الباحث في السلوك الاجتماعي والحضارة الإسلامية عبدالقدوس القضاة: 3 طرق لمواجهة السحر والشعوذة

محمد العبدالله

30 نوفمبر 2025

434

منذ بداية الخليقة أكثر ما يشغل الإنسان هو علاقته بالقوى الغيبية؛ التي تدبر أمر هذا الكون، وظل الإنسان في كل عصور عمرانه تائهاً في هذه العلاقة، حتى جاء الإسلام ورسخ علاقة الإنسان بربه وإيمانه بالغيب بصورة نهائية.

هذه العلاقة الراسخة أجملها القرآن في أجمل تعبير صوّر قوة العلاقة ومتانتها، ولكنها مترتبة على مدى إقبال العبد على ربه؛ (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة: 186).

هذا القرب أفسده عجلة الإنسان وزهوه بنفسه وثقته بغير ربه، بحثاً عن حل سريع يرضي داخله المذبذب، فهذه النفس التائهة سرعان ما تلجأ إلى عالم السحر والشعوذة لترضي فطرة منتكسة، ترضى بواقعٍ مزرٍ، بدلاً من اللجوء إلى الله والتأدب معه والتلطف إليه. 

«المجتمع» تحاورت مع الأكاديمي الأردني عبدالقدوس القضاة؛ المحاضر في السلوكيات الاجتماعية والحضارة الإسلامية، لتقديم روشتة إيمانية لهذه النفس المضطربة، والسبب وراء انسياقها وراء أكاذيب السحرة والمشعوذين.

  • الإنسان بفطرته مرتبط بالقوى الغيبية، كيف يتم إشباع الفطرة بالطريقة الصحيحة وبدون تعقيد، حتى تستقر وتصير مطمئنة في عالمها الداخلي؟

- الفطرة ليست علمًا يُلقى في القلب جاهزًا، ولكنها قابلية مزروعة في النفس، تُشبه الأرض الطيبة المستعدة للإنبات مع مجيء المطر، أمّا العلمُ فموضعه العقل؛ فهو الذي ينظر، ويستدلّ، ويربط الأشياء بأسبابها.

فالإنسان البدائي فتح عينيه على هذا الكون، ولم يرَ فيه فوضى، بل رأى نظامًا محكمًا.

فنشأ في نفسه يقينٌ بأن وراء ذلك كله قوة تُدبّر وتُسيّر، لكن الخيال، إذا لم يجد من يهديه، جرّ صاحبه إلى غير الطريق الصحيح.

في هذه الحالة يضيّع فقه التوكل والأخذ بالأسباب

أما إشباع غريزة حب معرفة ما وراء الماديات عند الإنسان، فلا شك أن الدين أشبعها بكل ما أخبرنا به الله ورسوله من حقائق الغيب، ولكنها تفسد بأي زيادة بشرية.

  • «خلق الإنسان من عجل»، هذا الشيء المركوز في طباعنا، يدفعنا للحلول السريعة، ما الضابط أو المتحكم في النفس لعدم التسرع إلى الحلول الخرافية؟

- الإنسان حين يُسلم نفسه للخوف والوهم، يترك العقل، ويضيّع فقه التوكل والأخذ بالأسباب.

وقد استغلت الأمم عبر التاريخ غريزة البقاء استغلالًا مقيتًا؛ فالمريض إذا أقنعوه بأن وراء علته قوى خفية، انصرف عن الدواء إلى العرّافين.

واليوم تعود الخرافة بثوب جديد، مثل قوة الشاكرا والإسقاط النجمي والجسد الأثيري.

  • سؤال محيّر دينياً: كيف لنا بقِدم بلادنا العربية في الإسلام، وجود هذا الحجم من الخرافات والانسياق إلى ما يسمى بالعلاج الروحاني؟

- أول ما ينبغي أن نقرّره أن ما يسمّى بخرافات (الطاقة والعلاج الروحاني) موجودة في بلاد الغرب كما في بلاد المسلمين.

ومن المهم أن نفهم أن انتشار الخرافات ليس نتيجة اتفاقٍ أهل الاختصاص، وإنما هو آراء فردية تصدر عن بعض الناس، ثم تنتشر دون تمحيص.

كما أن الاستعمار عمل على نشر الخرافة لصرف الناس عن دينهم، مثل خرافة «رصد الكنوز»، شغل بها الشعوب عن عمران الأرض وعن العلم، فركضوا وراء الأطلال بالطلاسم والتعاويذ.

  • أيضاً، يوجد في كل جامعة إسلامية قسم للعقيدة والتوحيد، إضافة إلى التقدم العلمي الحديث، أين يكمن الخلل حتى توغلت صور السحر والشعوذة؟

- توجد سلبية من قبل طلبة العلم لمواجهة هذه الانتهاكات لعقل الإنسان، والواجب على الأكاديمي الشرعي وطالب العلم أن يُرشد السائل إلى 3 طرق:

1- أن يرقي نفسه بما ثبت من آيات الله وأدعية نبوية صحيحة.

2- أن يحترم قوانين الله ومنها الأخذ بالأسباب.

3- مراجعة الطب، وفهم سبب ما أصابه عضوياً أو نفسياً.

  • من وجهة نظركم، كيف يتم معرفة صحة الطريق في الإيمان بالغيب أو السير في طريق الخرافة والشعوذة؟ ما الخيط الدقيق لتنوير النفس من الوقوع في الخطأ؟

- كل علم له أصوله الصحيحة، وما يُبنى عليه من أوهام أو زيادات ليست منه فهو مجرد خرافة مركبة على أصل علمي.

الاستعمار عمل على نشر الخرافة وصرف الشعوب عن البحث العلمي

فعلم النفس، يحدّثنا عن انفصام الشخصية بحدود علمية دقيقة، ثم تأتي القصص الخيالية والمسلسلات لتُضخّم الصور، فيظن الناس أن الإنسان أصبح شخصين داخل شخص، لا يعرف أحدهما الآخر شيئًا، وهذا وهم وخرافة، لكنه نما على أصل علمي.

فالصحابي ابن مسعود كان يرقي نفسه ويتداوى ويقول: لا أعلم بأيهما شفاني الله، إذن مع الإقرار بوقوع الأذى من الإيهامات، نحن مدعوون إلى الدعاء وآيات الرقية، والبحث عن علاج تخصصي.

لا يمكن أن ننكر قوة تأثر الماكينة الإعلامية في النفوس، من خلال تجاربكم العملية، ما الحصن الحقيقي للمسلم حتى لا ينزلق إلى الخرافة؟

- الماكينة الإعلامية تعتمد على المبدأ السيئ (هدف الإعلام الإثارة)، والأصل أن يكون هدف الإعلام الإنارة، وهنا أمر خطير، الاستماع عبر الشاشة إلى قارئ الأبراج، أو متنبئ الغيب، حكمه حكم الذهاب إليه، وعلى كل مسلم أن يعتقد أنه مخاطب بأوامر الله القاضية بعدم طاعة النفس بالاستماع إلى هؤلاء ولا من باب الفضول.

أستاذ أكاديمي أو أحد المشاهير يواظب على الصلوات، وتجده من ضحايا الدجل والشعوذة، كيف تفسر هذه الظاهرة دينياً في عالمنا العربي؟

- وما تفضلت بالسؤال عنه ليس حالة فردية، بل ظاهرة، أن ترى المتعلم ضمن درجات علمية كبيرة، يصطحب ابنه أو زوجته إلى عراف ويسمونه الشيخ، وهي تسمية ظالمة.

أما السبب فنحن ما زلنا نعاني من أمية نفسية أمام هذه المعتقدات، وكثيراً ما يكون اليأس من وجود حل سبباً في اللجوء للعرافين.

ابن مسعود كان يرقي نفسه ويتداوى ويقول: لا أعلم بأيهما شفاني الله

كما أن كثيراً من الذين يتحدثون بعلوم تبدو جادة كالتنمية البشرية صارت تدخل في مادتهم خرافات علم الطاقة الزائف، ولذلك لا بد من تنقية العلوم المسماة «التنمية البشرية» من شوائب الزيف، فظاهرها الثقافة وحقيقتها الإفلاس النفسي والمعرفي.

من خلال تجاربكم، ما أسهل الطرق التي يخترق بها المشعوذون قلوب الضحايا، وما الحل الأمثل في مواجهتها؟

- ادّعاء علم الغيب وإيهام الناس بأنه يمتلك أسرار ما وراء الكون من أخطر الأمور التي تنتشر بين بعض السحرة والمشعوذين، وخلال برنامجي على الهواء، ومن أسئلة المتصلين تعرفت على بعض طرقهم.

فإحدى السيدات اتصلت قائلة: إن مغربيًا أوقفها في الشارع بعمّان، وادّعى أنه يعرف مرض والدتها، وأوهمها أن المرض سحر، بينما الحقيقة أن المرض عضوي.

والحقيقة أن هذا الرجل لا يعلم الغيب، بل يحصل على معلومات المرضى من ضعاف النفوس العاملين بالمستشفى، ثم يتعرف عليهم، ويواجههم في الشارع ليقنعهم بأن لديه علماً غيبياً، ليحصد الأموال الوفيرة.

أخيراً، كيف يشبع الإيمان منطقة اللاوعي في نفوسنا؟ وما الوسائل الشرعية التي تشبع هذه المساحة؟

- من الأمور الدقيقة التي وهبها الله للإنسان، طاقته التخيلية، فالخيال هو البداية لكل إبداع؛ وكم من اختراع علمي بدأ في خيال صاحبه قبل أن يتحقق على أرض الواقع.

فالطاقة التخيلية إذا تُركت بلا توجيه، صارت مرتعًا خصبًا لأوهام المشعوذين، فيميل الإنسان إلى تصديق الخرافة، فيضل عن وعيه، ويضيع وقته وجهده.



اقرأ أيضاً:

الخبير الرقمي أحمد الزعبي لـ«المجتمع»: الفراغ الروحي وراء الإقبال على السحرة

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجيلالي الجزائرية د. إدريس علي لـ«المجتمع»: الأمن السيبراني ضروري لمواجهة الشعوذة الرقمية

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة