التجارة الإلكترونية.. رؤية قانونية

14:21 04 ديسمبر 2019 الكاتب :   خليفة الياقوت

2019-12-04_14h25_16.png

 

 

 

عملت تقنية المعلومات على إفراز أنماط جديدة للعلاقات القانونية، وتحديداً في حقل التجارة الإلكترونية والتعاملات الإلكترونية الأخرى، أثارت وتثير العديد من الإشكاليات حول مدى اعتراف القانون بها، وعلى وجه التحديد قواعد التعاقد بهذه الآليات الجديدة للتعبير عن الإيجاب والقبول وكافة الأركان التعاقدية الملزمة.

كما أثيرت كذلك تلك الإشكاليات في ميدان الإثبات؛ لأن النظم القانونية حددت الأدلة المقبولة، وحددت قواعد الاحتجاج بها، وسلامة الاستدلال منها، وفي خضم البحث في قانونية التعاقد بالطرق الإلكترونية وحجية مستخرجات الوسائل التقنية في الإثبات، ظهرت لنا التجارة الإلكترونية كنمط جديد من أنماط التعامل التجاري(1).

ولأهمية هذا النوع من التعاملات، فإن موضوع حماية المستهلك في التعاملات الإلكترونية شغل مكاناً كبيراً في الساحة القانونية على الصعيد الدولي.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا فرق بين المستهلك في مجال معاملات التجارة الإلكترونية، والمستهلك في مجال عمليات التعاقد التقليدية، إلا أن التعاقد يتم عن طريق الوسائل التكنولوجية الحديثة من خلال شبكات الاتصالات العالمية؛ وهو ما يعني تمتعه بحقوق المستهلك العادي ذاتها، والحماية القانونية ذاتها التي يقررها له المشرع، مع الأخذ بعين الاعتبار القواعد الخاصة المتعلقة بخصوصية العقود الإلكترونية؛ حيث إنها تبرم عن بُعد من خلال الإنترنت.

ومع عدم وجود تفرقة قانونية بين المستهلك في مجال عمليات التعاقد التقليدية، والمستهلك في مجال المعاملات الإلكترونية، فإننا سنتطرق لفكرة المستهلك في التعاملات الإلكترونية على اعتبار ارتباط هذا النوع من المعاملات بالتوقيع الإلكتروني.

حماية المستهلك

في بداية الأمر لم تكن حماية المستهلك في التعاملات الإلكترونية غاية، فالقواعد الإلكترونية في بعض الدول ما زالت هي التي تحكم نشاط المستهلك، ولكن ما زال هناك قصور في هذه القواعد لتوفير الحماية الإلكترونية الكافية له.

ويتميز المستهلك في التعاملات الإلكترونية بخصائص معينة يجب مراعاتها ليتمتع بهذه الحماية، خاصة أن الحماية القانونية غايتها حماية الطرف الأضعف بتلك العلاقة بسبب اختلال التوازن بين المستهلك والتاجر أو المهني؛ وذلك نتيجة سيطرة حالة الضعف عليه؛ حيث إن التاجر يقدم السلعة أو الخدمة باعتباره الطرف الأقوى اقتصادياً عن طريق فرض شروطه على المستهلك، إضافة إلى أن المستهلك في تعاملاته الإلكترونية لا يمكنه رؤية السلعة حقيقة، ولا معاينتها، وإنما فقط مشاهدتها عن بُعد عبر شبكة الإنترنت.

ومما سبق عرضه، ونظراً لحداثة التجارة الإلكترونية وفقاً لما تبين من كونها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحداثة الإنترنت وتطبيقاته العملية واتساع دائرة التجارة الإلكترونية، ومواكبة لتلك التطورات؛ فقد ظهرت حديثاً ببعض البلدان قوانين منظمة لتلك التجارة الإلكترونية، ومنها دولة الكويت التي بادرت إلى إصدار قانون رقم (20 لسنة 2014) في شأن المعاملات الإلكترونية، عرّف بمادته الأولى على وجه الحصر التجارة الإلكترونية بأنها «أي تعامل أو اتفاق يتم إبرامه أو تنفيذه كلياً أو جزئياً بواسطة رسائل ومراسلات إلكترونية».

ماهية المستهلك

يعرف الاستهلاك من الناحية القانونية بأنه «التصرف القانوني الذي يبرمه المستهلك للحصول على السلع والخدمات التي يشبع بها احتياجاته الشخصية أو العائلية»، فلفظ «استهلاك» يشمل في مجال المعاملات الإلكترونية كلاً من السلع والخدمات سواء يتسلمها المستهلك مادياً أو معنوياً(2).2019-12-04_14h24_58.png

فقد تدفقت السلع والخدمات من مختلف الدول إلى المستهلكين بشكل سريع وسلس نتيجة تنوع أساليب الاتصال والتسوق عبر الإنترنت؛ مما استلزم ضرورة إيجاد نظام قانوني متكامل يحكم هذه الآليات والتعاملات، من حيث توضيح المفاهيم القانونية الحديثة والوقوف على حقيقتها لاستجلائها، وعلى كيفية التعاقد وفق الأنظمة المستجدة وحفظ حقوق المتعاقدين وإثباتها، وكذلك بخصوص الحماية المدنية والجنائية للتعاملات الإلكترونية المعاصرة.

والمستهلك هو أي شخص يقتني مواد استهلاكية بمختلف أنواعها، لكن المستهلك في التعاملات الإلكترونية يختلف عن المستهلك في العمليات التقليدية في أنه يتعاقد عن طريق الوسائل التكنولوجية الحديثة.

وتجدر الإشارة إلى أن العائق الرئيس الذي يقلق المستهلك في التعاملات الإلكترونية هو ما يتمثل في غياب التوثيق وإثباته، ففي التجارة التقليدية يتم توثيق الصفة بأوراق ثبوتية من قبل الشخص المعنوي، وبواسطة اتصال شخصي ومباشر بين المنتج والمستهلك، إلا أن هذا الأمر تطور وتغيرت أساليبه وتعدد طرقه بحكم انتشار التجارة الإلكترونية، بما يشكل عائقاً يعتبر خطراً على المستهلك في احتمالية التعامل مع المنتج غير المعني.

وتتجسد أبرز هذه المشكلات وأهمها في ضمانات إبرام العقد من حيث التأكد من رضا المستهلك وقت إبرام العقد الإلكتروني، وحماية حقه في العدول، وكذلك مراعاة الضمانات اللازمة لعدالة التنفيذ، ومن بينها كذلك ضمانات السداد لمقابل الوفاء، فضلاً عن ضمان وصول مقابل الوفاء المقدم من المستهلك إلى البائع، ويدخل في عداد حماية المستهلك كذلك حقه في معرفة القانون الواجب التطبيق والمحكمة المختصة بالنزاع وذلك قبل إبرام هذا العقد.

وعلى ضوء ما تقدم بيانه، فقد أصبح موضوع حماية المستهلك في التعاملات الإلكترونية ذا أولوية مطلقة، ويبين ذلك بوضوح ما أورده التقرير الصادر عن مجلس الدولة المصري بشأن الإنترنت والتجارة الإلكترونية؛ حيث حظيت حماية المستهلك باهتمام بالغ؛ فقد جاء فيه أن ازدهار التجارة الإلكترونية يتوقف على مدى وضوح النظام القانوني للمعاملات الإلكترونية وقدرته على توفير الثقة للمتعاملين بصفة عامة والمستهلك بصفة خاصة، ولا شك في وجود أسس النظام وركائزه، ولا يمكن الادعاء بوجود فراغ قانوني في هذا المجال، لأن التنظيم قائم قبل التطبيق على كافة المعاملات الإلكترونية، ولكن الأمر يقتضي إلقاء الضوء على التشريعات السارية المرشحة لحكم تلك المعاملات ومواجهة مشاكل الإنترنت(3).

ملامح حماية المستهلك

قبل الشروع في وسائل تلك الحماية ينبغي الإشارة إلى أنه توجد ضمانات ووسائل تقليدية تنظمها نظرية الالتزامات تعمل على تخفيف المخاطر وتقليل الأضرار، لكن السؤال الرئيس الذي ينبغي التصدي له، يتمثل في مدى فعالية تلك الوسائل والضمانات التقليدية التي تنظمها النظرية العامة للالتزامات، وهل بإمكانها إضفاء حماية قانونية أكيدة وفاعلة للمستهلك في تعاملاته الإلكترونية؟

الإجابة عن ذلك التساؤل تأتي من مواقع التجارة الإلكترونية ذاتها، حيث يشمل كل موقع تجارة إلكتروني بياناً كاملاً بالقوانين الواجبة التطبيق والمحاكم المختصة بنظر تلك النزاعات، وترتبط تلك العلاقة التجارية بقبول المتعامل شروط الموقع ذاته الذي يحوطه سياج من عدم المرونة التعاقدية لكونه منبعثاً من الموقع الإلكتروني للتجارة ذاته، أي أن الموقع يفرض شروطاً لتمام العملية التجارية، وللعميل حق القبول أو الرفض، وفي حال القبول فإنه يتعهد بالالتزام بتلك البنود والشروط.

وعلى سبيل المثال؛ فإن موقع «أمازون» الشهير وضع شروطاً واختصاصاً قضائياً خاصاً به لكل دول العالم، عدا الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الصين الشعبية اللتين احتفظتا بأحقية مواطني كل منهما في اللجوء إلى القاضي الطبيعي لمواطني تلك الدول.

وعليه؛ فإن التقاضي سيكون مكفولاً، ولكن وفقاً لما سيتم الاتفاق عليه حال إبرام التعاقد، فإن خلت العملية التجارية من ذلك التحديد؛ فإن القواعد القانونية العامة ستكون هي الحاكمة للنزاع الذي من الممكن أن يثار.

وبهذه المناسبة، فإننا نتوجه بالنصائح التالية للمتعاملين لدرء أو تقليل المخاطر لهم:

1- عليك اختيار موقع تجارة آمن سبق تجربته من العديد من الأشخاص.

2- احرص على تلافي شراء المنتجات باهظة الثمن إلا عن طريق المعاينة البصرية الفعلية.

3- قم بالمقارنة بين أكثر من موقع عن سعر المنتج للتأكد من أن السعر المعروض يقارب المعدل الطبيعي.

4- احذر من تقديم أي بيانات عن بطاقة الائتمان تؤدي إلى كشف بياناتها على الموقع.

5- احرص على اللجوء إلى المواقع ذات المصداقية التي لها قوانين واضحة بالتعامل.

6- تأكد من صحة البيانات الخاصة بالمنتج وفاعلية الموقع وتواجده للتعامل مع الآخرين.

7- احرص على تجربة الموقع في شيء أقل سعراً.

 

 

-----------------------------------------------------------------------

(1) عرب، يونس: محاضرة بعنوان قانون تقنية المعلومات والتجارة الإلكترونية، نقابة المحامين، عمَّان، الأردن، 2003، 2004، ص 4.

(2) علي، حسن طرح البحور (2007) عقود المستهلكين الدولية ما بين قضاء التحكيم والقضاء الوطني، الطبعة الأولى، مصر، ت. دار الفكر الجامعي، ص 102.

(3) حسين، محمد، مرجع سابق، ص 113.

عدد المشاهدات 3684

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top