من مدرسة الكوفة

كيف تصنع السكينة قدوة؟ درس من الربيع بن خثيم

د. نصر حسن

25 سبتمبر 2026

101

كيف تصنع السكينة قدوة؟ درس من الربيع بن خثيم

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، قال: قال ابن مسعود للربيع بن خثيم: «يا أبا يزيد، لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين(1)»(2).

هذا الأثر من الكلمات التي تختزل سيرة كاملة في جملة قصيرة؛ فهو ليس مجرد ثناء بين عالم وصاحب عبادة، بل شهادة على نوع من الشخصيات التي كان أثرها ينبع من حالها قبل مقالها، ومن سمتها قبل مواعظها، ويقودنا هذا الموقف إلى قراءة شخصية الربيع بن خثيم في سياقها التاريخي والاجتماعي، حيث كانت الكوفة في عصر التابعين مركزًا للعلم والرواية، وميدانًا لتقلبات سياسية وفكرية جعلت المحافظة على صفاء القلب والثبات على المنهج عبئًا يحتاج إلى قوة داخلية عالية.

كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من أعلم الصحابة بأحوال الرجال وأدقهم نظرًا في معادن النفوس، ولذلك فإن شهادته في الربيع بن خثيم لا تأتي من إعجاب عابر، وإنما من معرفة عميقة بموازين الصلاح، فالعبارة «لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك» تحمل معنى بالغًا؛ إذ إنها تربط الصفات التي ظهرت في الربيع بما كان يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان والسكينة وحسن السمت.

لماذا تتفوق السكينة النفسية على كثرة الظهور؟

لم تكن منزلة الربيع بن خثيم ناتجة عن كثرة الظهور أو المنافسة على المكانة الاجتماعية، بل عن بناء داخلي طويل قام على مراقبة النفس وتزكيتها، ويؤكد القرآن أن تزكية النفس أساس الفلاح، قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا {9} وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس)، فهذا البناء الداخلي هو الذي يمنح الإنسان ثباته الحقيقي؛ فالإنسان قد يمتلك العلم أو القدرة على التأثير، لكن الذي يمنحه الثبات الحقيقي هو أن يكون قلبه منضبطًا قبل أن تكون كلماته مؤثرة.

وإذا كانت تزكية النفس تبدأ من الداخل، فإن معيار قيمة الإنسان لا يكون بما يظهر منه للناس، وإنما بما يستقر في قلبه وينعكس على عمله، وهذا المعنى يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»(3)، ومن ثم فليس المقصود مجرد الهدوء الخارجي، وإنما حالة داخلية تجعل الإنسان أكثر قدرة على ضبط رغباته وانفعالاته، وأكثر بعدًا عن طلب المدح أو الانتصار للنفس.

ولا يقتصر انعكاس هذه الحالة الداخلية على القلب، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وسمته؛ فقد قال الحسن البصري: «كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يُرى ذلك في بصره، وتخشعه، ولسانه، ويده، وصلاته، وصلته، وزهده»(4)، وهكذا يصبح السلوك الظاهر شاهدًا على ما استقر في الداخل، لا مجرد صورة يتعمد الإنسان إظهارها للناس، ومن هنا تظهر قيمة هذا النموذج في واقع الناس اليوم، حيث تزداد المؤثرات التي تدفع الإنسان إلى الاستعراض المستمر وطلب الاعتراف الاجتماعي؛ فالإنسان الذي لا يستمد قيمته من تصفيق الآخرين يكون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات المتزنة، وأكثر حفاظًا على مبادئه عند تغير الظروف.

كيف تحمي قلبك من الانجراف وقت الفتن؟

عاشت الكوفة في عصر التابعين تحولات كبيرة، وكانت ساحة نقاشات وصراعات واتجاهات متعددة، وفي مثل هذه البيئات يظهر معدن الإنسان؛ فبعض الناس تستهلكهم الصراعات حتى يفقدوا قدرتهم على البناء، بينما يختار آخرون حفظ القلب والاشتغال بما يقربهم إلى الله.

ولا يعني ذلك ترك الإصلاح أو الانفصال عن المجتمع، وإنما يعني امتلاك معيار يفرق بين ما ينفع وما يشتت، وبين المشاركة المسؤولة والانجراف خلف موجات الانفعال، وقد عبّر ابن مسعود عن هذا المنهج عند اشتباه الأمور بقوله: «ستكون أمور مشتبهات، فعليكم بالتؤدة؛ فإنك أن تكون تابعًا في الخير خير من أن تكون رأسًا في الشر»(5)؛ فالتؤدة هنا ليست تراجعًا عن الإصلاح، وإنما وعيٌ يمنح الإنسان القدرة على التمييز قبل أن ينخرط في موقف قد يجره إلى ما لا ينفع.

