المقاطع الدينية القصيرة.. أخطارها وفوائدها وضوابطها
نحن نعيش في زمن
متسارع الخطى، ترك طابعه اللاهث أثره على طلب العلم، وعلى نشره، والنظر إليه،
والإفادة منه، ومن مظاهر ذلك شيوع المقاطع الدينية المصغرة ونحوها؛ ما ترك أثره في
طريقة تلقي العلوم الشرعية، وأعاد تشكيل مفهوم طلب العلم نفسه من التعليم المتدرج
التراكمي إلى التقاط إجابات سريعة مجزوءة، إن حققت سرعة الوصول إلى المعلومة فإنها
قد لا تحقق دقة المعرفة، وصحة الفتوى.
ومن تأثيرها في
طريقة تلقي العلم أنها نقلتها من الكتاب والدرس والمحاضرة المطولة إلى المقطع الذي
لا يتجاوز أحيانًا دقيقة أو دقيقتين، ومن البحث عن العلم نفسه إلى البحث عن
الإجابة السريعة المختصرة، فضلاً عن تحكم الخوارزميات في تحديد ما يراه المتلقي،
وتكرار نوع معين من المحتوى، ولذلك أسراره غير المتاحة لكثير من المتلقين.
كما أنها أسهمت
في تغيير موازين النظر إلى العلماء عند العامة، فكم من قليل البضاعة في سوق العلم
غدا بفضل ذيوع مقاطعه من مشاهير من يتحلَّون بحلية العلم، وينتحلون مراتب أهله! وكم
من ثبْت راسخ لم يجد من يذيع علمه، ولم يحسن إذاعته بنفسه؛ فكسدت بضاعته، وقل
رواده، وخفت نجمه!
وتلك المقاطع
نفسها أحدثت تشوشًا في الفكر، وخفة في الفهم، بسبب شهرة أصحابها ممن يحسنون
ترويجها، وإن قلَّ نصيبها في التحقيق والتدقيق، وبسبب تعدد مجالاتها واهتماماتها،
وشغلها الأوقات عما هو أدخل في حقيقة العلم، وأثقل في ميزانه.
إلا أن لها
إيجابيات، منها تقريب المعلومة إلى المتلقي، وجذب الشباب، وإحياء الاهتمام بالعلم،
وتيسير الوصول إلى العلماء والمتخصصين، وإن خلَّفت سلبيات لا يمكن إغفالها، منها
إسقاط السياق الذي ولَّد المعلومة نفسها، ويتعذر فهمها بمعزل عنه، ومنها اختزال
الخلاف الفقهي؛ دون بسطه، وذكر أدلته والترجيح بينها، أو ترك ذكرها كلية بدعوى أن
للعلماء في المسألة رأيًا واحدًا، وإجماعًا مزعومًا، ومنها صعوبة بناء الملكة
العلمية من معلومات منفصلة في موضوعات لا جامع بينها.
وهنا يمكن دراسة
ظواهر اتسمت بها كثير من تلك المقاطع، مثل: نقل حديث دون تخريج، والاستدلال بآية
خارج سياقها، ونسبة قول إلى عالم دون الرجوع إلى مصدره، والخلط بين الحكم الشرعي
والرأي الدعوي أو الوعظي، وتقديم قول فقهي على أنه حكم الإسلام مع وجود خلاف معتبر
تم تجاوزه، وحذف القيود والاستثناءات التي تغير الحكم، والاعتماد على عناوين مثيرة
مثل: «هل تعلم أن..؟»، «هذا حرام قطعًا»، «فتوى لم تسمع بها من قبل»، «الشيخ فلان
يحرم كذا»، أو «يجيز كذا»..
والفتوى تختلف
عن مجرد نقل معلومة، حيث تتطلب معرفة الواقعة، وحال المستفتي، والقيود المؤثرة في
الحكم، والنصوص المتعلقة بها، وأقوال أهل العلم فيها، ومآلات تنزيل الحكم على
الواقعة، والمقطع الديني القصير هنا لا يصلح مرجعًا للحل والحرمة؛ وإن صلح أساسًا
للتعريف بالمسألة، وإحالة المستفتي إلى مصدر الفتوى المتخصص.
ليست المشكلة
إذن في قِصر المقطع ذاته، وإنما في طبيعة المادة التي يُختصر بها، فمقطع مدته 60
ثانية يقول: «هذه المسألة لها أربعة أقوال عند الفقهاء، وأشهرها كذا، ومن أراد
التفصيل فليرجع إلى المصدر الفلاني»، قد يكون أكثر أمانة علمية من محاضرة مدتها
ساعة تقدم حكمًا واحدًا بصورة قطعية دون بيان الخلاف أو الدليل.
ومن هنا يمكن
التمييز بين: الاختصار العلمي الذي يستهدف حذف غير الضروري مع المحافظة على شروط
صحة المعلومة، والاختزال المخل الذي يحذف دليل صحة المعلومة، أو يغير دلالتها.
ولا يختلف النظر
هنا باختلاف مجال العلم أو تخصصه، حيث يشترط في كل علم ما يناسبه، فعلم العقيدة
يتطلب صحة المعلومة، ونسبة القول إلى صاحبه، وقوة الدليل، وعلم التفسير يتطلب
سلامة الاستدلال، ومراعاة السياق، وصحة النقل، وعلم الحديث يتطلب صحة الحديث وصواب
تخريجه، وعلم الفقه يتطلب صحة الحكم وبيان الخلاف حوله، والفتوى تتطلب مراعاة شروط
الواقعة وحال المستفتي، وقد يؤدي اختصارها إلى خطأ في الفهم، وعلم السيرة النبوية
يقتضي دقة الرواية التاريخية، ومقابلتها بنظيرتها في بابها، وقد يؤدي اختصارها إلى
عوج النظر وتشوه التقييم للشخصيات التاريخية والأحداث، والوعظ والرقائق يجب ألا
يستنبط منه الحكم الشرعي.
وعلى ذلك
فالمقاطع الدينية المختصرة لا تحمد لذاتها ولا تعاب، لكن يجب إدراك أنه ليست جميع
أنواع المعرفة الشرعية يمكن اختصارها بأمان، فثمة أنواع من المعرفة يؤدي اختصارها
إلى الإخلال بها، ومن هنا يجب توافر الحد الأدنى من الضوابط العلمية في المقطع
الديني القصير.
وهذا يفتح الباب
في النهاية إلى وضع ضوابط للمحتوى الشرعي القصير، مثل: التوثيق، نسبة الأقوال إلى
أصحابها، والتمييز بين القطعي والظني، وبيان أوجه الخلاف في المسألة، وعدم تحويل
السؤال الشخصي إلى فتوى عامة، وإحالة المسائل الدقيقة المركبة إلى أهل الاختصاص.
وهناك نظرة أخرى
إلى العلماء والدعاة أصحاب تلك المقاطع من زاوية الاختصاص العلمي أو الدعوي، فهناك
من يجمع بين العلم الراسخ والفقه الدعوي وخطاب الجماهير، وهناك من يجيد الحديث
المستبحر في قضايا التخصص التي يصعب الاقتصاص منها، وهناك الواعظ القادر على
التأثير في القلوب، ولكنه ليس من أهل الفقه والأصول، وهناك من يجمع بين التفسير
والوعظ والتربية، وهناك من يكثر الحضور الإعلامي، وهناك من يزهد فيه.
ونظرة أخرى إلى
المتلقي، فمنهم الواعي الحصيف الذي يعرف وظيفة المقطع الديني، ويجيد توظيفه، ومنهم
الذاهل عن مقاصد ما يسمع، والعجول في تلقيها، ومن يصرف جل وقته ونهمته إلى تلك
المقاطع، يتنقل فيما بينها، ولا يلقي بالًا إلى ما وراء ذلك من بناء علمي منهجي
رصين، بل قد يختلف المتلقي ذهنيًا ونفسيًا من حال إلى حال، فيختلف تفاعله مع ما
يسمع ويرى بحسب استعداده وقت التلقي.
ثم هناك نظرة
ثالثة إلى اختزال المقاطع الدينية نفسها، ومن ينهض إلى ذلك، وعليه أن يسائل نفسه:
هل بقي المعنى الأصلي للدرس؟ وهل حُذف شرط أو قيد ضروري لفهم مراد الشيخ؟ وهل بقي
الدليل بعد الاختصار؟ وهل تحول السؤال الخاص إلى حكم عام؟ وهل بقيت الإشارة إلى
وجود خلاف في المسألة؟ وهل يستطيع غير المتخصص فهم حدود الحكم؟ وهل أصبح العنوان
أكثر قطعية مما قصده العالم نفسه؟
فلو قال فقيه في
درس مطول: «هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والأصل كذا، لكن توجد حالات
مستثناة»، ثم اقتُطع من كلامه قوله: «الأصل أن هذا الأمر حرام»، ونُشر بعنوان «العالِم
الفلاني: هذا الأمر حرام!»؛ فالمشكلة هنا ليست بالضرورة في العالم ولا في المعلومة
الأصلية، وإنما في عملية الاختزال المخل عن قصد أو غفلة!
وقد لا يكون
الخطر في إنتاج المقطع القصير، وإنما في انفصال المقطع عن سياقه العلمي الأصلي في
أثناء التداول الرقمي والاختزال، فقد تكون المعلومة صحيحة في ذاتها، لكن جرى
تقديمها معزولة عن سياق لا يمكن فهمها على نحو صحيح إلا فيه، فيفهم المتلقي مثلاً
أن الحكم مطلق، بينما هو مقيد في الدرس الأصلي، أو أنه ليس الرأي الوحيد في مسألة
تشعبت فيها آراء العلماء.
وهذا يفتح بابًا
للتساؤل عن مقاصد من يختزلون المقاطع، وقد يكونون من غير أهل العلم، فلا يدرون ما
يحذفون وما يثبتون، وقد يكونون من أصحاب الهوى أو أهل المذاهب والتحزب الذين
يحرفون الكلم عن مواضعه، وبخاصة فيما نراه اليوم من أثر اصطراع الأهواء السياسية
والمذهبية.
إنه لا سبيل إلى
إيقاف التيار الهادر من ألوف وملايين المقاطع التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي
اليوم، لكن السبيل موفورة إلى ترشيدها، وتعظيم الفائدة منها، والتنبيه إلى ضوابط
اختصارها، وبخاصة فيما يتصل بالعلوم الشرعية التي هي دين تجب إحاطته بوسائل الحفظ،
ورشادة الأخذ والترك.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً