك وبالغضب المكتوم من الأولاد الذي ينتهز أي فرصة للانفجار، وغالباً ما يكون السبب بسيطًا؛ فيثير استغرابهم وأحياناً اعتراضهم فيزداد غضب الأم.

جزء مهم ولكن..

نوصي بمنع النفس من التفكير المتواصل بمشكلات الأولاد، والكتابة للنفس عنها، ووضع خطط واقعية لتقليلها؛ والكتابة تهدئ العقل وترتبه أيضاً، ثم تذكير النفس أن الأولاد جزء مهم جداً من الحياة، ولكنهم ليسوا كل الحياة، فلديها الزوج واهتماماتها الخاصة ونجاحها بعملها أو هواياتها أو عملها التطوعي وعنايتها الشخصية بنفسها، وبذا نصل للسارق الثاني وهو إهمال العناية بالجمال بالمظهر داخل البيت وخارجه، وتوديع الرشاقة بعد الإنجاب، وكأن جمالها ينقسم لما قبل وما بعد الأمومة، والأصل أن يزيد جمالها بعد نعمة الأمومة، وأن تكون قدوة عملية لأبنائها وبناتها على السواء في الاهتمام ليس بالنظافة فقط ولكن بالأناقة داخل البيت وخارجه، دون مبالغة بالطبع، مع ملاحظة أن العناية بالمظهر تضيف لحواء راحة نفسية وتزيد من رضاها عن نفسها؛ والرضا عن النفس من مكونات الصحة النفسية.

تدريب وتشجيع

أما السارق الثالث فيتلخص في أن الأولاد لا يقدّرون تضحياتها من أجلهم، وتناسي أن الله عز وجل كرم الأمهات؛ وكفى بذلك جائزة، مع عدم المبالغة بالتعامل مع كل أدوار الأم كتضحيات، والأفضل ألا تتعامل مع أبنائنا وأزواجنا أيضاً وكأننا موظفات نطلب الأجر سواء أكان معنوياً أم مادياً.

وهذا لا يتناقض بالطبع مع الحرص على تدريب الأولاد على احترام دور الأم بكل تفاصيل حياتهم، مع تشجيعهم على مبادلة حنانها بمثله، وتقديم الهدايا لها بالمناسبات كما تفعل معهم.

أما السارق الرابع فيدور حول اعتقاد ينتشر بين بعض الأمهات بأن الأخريات يبذلن جهداً أقل ويحصلن على نتائج أفضل.

وإذا تأكدت الأم أنها لا تكرر نفس النصائح بأسلوب غاضب وتطيل من الكلام وتكثر من اللوم لأولادها فهذا من أسباب النتائج السيئة للتربية، ويجب تجنبها، ثم اليقين بأن الله سيبارك لها في مجهودها متى أخلصت النية لإرضاء ربها بحسن رعاية أولادها، ثم تشاغلت عن النتائج بالاهتمام بباقي جوانب حياتها مع عدم توقع ألا يخطئ أولادها، فهذا غير واقعي، ومن تتوقع أولاداً بلا أخطاء بسبب تفانيها في تربيتهم تصنع إحباطها بيديها.

حزم وردع

نتوقف عند سارق خامس وهو التفكير بأن الأم كانت أفضل من أولادها في التعامل مع والدتها، أو أنها لم تفز بالكثير مما تمنحه لهم، والصواب أن تعلم أن كل إنسان يتصرف وفقاً لطباعه ولاختياراته، وأنها لن تستطيع جعل أولادها نسخًا منها؛ فهذا غير عادل وإلغاء لشخصياتهم، ولكنها تستطيع منعهم بالحزم من الإساءة إليها بالقول أو بالتصرف.

والحزم يتناقض مع الصراخ الذي يلغي هيبة الأم، والحزم هو الكلام بهدوء وبأقل كلمات لردع أي سوء أدب من الأولاد أولاً بأول.

ونصل لسارق سادس وهو الاحتفاظ بالضيق من تصرفات سيئة للأولاد وإزعاج الأم لنفسها، بينما الابن يواصل حياته بعد الردع، والأفضل أن تحتفل الأم بعدم سماحها باستمرار التجاوز وعدم تجاهلها له، وأن ترفض السماح للضيق بالإقامة وتطرده وتزرع مكانه السعادة بنعمة الأمومة، وتنهمك بما يسعدها، ولو استطاعت مكافأة نفسها بشراء هدية ولو بسيطة لأنها قررت طرد التحسر على النفس أو تربت على نفسها بحب واحترام.

تستحقين

أما السارق السابع فيتلخص بالتفكير؛ أنسى نفسي من أجل أولادي ولا يستحقون، ونهمس بود واحترام: ليس مطلوباً نسيان نفسك نفسيًا ولا ماديًا من أجل أحد، أما أنهم لا يستحقون فذلك تحريض على أولادك، وتضرين نفسك به، فستكونين أكثر استعدادًا للاشتعال غضباً عند أتفه خطأ منهم، ولا يوجد أولاد لا يخطئون، وستفقدين كثيراً من صحتك النفسية ثم الجسدية –لا قدر الله بالطبع- والصواب أنك تستحقين الاهتمام بتربية أولادك.

ونتوقف عند السارق الثامن؛ ويحدث عندما تتناسى أمهات كثيرات مزايا أولادهن، وتتوقف فقط عند عيوبهم، والأسوأ مقارنة عيوبهم بمزايا أولاد الآخرين وتجاهل أن لهم عيوباً، فلا أحد بلا عيوب.

والصواب إسعاد نفسها بمزايا أولادها –وإن قلت- لتهدأ نفسياً وتحمي نفسها من تصاعد الغضب الداخلي إثر التركيز على العيوب فقط، ولتصبح أكثر قدرة على أفضل تعامل مع عيوبهم لتقليلها بوعي وبتدرج.

ولعل أكثر الأفكار تدميراً لسعادة الأمهات هو اللص التاسع؛ الخاص بالتفكير بأنها عندما ستكبر ستندم على مجهودها وعلى ضياع صحتها وفناء عمرها معهم، والصواب أن تهتم بصحتها النفسية والجسدية ليس لأنهم لن يكونوا سندًا عند كبرها، ولكن لتسعد بحياتها دوماً، ولا تكون عبئًا ولو نفسيًا على أحد، وأن تجعلهم يعتادون على برها، وترفض أولاً بأول كل بدايات العقوق لتكون ممن شملهم الحديث الشريف "رحم الله والداً أعان ولده على بره".

أفضل صديقة

ومن التفكير العاشر السارق للسعادة؛ القول: أولادي يفضلون أصحابهم عليَّ، والحقيقة أن المشتركات بينهم كثيرة، وبدلاً من الغيرة المؤذية؛ على الأم أن تكون صديقة لأولادها؛ تشاركهم بعض اهتماماتهم، وتحترم أحلامهم، ولا تسخر منهم، وتصغي باحترام لمشكلاتهم، ولا تفشي أسرارهم، وبذا تكون أفضل صديقة مع اهتمامها بأسرتها وبصديقاتها وبزوجها وبحياتها الخاصة ولا تكون مجرد جزء بحياة أولادها.

ولا تتوقع أن يخبروها بكل أسرارهم، فالبعض -خاصة الشباب- يفضل الاحتفاظ ببعضها كإثبات خاطئ للرجولة، وأحياناً للخوف من رد فعل الأم، وهذا لا علاقة بحبهم لها.

ونصل للتفكير الحادي عشر السارق للسعادة؛ الزعم بأن على الأولاد تقليد الأم بالنظام وبعادات تناول الطعام والاهتمام بالنظافة دون جهد منها، ولا يتصرفون كأصحابهم أو الناس السيئة، وتناسي أن الفوضى هي الاختيار الأسهل وإن كان اختيارًا خاطئًا، وأن النظام وحسن التصرف يحتاجان لصبر ومثابرة وتدريب طويل من الأم مع زرع الرغبة داخل عقول وقلوب الأولاد، وإقناعهم أن ذلك يضيف إليهم، ومساعدتهم بحب ليتعلموه.

تحريض

لنتنبه للص الثاني عشر لسعادة الأمهات؛ وهو التعامل بعصبية وصراخ مع الأولاد؛ فسيردون بالمثل أو بلا مبالاة، أو التعامل مع تربيتهم كعبء وليس كوسيلة للفوز بأولاد ناجحين، وتصديق ما يتردد بوسائل التواصل الاجتماعي من شحنات سلبية تحرض الأمهات على الأولاد أو تدفعهن لتقبل إساءات الأولاد تحت دعاوى عدم الكبت؛ مما يزيد الأمر سوءاً ويخرجه عن السيطرة، فتدفع الأمهات الثمن غالياً من سعادتهن وراحة بالهن.

بينما الحزم ببادئ الأمر أقل كلفة وأفضل كثيراً للفوز بأحسن نتائج ممكنة.

ولنتجنب السارق الثالث عشر؛ حيث الشكوى المستمرة من الأولاد، فهي تغذي الحزن وتسرق السعادة، وتحرم من التعامل مع المشكلات الحقيقية، وضرورة تقبل أنهم لن يكونوا ملائكة وسيخطئون، كما أن معظم ردود الصديقات سلبية ولا تهدئ الأم وتضاعف غضبها، ولنتفادى متابعة شكاوى الأمهات على "الفيسبوك" ولا نركز مع الأمهات مدمنات الشكوى من أولادهن ولا نحاول تغييرهن، فالأسهل جذبنا لإدمانهن.

وتجسد جمل "لا فائدة"، "لن يصبحوا أبداً مثلما أريد".. السارق الرابع عشر، والأفضل التمسك بحسن الظن بالله مع طرد المبالغة بالتوقعات من الأولاد، وتذكر أن لديهم الحق بالاختلاف عنا، ودورنا يتلخص في تهذيب تصرفاتهم وإرشادهم للصواب منذ الصغر، وغرس ذلك بوجدانهم ومتابعتهم برفق وبحزم، وعدم السماح لهم بإيذاء أنفسهم بالتراجع الأخلاقي أو الفشل بالحياة، مع عدم المبالغة بالتوقعات بأن يكونوا ناجحين دوماً بكل تفاصيل حياتهم، فلا أحد كذلك، وهذا لا يعني التراجع عن النصح بأسلوب غير مباشر وبالترغيب بالسعي للأفضل، مع الإلحاح بالدعاء لله الرزاق أن يجعلهم أفضل، ويحميهم من كل ألوان وأنواع الوجع والفشل، ويمتعهم دوماً بأحسن النجاحات وأجملها وأدومها وأزكاها.

عدد المشاهدات 5275

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top