ويظهر أثر هذا الوعي في المواقف العملية حين يواجه الإنسان ظرفًا مضطربًا يختلط فيه الصواب بغيره؛ فقد ذكّر عليٌّ رضي الله عنه الزبيرَ بن العوام رضي الله عنه بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف عن القتال(6)، فكان ذلك موقفًا عمليًا لحفظ اتزان القلب في زمن الفتنة؛ إذ لم يمنعه دخوله في القتال من الرجوع عنه بعد أن ذكّره عليٌّ رضي الله عنه بالحديث، فغلب طلب الصواب على التمسك بما كان عليه.

وهذا الاتزان فيالتعامل مع المواقف المضطربة لا ينفصل عن السكينة في التعامل مع الناس؛ فمن حفظ قلبه من الانجراف في أوقات الفتن كان أقدر على ضبط استجابته حين يواجه الاستفزاز والخلاف، ومن هنا يظهر معنى قوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان: 63)، فالسكينة هنا ليست ضعفًا، بل قوة نفسية تجعل الإنسان قادرًا على اختيار الرد المناسب بدل أن يكون أسيرًا للاستفزاز، وتحفظ له قدرته على ضبط نفسه حين تضطرب من حوله المواقف.

لماذا يقدم العلماء جوهر السلوك على الكلام؟

من أعظم ما يكشفه هذا الأثر طريقة العلماء في تقييم الأشخاص؛ فلم تكن الموازين عندهم قائمة على الشهرة أو كثرة الكلام، وإنما على حقيقة السلوك وآثار التقوى، وقد تجسد هذا الميزان في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا يعجبنكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل»(7)؛ إذ نقل معيار التقييم من ظاهر القول وحسن الحضور إلى ما يثبت في سلوك الإنسان من أمانة وصيانة للناس، ومن هنا، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يظهر من كثرة كلامه أو قوة حضوره، وإنما بما يثبت في سلوكه من أمانة وتقوى.

فإذا كان هذا هو ميزان تقييم الرجل، فإن العالم الرباني لا يقف عند ظاهر القول، وإنما ينظر في حال الإنسان وسمته وما يكشفانه من حقيقة باطنه؛ ومن هنا نفهم قول ابن مسعود في الربيع: «وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين»، فلم يكن الربيع بن خثيم عند ابن مسعود مجرد رجل صالح يعرفه، بل كان حاله وسمته يستحضران في نفسه معنى الإخبات، حتى جعلت رؤيته تذكّره بأهله.

وهذا منهج تربوي مهم؛ إذ إن المربين والدعاة والقادة يحتاجون إلى اكتشاف أصحاب الفضائل الهادئة، لا الاقتصار على أصحاب الحضور المرتفع، فكثير من الطاقات النافعة قد تعمل بعيدًا عن الأضواء، لكنها تكون من أكثر العناصر تأثيرًا واستقرارًا.

كيف يوجه المدح الهادف النفس نحو الفضيلة؟

تتميز عبارة ابن مسعود بجمال بلاغي خاص؛ فهو لم يمدح الربيع بن خثيم بعبارات عامة، بل ربطه بأعلى معيار يمكن أن يتطلع إليه مسلم: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ربطه بوصف قرآني عظيم هو الإخبات.

وهذا من أبلغ صور الثناء التربوي؛ إذ لا يكتفي ببيان مكانة الممدوح، وإنما يربط فضيلته بمعنى إيماني أعلى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشج: «‌إِنَّ ‌فِيكَ ‌خَصْلَتَيْنِ ‌يُحِبُّهُمَا ‌اللهُ: ‌الْحِلْمُ، ‌وَالْأَنَاةُ»(8)؛ فحدد له موضع الفضيلة، وربطه بمحبة الله، ليكون الثناء تعريفًا بالقيمة وحثًا على الثبات عليها.

ومن هنا يتضح أدب الثناء عند السلف؛ فالثناء ليس مجرد رفع للمعنويات، بل توجيه للإنسان نحو المعنى الذي ينبغي أن يزداد فيه، فعندما يُمدح الإنسان بالصدق أو الإخلاص أو الحياء، فإن ذلك يربطه بالقيمة لا بالشخصية، وإذا كان الثناء النافع هو الذي يكشف موضع الفضيلة ويحث عليها، فإنه لا ينبغي أن يتجاوز ما ظهر من الإنسان إلى تزكيته تزكية مطلقة؛ ولهذا جاء التوجيه النبوي في ضبط المدح: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، ‌فَلْيَقُلْ: ‌أَحْسَبُ ‌فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسَبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ»(9)؛ ليبقى الثناء في حدود ما يظهر من الفضيلة، ولا يتحول إلى تزكية مطلقة.

وفي زمن أصبحت فيه كلمات الإطراء أحيانًا وسيلة للمبالغة أو صناعة الصور الوهمية، يبقى هذا النموذج شاهدًا على أن الثناء النافع هو الذي يكشف الفضيلة ويربطها بمصدرها الشرعي.

أثر الإخلاص في استدامة الأعمال والقدوة العملية

تظهر قيمة هذا النموذج في مجالات متعددة من الحياة:

  • ففي الأسرة يعلّمنا أن الهدوء والرحمة قد يكونان أبلغ من كثرة التوجيه.
  • وفي التعليم يذكرنا بأن شخصية المعلم وسلوكه جزء من رسالته.
  • وفي العمل يبين أن الثقة تُبنى بالثبات والنزاهة قبل المهارات الظاهرة.

وهذه التطبيقات تكشف أن أثر الإنسان فيمن حوله لا يتوقف على كثرة ما يقول، وإنما يمتد من خلال حضوره وسلوكه، وهو ما يوضحه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌مَثَلُ ‌الْجَلِيسِ ‌الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ»(10)؛ فالإنسان الصالح يترك فيمن يخالطهم أثرًا يتجاوز حضوره المباشر.

كما يقدم درسًا مهمًا في التعامل مع الإعلام ومجالات الظهور؛ فالإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه دائمًا: هل أعمل لأن الحق يستحق العمل، أم لأن الناس يرونني وأنا أعمل؟ وهنا يتصل ظاهر العمل بالباعث الذي يقف وراءه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌الْأَعْمَالُ ‌بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»(11)؛ فالقيمة الحقيقية للعمل لا تنفصل عن النية التي تحرك صاحبه.

ويكشف قول الربيع بن خثيم: «كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل»(12) عن نتيجة فقدان هذا الإخلاص؛ فالعمل الذي لا يقوم على ابتغاء وجه الله لا يثبت ولا يبقى أثره، مهما بدا للناس ظاهرًا ومؤثرًا، ومن ثم لا يصبح العمل وسيلة لصناعة الصورة أمام الناس، وإنما ثمرة لإخلاص يوجهه إلى ما عند الله.

إن شخصية الربيع بن خثيم لا تقدم نموذجًا للانعزال، وإنما تقدم نموذجًا للإنسان الذي بنى داخله حتى أصبح حضوره إصلاحًا، وصمته تذكيرًا، وسلوكه دعوة.

يبقى أثر ابن مسعود في الربيع بن خثيم شاهدًا على أن أعظم مراتب الإنسان ليست دائمًا في كثرة ظهوره بين الناس، بل في عمق الصلة بالله التي تظهر على جوارحه وأخلاقه، فالربيع لم يُذكر لأنه طلب أن يُذكر، وإنما لأنه بلغ من الصدق والسكينة منزلة جعلت من يراه يتذكر أهل الإخبات.

وفي عالم يزداد فيه الانشغال بالمظاهر والأصوات المرتفعة، تظل الحاجة قائمة إلى نماذج تعيد الاعتبار لمعاني السكينة، والصدق، والقدوة العملية؛ فبعض الرجال لا يغيرون الناس بكثرة الكلام، بل بما يحملونه من نور المعنى في حياتهم.

الهوامش
  • 1 المخبتون: الخاشعون الخاضعون لله، الذين خشعت قلوبهم؛ فقد عرّف ابن فارس الإخبات بأنه الخشوع، فقال: «أخبت يُخبت إخباتًا، إذا خشع»، وعبّر الفيومي عن الإخبات بقوله: «أخبت الرجل إخباتًا خضع لله وخشع قلبه»، معجم مقاييس اللغة: ابن فارس (2/ 238)، المصباح المنير: الفيومي (1/ 162).
  • 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 258).
  • 3 أخرجه مسلم (2564).
  • 4 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (6/ 111).
  • 5 شعب الإيمان: البيهقي (7/297).
  • 6 الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني (2/ 460).
  • 7 الزهد والرقائق: ابن المبارك (242).
  • 8 أخرجه مسلم (17).
  • 9 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (2662)، ومسلم (3000).
  • 10 متفق عليه، أخرجه البخاري (2101)، ومسلم واللفظ له (2628).
  • 11 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (1)، ومسلم (1907).
  • 12 الطبقات الكبرى: ابن سعد (6/ 222).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة