النهضة.. من الفعل الفردي إلى المشروع الجمعي

في مقال «انتزاع النهضة»، حاولت استنهاض همم أبناء الأمة للعمل، في ظل تأخر الإرادة السياسية لبلادهم، ولكيلا يُفهم مقالي السابق بشكل اختزالي، واعتبار النهضة تتحقق بمجرد وعي فردي وعمل شخصي، متجاهلة البعد المؤسسي والجمعي، أرى من واجبي تقديم هذه الإضاءة لتكتمل الصورة، مستعيناً بنصوص الوحي التي تؤصل لهذا المفهوم المتكامل.

من خلال المُواءَمَة بين الواجب والممكن، مهما ضاقت السبل، والانطلاق في العمل الفردي والجمعي لتجاوز حالة الشلل الناتجة عن تدهور حال الأمة، وتحرير إرادة شبابها من الارتهان لنتائج حروب الآخرين، وعدم وتعليق مستقبلنا على تقلبات الصراعات الخارجية.

إن مجرد وقوع شبابنا في توهُّم العجز؛ والاكتفاء بمقعد المتفرج والدعاء، يمثل إبطالا للتكليف، وإزهاقا لروح الأمل، وانتحارا مسبقا للعطاء الإنساني، وتعطيلاً للتكليف قبل أوانه، وتغييباً لجوهر الاستخلاف في الأرض.

النهضة.. بين المسؤولية الفردية والمشروع الجمعي

التأكيد أن النهضة استحقاق يُنتزع انتزاعاً والله تعالى يقول: (وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) (النجم: 39)، هذا في باب المسؤولية الفردية والتكليف الشخصي، لكن الفعل النهضوي بالضرورة جمعي ومؤسسي، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى وأمر بلزوم التعاون الجماعي، فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ) (المائدة: 2) والأمر بالتعاون يقتضي وجود عمل جماعي بضوابط وأُطر، لا مجرد جهود فردية متفرقة.

وحين نقول: إن «النهضة تبدأ من كل عمل فرد في مجاله»، فهذا يعني أن النهضة تحتاج إلى جهود كل الأفراد المنتجين، لكن هذه الجهود المتفرقة لا تصنع النهضة ما لم تنتظم في عمل جمعي له رؤية وقيادة ومؤسسات، فتفوق الأفراد تبرز فيه القيادة الواعية، التي تجمع الجهود وتنظمها ثم يفرز منها الأحزاب والمؤسسات العاملة، التي تبني السياسات وتتولى المسئوليات، وقد أرشدنا النبي ‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ إلى ضرورة الجماعة والانضباط، فقال: «‌عَلَيْكُمْ ‌بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ» (رواه الترمذي).

إن الإمبراطوريات الكبرى لم تقم بمجرد مساعي فردية متفرقة، بل قامت على مشروع دولة له قيادة موحدة، خذ مثلا الدولة العثمانية قامت على مرتكزات تعد أفضل ما تكون في عصرها وحسب الإمكانيات المتاحة في وقتها، أبرزها:

1- قيادة مدركة للواجب مثل عثمان الأول المؤسس (تُوفي في رمضان 726هـ/ 1326م) وابنه أورخان غازي (تُوفي 761هـ/ 1360م) مع رؤية إستراتيجية.

2- مؤسسات «الْإِنْكِشَارِيَّة»؛ وهي قوات مشاة نخبوية شكلت العمود الفقري للجيش العثماني وحرس السلاطين.

3- الإدارة والقضاء: قامت الإدارة العثمانية أيضا على نظام إداري يعتبر نظاما محكما بالنسبة لعصرها وبدايتها، حيث مركزية السلطان الذي كان على قمة الهرم الإداري، يعاونه الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) الذي يترأس الديوان المجلس الاستشاري الأعلى، وتم تقسيم الدولة إلى إيالات يرأسها باشوات، وسناجق يرأسها بكات، مع نظام ديقراطي لجمع الضرائب وتنظيم الجيش.

4- نظام القضاء: استند القضاء إلى ركنين الشريعة الإسلامية وقانون وضعي ينظم الشؤون الإدارية والمالية. ترأس شيخ الإسلام المؤسسة الدينية، بينما كان هناك قاضٍ يشرف على القضاة في الأقاليم. ولم يكن دور القاضي محصورا في المحاكم، بل كان يمثل رقيبا على الولاة ومسؤولا عن توثيق المعاملات وإدارة الأوقاف.

وكذلك النهضة الأوروبية قامت على جامعات وأكاديميات واقتصاد، وليس على أفراد يعملون كل في مجاله بمعزل عن تنظيم جامع.

لذلك الدعوة للعمل الفردي يجب أن تقترن بالدعوة لتجميع الجهود في مؤسسات وإطارات. دور الفرد فيها المبادرة والجهد، ودور المؤسسات هو التجميع والتوجيه وتحويل إلى كل ذلك إلى قوة دافعة. وقد قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ) (الصف: 4)؛ فمدح الله تعالى الاصطفاف والتراص، وهما صفتان جمعيتان.

النهضة والإتقان.. بين العبادة والاقتصاد

في حديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ» (رواه أبو يعلى، والطبراني)، يظهر الإتقان كفعل تعبدي لكنه لا يعني أنه فضيلة أخلاقية فقط، ولا مجرد ركيزة للتنمية، بل الإتقان في سياق النهضة يعني أيضاً: جودة الإنتاج، والقدرة على المنافسة، وبناء اقتصاد قوي، النهضة لا تقوم بالوعظ متجردا عن إنشاء ثروة توزع بعدل، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة في سياق الحديث عن قصة يوسف -‌عَلَيْهِ ‌السَّلَامُ- حيث قال تعالى على لسان يوسف: (قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ) (يوسف: 55)  وكلمة «حفيظ»؛ أي: أمين، و«عليم» أي: ذو كفاءة وإتقان، وهذه صفات الإدارة الاقتصادية الناجحة.

مما يجعل المفهوم ناقصاً، الحديث عن الإتقان دون الحديث عن بنية تحتية للاقتصاد: تتمثل في توفير تعليم صناعي، وإيجاد صناعة وطنية، مع ضريبة عادلة، بقوانين محفزة، وقد قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ) (الأنفال: 60) الإعداد يشمل كل ما يقوي الأمة اقتصادياً وعسكرياً وعلمياً.

الإتقان الفردي يحتاج إلى بيئة تحتويه، ومؤسسات تدعمه، وتشريعات تحفزه، وتعليم يؤسس له، فالفرد لا يمكنه أن يتقن في مجتمع يفتقر إلى مدارس جيدة، أو إلى قوانين تحمي الإنتاج، أو إلى تمويل يدعم المشاريع.

التحالفات السياسية.. بين ثبات الدين ومتغيرات السياسة

والأمة الناهضة لا تقبل تحالفات تضر بعقيدتها، فالموالاة تُبنى على أساس الإيمان لا على العداوة المشتركة، وكلمة: «عدو عدوي صديقي» التي انتشرت بين الساسة انتشار النار في الهشيم، وإن تشدق بها رئيس دولة عظمى فهي لا تليق بنا، قال تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ) (المائدة: 51) وهذا ليس دعوة لمقاطعة أي تحالف مع من يختلف معنا عقائدياً، فهذا ليس مقصودي.

إضاءة: السياسة الدولية تقوم على المصالح المتوازنة، والتحالفات المؤقتة مع من يختلفون معنا عقائدياً، وهو أمر مشروع بضوابط. وقد أقر النبي -‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ- هذا المبدأ في أكثر من موقف؛ «صَالَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ‌عَلَى ‌ثَلَاثَةِ ‌أَشْيَاءَ». (صحيح البخاري)، فهذه معاهدة مع مشركي مكة لمصلحة المسلمين.

وفي القرآن: (لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ) (الممتحنة: 8) فالعلاقة مع المخالفين يحكمها ميزان العدل والمصلحة.

ضوابط التحالفات السياسية

وضابطها الشرعي في أربعة:

1- أن تبقى التحالفات مؤقتة.

2- تحالفات مصلحية لا إستراتيجية ووجودية.

3- ألا تتعارض مع الهوية.

4- ألا تتحول إلى تبعية.

والفرق بين التحالف والتبعية: التحالف يبقيك مستقلاً، والتبعية تجعلك تابعاً، وقد حذر النبي ‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ من التبعية الذميمة فقال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ» (متفق عليه).

النهوض بعد الانكسار.. بين اللحظة التاريخية الفارقة والتراكم الصامت

النماذج التاريخية للنهوض بعد الانكسار كـ«غزوة الخندق، وعين جالوت، ونشأة الدولة العثمانية»، تثبت أن الضعف ليس نهاية، وأن النهضة ممكنة. وسندنا قوله تعالى: (إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ) (آل عمران: 140) وليس هذا معناه أن النهضة يمكن أن تأتي كرد فعل سريع.

هذه النماذج التي ذكرتها كانت لحظات انطلاق أو طفرة بعد انكسار، لكنها كانت مسبوقة بتراكمات طويلة، وقد أشار القرآن إلى سُنة التدرج في البناء، قال تعالى: (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا) (الفرقان: 32) فالتدرج سُنة إلهية في التكوين والبناء.

فبين سقوط بغداد وعين جالوت سنتان فقط، لكن جيش المماليك الذي حقق النصر كان نتيجة عقود من البناء والتدريب، والدولة العثمانية التي فتحت القسطنطينية بعد مئة وخمسين عاماً من تأسيسها، كانت تبني خلالها جيشاً واقتصاداً وإدارة، وقد قال النبي ‌صَلَّى ‌اللهُ ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحُلُمَ بِالتَّحَلُّمِ، ‌وَمَنْ ‌يَتَحَرَّ ‌الْخَيْرَ يُعْطِهِ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ» (مسند الشاميين للطبراني) فهذا تأصيل لمبدأ النتاج التراكمي والبناء التدريجي.

لذلك، فإن النهضة تحتاج إلى جهد تراكمي صامت في المدة التي تسبق لحظة الانطلاق، الأمة التي تفقد هذا الجهد المتراكم تحتاج زمناً أطول لإعادة بنائه، وليس المطلوب فقط "لحظة بطولة خارقة"، بل عقود من العمل الجاد في التعليم والاقتصاد والبناء المؤسسي.

أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يُعين على أمتنا على مشاق نهضتها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اقرأ أيضا

انتزاع النهضة من عجز الانتظار

العلم أساس النهضة 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة