طباعة

    التربية بين الحب والحزم

15:39 20 يناير 2020 الكاتب :   د. سعد الله المحمدي

هناك حقيقة ثابتة لا يمكن لأحد أن ينكرها أو يتجاهلها أو يغض الطرف عنها؛ وهي: إنك إذا أردتَ أن تبنيَ بيتًا أو منزلًا محكمًا، فإنه لا بد لك من أسس متينة وأعمدة قوية، وإلا فإن هذا البيت سوف يسقط وينهار في يوم من الأيام، فكما أن البناء يحتاج إلى هندسة وتخطيط وجهد وتفكير، فكذلك تربية الأولاد وإعدادهم يحتاج إلى تخطيط وسَعَةِ صدر، وحكمة وصبر، ورؤية واضحة، وتضرع إلى الله تعالى بالدعاء؛ قال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15].

ومن أهم الموضوعات التي يهمنا بل ويقلقنا كأولياء أمور بشكل عام هو تربية الأولاد على الأخلاق النبيلة، وتعويدهم على السلوك الحميد، وغرس القيم والمكارم فيهم، فهو أمر في غاية الأهمية، ومن أهم الاستثمارات التي يستثمر فيها الإنسان لدنياه وآخرته؛ مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفَع به، أو ولد صالح يدعو له" (أخرجه مسلم).

فعلى سبيل المثال لا الحصر: تعويدُ الأولاد على الصدق والأمانة، وأداء الفرائض، واحترام الآخرين، وضبط السلوك، والانتقال بهم من حياة الكسل والدعة والفوضى والألعاب الإلكترونية، إلى ميدان الجد ونور العلم وروح المثابرة وحب القراءة - أمرٌ صعب لا يتحقق إلا بالتربية الحازمة المقرونة باللطف والحنان، والصبر الكبير والنفس الطويل، ومراعاة الفروق العمرية، والالتجاء إلى الله تعالى والاحتماء به قبل كل شيء؛ قال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40].

ولقد كان السلف الصالح رحمهم الله يهذِّبون أولادهم ويربونهم على المعالي والقيم، ويحثونهم على حفظ القرآن الكريم وتعظيمه منذ نعومة أظفارهم؛ فهذا ترجمان القرآن وحبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما يقول: "توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم"؛ أي: حفِظتُ القرآن؛ [أخرجه البخاري].

قال الشاعر:

نِعَمُ الإله على العباد كثيرةٌ *** وأجلُّهن نجابةُ الأولادِ

ومن المعلوم أن ديننا يهتم بالتوسط ويدعو إلى الاعتدال ويرغِّب فيه باستمرار، كالتوسط في العبادات، والاعتدال في الإنفاق، والاتزان في الطعام والشراب، ما يدل على أنه مطلبٌ محمود في جميع الأمور، ومن ذلك التوازنُ في تربية الأولاد، والاعتدال بين كفَّي الحزم والحنان، واللين والانضباط في معاملتهم، فلا شدةَ دائمًا، ولا لطف أكثر من اللازم، ولكن بين هذا وذاك تكمن التربية السليمة.

ولقد كرم الله بني آدم حتى استطاع تدريب غير البشر؛ فعلى سبيل المثال: يقوم الإنسان بتدريب الدلافين، فتقلِّدُ الصوت البشري، وتتعلم الحركات، وتحرس الباخرات، وتؤدي أعمال الحراسة، وتتفاعل مع الإنسان بشكل كبير، وتقبل التوجيهات، فهل يعجز بعد ذلك عن تربية الأولاد وتعويدهم على السلوك الحميد؟ الجواب: لا، ولكن يحتاج الأمر إلى الاستعانة بالله تعالى أولًا وأخيًرا، ثم التنويع في أساليب التربية، والتوسط في إشباع حاجات الطفل الجسمية والنفسية والمعنوية، وتحاشي القسوة الزائدة والتدليل الزائد.

تقول دراسة تربوية بريطانية أعدتها مؤسسة "ديموس" للأبحاث بعنوان: "بناء الشخصية"، والتي استندت إلى تحليل معلومات ومعطيات أُخذت من أكثر من تسع آلاف أسرة في بريطانيا: "إن تربية الأطفال انطلاقًا من مبدأ الحب والحنان المقترن بالحزم والصرامة يجعلهم ناجحين في حياتهم في المستقبل أكثر من غيرهم".

فالأسرة التي تمسك العصا من الوسط، وتفرز طلبات طفلها بـ"نعم" و"لا" - هي بيئة مناسبة للتربية الناجحة أكثر من التي تلبي جميع حاجات طفلها دون قيود أو مراجعة أو محاسبة، وكذلك الأسرة التي تُوكِلُ بعض المهام المناسبة إلى طفلها بحبٍّ وحزمٍ أفضلُ من التي تكرر: ما زال صغيرًا، أو التي تكلفه بما لا طاقة له به بحجة تعليمه المرجلة.

وأشارت الدراسة التي نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية على موقعها إلى أن الموازنة بين مشاعر الحب والحنان والانضباط والحزم - تنمِّي في الطفل العديد من مهارات التواصل الاجتماعي مقارنة مع التربية الحازمة فقط، أو تلك التي تتركه ينمو ويكبر من دون انضباط.

فالتربية المعتدلة البعيدة عن التدليل الزائد واللين المفرط، والبعيدة عن التوبيخ والتعنيف - تعوِّدُ الأطفال على الاحترام ومراعاة النظام، وتنمي فيهم النضوج والاعتماد والثقة بالنفس، والشعور بالمسؤولية، ومساعدة الآخرين، كما تعزز فيهم روح المبادرة، والاستقرار والراحة والطمأنينة النفسية.

وقالت الدراسة: "إن الأطفال حتى حدود الخامسة من العمر الذين يتربَّون في بيئة عائلية محبة ومنضبطة، أو ما يعرف بـ(الحب الحازم)، ينمون قدرات وصفات شخصية أفضل من أقرانهم ممن تربَّوا في بيئات مختلفة نسبيًّا".

وقال صاحب الدراسة جين لكسموند: "إن المهم هنا هو تطوير الثقة والحب والحنان المقرون بالضبط والحزم والصرامة".

وتشير الدراسة إلى أن بعض الصفات الشخصية مثل الانضباط الداخلي ووضوح الهدف والغرض، والجاذبية الاجتماعية، تتطور أكثر عند الأطفال الذين يتربَّون في بيئة يتوازن فيها الحب مع الانضباط، وأن مثل هذه الصفات تتشكل لدى الطفل بشكل واضح خلال السنوات الخمس الأولى من حياته.

وخلصت الدراسة إلى أن طريقة التربية تعتبر عاملًا حاسمًا في تطور ونمو شخصية الطفل، كما أن المستوى الثقافي والتعليمي للآباء، والتفاهم بين الأب والأم يلعب دورًا كبيرًا في ذلك.

شمعة أخيرة:

يقول الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياجِ الاعتناءُ بأمر خُلُقِهِ؛ فإنه ينشأ على ما عوَّده المربي في صغره من حَرَدٍ وغضب، ولَجاج وعَجَلة، وخفة مع هواه وطيش، وحدة وجشع؛ فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له"؛ [تحفة المودود بأحكام المولود، ص: 240].

 

______________________________

المصدر: "الألوكة".

عدد المشاهدات 7456