الحذف والذكر في القرآن والشعر (1)

الحذف والذكر في القرآن والشعر (1)

المقصود بالحذف: حذف حرف، أو كلمة، أو كلمات، أو جملة، أو جمل.

والذكر هو الأصل في الكلام، كأن يذكر الفعل، ويذكر الفاعل، ويذكر المفعول، وغير ذلك من أركان الجملة أو مكمِّلاتها؛ فذكر الكلمات هو الأصل، ولكنْ أحيانًا يكون الحذف أولى، وأحيانًا يكون الذكر أولى، فثمة مواضع الذكر أليق بها، وثمة مواضع الحذف أولى بها، وهذا مبحثٌ دقيقٌ قال فيه الجرجاني كلامًا رائعًا جميلًا صاغه صياغةً بديعة! أين منها صياغة الذهب؟ يحسن أن أورده قبل أن أبدأ بذكر الحذف والذكر.

يقول الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: «هو بابٌ دقيقُ المَسْلك، لطيفُ المأخذ، عجيبُ الأَمر، شبيهٌ بالسِّحْر، فإنكَ ترى به تَرْكَ الذِكْر، أَفْصَحَ من الذكْرِ، والصمتَ عن الإفادةِ، أَزْيَدَ للإِفادة، وتَجدُكَ أَنْطَقَ ما تكونُ إِذا لم تَنْطِقْ، وأَتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لم تبن.

وهذه جملةٌ قد تُنْكِرُها حتى تَخْبُرَ، وتَدْفعهُا حتى تَنْظُرَ»(1).

فكيف يكوم ترك الذكر أفصح من الذكر؟

وكيف يكون الصمت أزيد للإفادة من النطق؟

وكيف تكون أتم بيانًا إذا لم تُبِن؟

أسئلة تتبادر إلى الذهن لدى قراءة هذه الكلمة الفذة، ولذا أعقبها الشيخ بما يطمئن القارئ كي لا يتعجل بالإنكار قبل النظر، ولا يبادر إلى الدفع قبل الخبر، وذلك بقوله: «وهذه جملةٌ قد تُنْكِرُها حتى تَخْبُرَ، وتَدْفعهُا حتى تَنْظُرَ».

دواعي الذكر

لا بد لنا من أن نتتبع مواطن الذكر والحذف، وأبدأ ذلك بدواعي الذكر:

1 – التقرير:

أي أن يكون هناك تقرير لمسألة، يزيدها وضوحًا ورسوخًا في الذهن، كقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (البقرة: 5)، فقد جاء المبتدأ (أولئك) في بداية الجملة الأولى والثانية، وكان يمكن الاستغناء عن إعادته في الثانية، بأن يكون القول: «أولئك على هدى من ربهم وهم مفلحون»، لكن الله جل وعلا ذكر المبتدأ مرة أخرى، فأعاد لفظة «أولئك»، زيادة في التقرير والإيضاح، لإيضاح أن هؤلاء هم الفائزون، وأن هؤلاء هم المفلحون.

ومثل ذلك كان في آية أخرى، عندما جاء ذكر المنكرين الجاحدين الكافرين، ماذا قال عنهم جل وعلا؟

قال جل وعلا: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الرعد: 5).

لاحظ معي كيف كرر ذكر «أولئك» ثلاث مرات متتاليات إمعانًا في تقرير وضعهم، وإيضاحًا لشأن هؤلاء الكفار، فإذًا التقرير والإيضاح من دواعي الذكر.

2- الإجلال والتعظيم:

من دواعي الذكر التعظيم والإجلال، كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ) (الإخلاص).

لاحظ كيف ذكر المبتدأ من جديد، ولم يعد إليه بضمير، لم يقل: «قل هو الله أحد، هو الصمد»، بل قال: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ {1} اللَّهُ الصَّمَدُ) ، فإذًا جاء التكرار هنا، أو إعادة الذكر من أجل التعظيم والإجلال والتهليل.

من ذلك أيضًا قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ {173}‏ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران).

لاحظ كيف أعيد لفظ الجلالة: (وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ) ولم يقل: «وهو»، وإنما أعيد اللفظ، فذُكِرَ من أجل الإجلال والتعظيم، والله جل وعلا أعلم.

3– التنبيه على غباوة السامع:

ومن دواعي الذكر أيضًا الإشعار بغباوة المخاطب، وعدم فهمه، رغم وضوح المسألة.

كقوله تعالى: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ {62} قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) (الأنبياء).

إذ كان يمكن أن يقول: «بل فعله كبيرهم» دون هذا، أو يمكن أن يقول: «بل فعله هذا»، لكنه ذكر الاسمين: «بل فعله كبيرهم هذا» لينبههم على أنهم يتبعون من لا ينفع ولا يضر، وأن أمرهم يدل على غباء، فلذلك كان في الذكر تنبيه على ذلك.

4- الإيناس والتلذُّذ:

ومن دواعي الذكر الإيناس والتلذذ، وإطالة الحديث طلبًا للأنس ودفعًا للوحشة.

كقوله تعالى لسيدنا موسى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى {17} قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) (طه).

لاحظ معي قوله تعالى: (قَالَ هِيَ عَصَايَ) إذ كان يمكن أن يقول: «عصاي»، دون إعادة ذكر المبتدأ، لكنه ذكر المبتدأ ولم يحذفه، على حدِّ قول الشاعر مثلًا:

قال لي: كيف أنتَ؟ قلت: عليلُ     سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلُ

إذ لم يقل: أنا عليل، بل قال: عليل، لأن حذف المبتدأ ممكن في مثل هذه السياقات، لكن سيدنا موسى لم يحذف المبتدأ استئناسًا بالكلام مع الله، وتلذُّذًا بهذا الكلام، واستطالةً لهذا الحديث، بل إنه أطال أكثر، فلم يكتفِ بقول: «هي عصاي» وإنما قال: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى)، كل ذلك ليطول الكلام الذي تلذذ به مع ربه جل وعلا.

أمثلة للذكر في الشعر

وأمثلة الذكر في الشعر كثيرة، أي أن يذكر الفاعل أو المفعول، أو يؤكد على ذكر حرف مثلًا كــ: «إن» بترداد، فهذا كثير في مجال الفخر، اقرأ معي إن شئت ما جاء في معلقة عمرو بن كلثوم -هذه المعلقة الهادرة التي تعد أيقونة في الفخر عند العرب– حيث يقول:

وَقَدْ عَلِمَ القَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ        إِذَا قُبَبٌ بِأَبطَحِــــــهَا بُنِيْنَا

بِأَنَّا المُطْعِمُــــــــوْنَ إِذَا قَدَرْنَا       وَأَنَّا المُهْلِكُوْنَ إِذَا ابْتُلِيْنَا

وَأَنَّا المَانِعُــــــــــــوْنَ لِمَا أَرَدْنَا       وَأَنَّا النَّازِلُــوْنَ بِحَيْثُ شِيْنَا

وَأَنَّا التَارِكُوْنَ إِذَا سَخِطْنَا        وَأَنَّا الآخِذُوْنَ إِذَا رَضِيْنَا

ولاحظ كيف كرر «وأنَّا»، فقد ذكرها في مطلع كل شطر، وليس في مطلع كل بيت فحسب، وقرنها مع كل مَنقَبةٍ من مناقب قومه، تلك المناقب التي يفتخر بها ويعددها.

وكذا تجد مثل هذا الذكر، وتكراره، في قول الخنساء:

أعَينيَّ جُودا ولا تَجْمُـــــــــــــــدَا        ألا تبكيانِ لصخرِ الندَى

ألاَ تَبكيان الجريءَ الجميلَ       ألا تبكيانِ الفتى السيِّدا

هذا البكاء المتجدد، بل هذه الدعوة إلى البكاء، يلزمها هذا التكرار، ويلزمها هذا الذكر، وهو كثير عندها كما في قولها أيضاً:

وإنّ صخرًا لوالينا وسيّدنا          وإنّ صخرًا إذا نشتو لنحّارُ

وإنّ صخرًا لتأتمّ الهداة به          كأنّه علمٌ في رأسه نارُ

الحذف

أما الحذف فشأنه شأن آخر! إنه شأن عجيب، يُحكم الكلامَ ويوجزه، ويزيده فصاحةً وبيانًا، برغم ما فيه من نقص!

والحذف في الكلام له مواضع، وهو في مواضعه أجمل من الذكر، لذلك قالوا: «من علامات الحذف البليغ الذي يرفع قيمة الكلام أنه إذا أظهر المحذوف زال ما في الكلام من بهجة وطلاوة وجمال وإبداع»(2).

إذًا فمن علامات الحذف الجميل أنك لو ذكرته، أي لو ذكرت هذا المحذوف، لوجدت الكلام ينزل درجة عن الفصاحة والبلاغة، ويزول ما به من جمال لافت.

فما مواضع الحذف؟ وما أنواعه؟ وما أمثلة ذلك كله.

أدع ذلك للحلقة الثانية من هذا المبحث.

الهوامش
  • 1 دلائل الإعجاز، ص 146.
  • 2 البلاغة العربية د. عبد الرحمن حبنكة (1/ 130).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة