سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (15)

سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (15)

الأَدَبُ العَربِيُّ وَفَـنّ المَلاحِمِ

مَا زِلْـنَا نَتناوَلُ الشُّبهَاتِ الَّتِي تَولَّدَتْ عَنْ مَقُولَةِ إرْنِسْت رِينَانَ: «إِنَّ العَقْلَ السَّامِيَّ عَقْلٌ جُزْئِيٌّ لَا يَصْدُر عَنْهُ أَثَـرُ كُليٌّ مُستَوْعِبٌ»، وَلَقَدْ لَحِظَ كَثِيرٌ مِنْ نُقادِنَا المُحْدَثِينَ أَنَّ الشّعْـرَ العَربِيَّ قَدْ خَلَا مِنْ «فَنِّ المَلاحِمِ» الذِي تَمَيَّـزَ بِـهِ شِعْـرُ اليُونَانِ، وَحَمَلَتْهُمُ المُقارَنَـةُ بَينَ شِعْرِ العَربِ وَشِعْرِ اليُونَانِ عَلَى أَنْ يُفجِّـرُوا قَضِيَّـةَ «غِيَابِ المَلاحِمِ» عَنِ الأَدَبِ العَربِيِّ، وَطَفِقَ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمْ يُدلِي بِدَلْوِهِ، يُحَاوِلُ أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا التَّسَاؤُلِ: لِمَ خَلَا الأَدَبُ العَربِيُّ مِنَ المِلَاحِمِ؟!

وَرُغْمَ أَنَّ تَـفْسِيرَاتِ النُّقادِ العَربِ لِهَذِهِ القَضِيّةِ قَـدْ تَنوَّعَتْ مَا بَينَ تَـفْسِيرٍ عُنْصُرِيٍّ أَجْنَاسِيٍّ، وَآخَرَ عَرُوضِيٍّ إِيِقَاعِيٍّ، وَثَالِثٍ دِينِيٍّ؛ فَإِنّها لَمْ تَخْرُجْ عَنْ النَّظْـرَةِ الدُّونِيّةِ المُتَعَصِّبَةِ إِلَى العَقْلِ العَربِيِّ وَقُدرَاتِـهِ، لأَنَّ كُلَّ تَفْسِيرٍ مِنْهَا يَـرُدُّ ذَلِكَ الغِيَابَ إِلَى نَـقْصٍ مَا فِي حَيَاةِ العَرَبِ: (عُقْولِهِمْ أَوْ نُـفُوسِهِمْ أَوْ دِينِهِمْ أَوْ عَرُوضِ شِعْرِهِمْ)، وَقَدْ قَعَدَ بِهِمْ ذَلِكَ النَّقْصُ عَنْ إِنْتَاجِ مَلاحِمَ كَإِليَاذَةِ الشَّاعِرِ الإِغْرِيقِيِّ هُومِيرُوسَ أَوْ أُودِيسَّاهُ؛ مِمَّا يَحْمِلُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ مَقُولَةِ رِينَانَ السَّالِفَةِ، وَالتَّعَجُّبِ مِنْ سَطْوَتِهَا عَلَى العَقْلِ العرَبِيِّ بِوَعْيٍ أَوْ بِغَيْرِ وَعْيٍ؛ حَتَّى وَجَدْنَا أَقْـلَامًا عَربِيَّـةً تَتَّهِمُ العَقْلَ العَربِيَّ بِعَجْزِهِ عَنْ إِنْتَاجِ مَلْحَمَةٍ تضاهي مَلاحِمَ اليُونَانِ!

التَّفسِيرُ العُنْصُرِيُّ لِـخُلُـوِّ أَدَبِـنَا مِنَ المَلاحِمِ

وَأَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّـفْسِيرِ أَنَّ قَضِيّةَ (غِيَابِ الملَاحِمِ) عَنِ الأَدَبِ العَربيِّ، قَـدْ نُوقِشَتْ وَفْقَ الرؤْيَةِ العُنصُريةِ الاسْتِشْرَاقِيّةِ التِي تَرمِي العقْلَ العَربيَّ بِضَعْفِ الخيَالِ وَضِيقِ الأُفُقِ، وَحِسِّيةِ الرُّؤْيَةِ وَسَذَاجَتِهَا؛ فَطَفِقَ كَثِيرٌ مِنَ النقَّادِ يُعلِّلُونَ غِيَابَ الملَاحِمِ عَنْ أَدَبِنَا بِمَا قُرِفَ بِهِ العَقْلُ العَربيُّ وَالسَّامِيُّ بِوَجْهٍ عَامٍّ، مِنَ ضِيقٍ وَجُزئيّةٍ وَسَطْحِيةٍ؛ فالأُستَاذُ أَحْمَدُ أَمِين يَنقُلُ عَنْ أُولِيرِي قَوْلَهُ: «إِنَّ العَربِيَّ ضَعِيفُ الخيَالِ جَامِدُ العَوَاطِفِ»، ثُمَّ يُفَسِّرُ ضَعْفَ الخيَالِ عِنْدَ العَربِيِّ بِأَنَّ النَّاظِرَ فِي شِعْرِ العَربِ لَا يَجِدُ فِيهِ أَثَرًا لِلشِّعْرِ القَصَصِيِّ وَلَا التَّمْثِيليِّ، وَلَا يَرَى الملَاحِمَ الطَّويلَةَ التِي تُشِيدُ بِذِكْرِ مَفاخِرِ الأُمّةِ، كَإِليَاذَةِ هُومِيرُوسَ وَشَهنَامَةِ الفِرْدَوِسِيِّ، ثُمَّ هُمْ فِي عُصُورِهمُ الحدِيثَةِ لَيْسَ لَهُمْ خَيَالٌ خِصْبٌ فِي تَأْلِيفِ الرِّوَايَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (فجر الإسلام: 46). وَرُغْمَ أَنَّ الأُستَاذَ أَحْمَدَ أَمِين قَدْ رَدَّ عَلَى ابْنِ خَلْدُونَ وَأُولِيرِي فِي مَوضِعٍ سَالِفٍ بِأَنَّهُمَا لَمْ يُفرِّقَا بَينَ العَربيِّ قَبْلَ الإِسْلَامِ وَالعَربِيِّ بَعْدَهُ؛ فَإِنّنَا نَراهُ هُنَا قَدْ خُدِعَ بِقَوْلَةِ أُولِيرِي، فَرمَى العرَبَ قَدِيمَهُمْ وَحَدِيثَهُمْ بِضَعْفِ الْخَيَالِ!

وَلَمْ يَكُنِ الأُستَاذُ أَحْمَدُ أَمِين وَحِيدًا فِي القَوْلِ بِقُصُورِ العَقْلِ العَربِيِّ، وَاتِّهَامِهِ بِضَعْفِ الخيَالِ؛ فَإِنَّ عَدْوَى تِلْكَ الرؤْيةِ الاستِشْرَاقِيّةِ الغَربيَّةِ قَدْ تَسرَّبَتْ إِلَى خِطَابَاتٍ عَربيَّةٍ أُخْرَى، فَنَجِدُ - مَثلًا - الأُستَاذَ عَبدَ الحمِيدِ حَسَنْ يَكَادُ يُكرِّرُ كَلامَ الأُسْتَاذِ أَحْمَد أَمِين عَنْ مَظَاهِرِ الخيَالِ، ثُمَّ يَصِفُ الأَدَبَ العَربِيَّ بِأَنّهُ مَحْدُودٌ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالأَنْوَاعِ التِي بَرعَ فِيهَا اليُونَانُ؛ حَيْثُ يَقُولُ: «يَظْهَـرُ الخَيَالُ فِي الأَدَبِ وَاللُّغَةِ فِي نَاحِيَتَينِ: (الأُوْلَى) نَاحِيَةِ التَّجَمُّلِ وَالإِيضَاحِ وَالتَّصْوِيرِ فِي التَّشْبِيهِ وَالمَجَازِ.

(وَالثَّانِيةُ) فِي الاخْتِرَاعِ القَصَصِيِّ وَالرِّوَائِيِّ وَفِي الأَسَاطِيرِ.. أمَّا نَصِيبُ الأَدَبِ العَرَبِيِّ مِنَ النَّاحِيَةِ الأُولَى فَنَصِيبٌ عَظِيمٌ كَمَا سَنَـرَى. وَأَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ الثَّانِيَةِ فَمَحْدُودٌ، فَإِنَّه لَمْ يَتَّجِهِ اتِّجَاهًا ذَاتِيًّا إِلَى مَوْضُوعَاتِ الخَيَالِ كَالمَلاحِمِ وَالقِصَّةِ وَالأُسْطُورَةِ شَأنٌ كَبِيرٌ» (الأصول الفنية للأدب: 100).

حَتَّى الأُسْتَاذُ أَحْمَد حَسَنِ الزَّيّاتِ يَتسَاءَلُ: هَلْ عِنْدَ العَرَبِ مَلَاحِمُ؟ ثُمَّ يُجِيبُ فَلَا تَكَادُ إِجَابتُهُ تَخرُجُ عَنِ اتِّهَامِ العَربِ بِالبسَاطَةِ أَوِ السَّذَاجَةِ وَضِيقِ الخيَالِ، وَهَذَا بَعضُ قَولِهِ: «فَأَمَّا الملَاحِمُ النَّظْمِيَّةُ الفَصِيحَةُ أَوِ الشِّعْرُ القَصَصِيُّ فَما أَظُنَّكَ تَشُكُّ فِي أَنَّ العَربَ لَيْسُوا فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ. لأَنَّ مُزاوَلتَهُ تَقتَضِي الرَّوِيّةَ وَالفِكْرَةَ وَالعَربُ أَهْلُ بَدِيهَةٍ وَارْتِجالٍ.. وَقَدْ قَلَّ تَعرُّضُهُمْ لِلأَسْفَارِ البَعِيدَةِ، وَالأَخْطَارِ الشَّدِيدَةِ، وَحَرمَتْهُمُ طَبِيعَةُ أَرْضِهِمْ، وَبَسَاطةُ دِينِهِمْ وَضِيقُ خَيَالِهِمْ كَثْرَةَ الأَسَاطِيرِ، وَهِيَ مِنْ أَغْزَرِ يَنَابِيعِ الشِّعْرِ القَصَصِيِّ» (في أصول الأدب: 237).

التَّفْسِيرُ النَّفْسِيُّ لِغِيَابِ المَلاحِمِ

إَذَا كَانَ التفْسِيرُ العُنصرِيُ لِغِيَابِ المَلاحمِ مِنَ الأَدَبِ العَربِيِّ قَدْ وَقَعَ فِي أَسْرِ الرؤْيةِ الاسْتِشرَاقِيّةِ التِي تَتهِمُ العَقْلَ العَربيَّ بِضَعْفِ الخيَالِ وَضِيقِ الأُفُقِ؛ فَإِنَّ التَّفْسِيرَ النفْسِيَّ لِهَذِهِ القَضِيّةِ غَرِيبٌ، وَلَقَدِ اسْتَغرَبَـهُ مَنْ تَبنَّاهُ، نَاهِيكَ بِأَنَّـهُ عَلَى غَرابتِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَأثُّـرٍ بِدِرَاسَاتِ الغَربِيينَ، مِثْلَ فُرويدَ وَغَيرِهِ، عَنِ العُقَدِ النَّفْسيةِ كَالنرجِسِيّةِ، وَعُقْدَةِ أُودِيبَ، وَغَيرِهِمَا، وَإِنَّمَا اسْتَغربْنَا هَذَا التَفْسِيرَ؛ لأَنَّ هَذِهِ العُقَدَ النَّـفْسِيَةَ لَا يَنفَرِدُ بِهَا جِنْسٌ دُونَ آخَرَ، وَلَا يَستَقِيمُ فِي عَقْلٍ أَوْ مَنْطِقٍ أَنْ يُتَّهَمَ شُعرَاءُ الجَاهِلِيَّةِ أَجْمَعُونَ بِعَيبٍ نَـفْسِيٍّ وَاحِدٍ (النَّرجسيّةِ)، وَمِنْ ثَمَّ نَعْجَبُ لِقَوْلِ النَّاقدِ يُوسُفَ اليُوسُف: «يُـفْضِي بِنَا الحَديثُ عَنْ نَرجِسِيّةِ الشَّاعِرِ الجَاهِلِيِّ إِلَى مُعَالجَةِ مَسْأَلَةٍ طَالَمَا شَغَلَتْ فِكْرَ الكَثِيرينَ مِنَ المُشْتَغِلِينَ بِالأَدَبِ فِي بِلَادِنَا: لِمَاذَا لَمْ تُنْتِجِ الجَاهِلِيّة، وَالتَّارِيخُ العَربيُّ جُمْلَـةً شِعْرًا مَلْحَمِيًّا مُتكَامِلًا؟ وَقَدْ يَستَغْرِبُ القَارِئُ أَنْ أُقِيمَ عَلاقَةً بَينَ النَّرجِسِيّةِ وَغِيابِ المَلاحِمِ مِنَ الأَدَبِ الجَاهَلِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ» (مقالات في الشعر الجاهلي: 23).

وَرُغْمَ إِقْرَارِ النَّاقِدِ بِوُجُودِ نَـفَسٍ مَلْحَمِيٍّ فِي القَصِيدَةِ الجَاهِلِيّةِ؛ فَإنّهُ يُتابِعُ المُقارنَةَ بَينَ الشَّاعرِ الجَاهِلِيِّ وَنَظيرِهِ اليُونَانِي، فَيرَى أَنَّ الشَّاعِرَ الجَاهِلِيَّ يُحاوِلُ دَائِمًا أَنْ يَظْهَـرَ مُتَلبِّسًا بِحَالَةٍ مِنَ الزَّهْوِ أَوْ (تَضخُّمِ الذَّاتِ)، أَمَّا فِي المَلْحَمَةِ - وَشَاعِرُهَا يُونَانِيٌّ غَيرُ عَربِيٍّ دُونَما رَيْبٍ - فَإِنَّ الشَّاعِرَ يُوزِّعُ ذَاتَـهُ وَمَنَازِعَهُ المِثالِيّةَ عَلَى أَبْطَالِ العَمَلِ الأَدَبِيِّ ... طَبِيعَةُ كُلِّ شَخْصِيّةٍ مَلْحَمِيّةٍ تَقتَضِي أَنْ يُضَحِّيَ الكَاتِبُ بِشَخْصِيَّتِهِ، أَنْ يَقِفَ بَعِيدًا عَنْهَا، كَيْ يَخْلُقَ شُخُوصَهُ خَلْقًا نَمَطِيًّا. وَالجَاهِلِيُّ لَا يَعْرِفُ نَمَطًا لِلشَّخْصِيّةِ إِلَّا ذَاتَـهُ. وَمِنْ هُنَا لَمْ يَكُنْ فِي طَوْقِ الجَاهِلِيِّ أَنْ يُقدِّمَ سِوَى الشِّعْرِ الوِجْدَانِيِّ. نَاهِيكَ بِأَنَّ النَّفْسِيّةَ البُدائِيّةَ هِيَ نَـفْسِيّـةٌ وِجْدَانيّةٌ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. (انظر مقالات في الشعر الجاهلي: 25).

وَلَسْنَا نَنفِي وُجُودَ شُعرَاءَ جَاهِلِيينَ تَضَخَّمَتْ ذَوَاتُهُمْ، وَلَكِنَّنَا نَنفِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ الشُّعرَاءِ الجَاهِلِيينَ نَرجِسِيينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ شَكَا الضَّعْفَ وَقِلَّـةَ الحِيلَـةَ، وَأَشْهَرُهُمْ الشَّاعِرُ قُـرَيْطُ بْنُ أُنَـيْفٍ العَنبَرِيُّ التَّمِيمِيُّ الذِي خَذَلَـهُ قَوْمُـهُ وَلَمْ يَـهُبُّوا لِنَجْدَتِهِ، بَعدَمَا اسْتَباحَ بَنُو اللَّقِيطَةِ إِبِلَهُ؛ وَقَدِ افْتَتَحَ أَبُو تَمامٍ كِتابَهُ «دِيوَانُ الحمَاسَةِ» بِهَذِهِ القصَّةِ، حَيْثُ يَقولُ قُـرَيْطٌ:

لَـوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَـمْ تَسْتَبِحْ إِبِـلِي     بَـنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَا

إِذَنْ لَـقَامَ بِـنَصْرِي مَعْشَـرٌ خُشُنٌ       عِنْدَ الحَفِيظَـةِ إِنْ ذُو لُوثَـةٍ لَانَا

قَـوْمٌ إِذَا الشَّـرُّ أَبْـدَى نَاجِذَيْـهِ لَـهُمْ     طَـارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا

أَيَصِحُّ اتِّهَامُ قُريْطٍ -وَهُوَ بِهَذَا الضَّعْفِ وَالانْكِسَارِ- بَأَنَّـهُ مُتضَخِّمُ الذَّاتِ؟! وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قُريْطٌ وَغَيرُهُ مِنْ شُعرَاءِ الجَاهِلِيّةِ نَرْجِسِيّينَ، فَمَا الذِي قعَدَ بِهِمْ عَنْ كِتَابَةِ مَلاحِمَ تُنافِسُ مَلاحِمَ يُونَانَ؟!

وَمِنْ حَقِّنَا أَنْ نَتساءَلَ إِزَاءَ تِلْكَ المُقارنَاتِ المُتكَرِّرَةِ: لِمَ تَنتَهِي كُلُّ مُقارنَةٍ بَينَ الشِّعْرِ العَربِيِّ وَالشِّعْرِ اليُونَانِيِّ إِلَى اتِّهَامِ العَرَبِ بِنَقْصٍ فِي عُقُولِهِم أَوْ نُـفُوسِهِمْ؛ وَيْكَأَنَّ شُعراءَ اليُونَانِ بُرآءُ مِنَ النَّرْجِسِيَّةِ؟! أَوْ كَأَنَّ بَنِي يُونَانَ وُلِدُوا مُتحَضِّرِينَ، وَلَمْ يَعْرِفُوا بَـدَاوَةً قَطُّ؟!

التَّفسِيرُ العَـرُوضِيُّ لِـغِيَابِ المَلاحِمِ

ظَهَـرَ هَذَا التَّفْسِيرُ مَعَ التَّنظيرِ لِنَشْأَةِ (شِعْرِ التفْعِيلَةِ)، بوِصْفِهِ حَركَةً تَجدِيدِيةً لِلشِّعرِيّةِ العَربيةِ، تَنفِي عَنْهَا سِمَةَ التقْلِيدِيّةِ، وَتُنتِجُ شِعْرًا مُجاوِزًا لِمَا أَنتَجَهُ أَسْلَافُنَا؛ فَقَدْ عُلِّلُ التمَرُّدُ عَلَى أَوْزَانِ الشِّعْرِ العَربيِّ وَقوَافِيهِ بِأَنَّ الوَزْنَ وَالقَافِيَةَ الموحَدَّةَ قَدْ حَرَمَا الشِّعرَ العَربيَّ مِنْ نَظْمِ المطَوَّلَاتِ أَوِ الملاحِمِ الشِّعْرِيّةِ، وَأَوْرَثَاهُ تَقْصِيرًا فِي مَيدَانَيِ الشِّعْرِ القَصَصِيِّ وَالدِّرَامِيِّ، وَنَحْنُ نَقْرأُ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ لَدَى نُقَّادٍ وَشُعرَاءَ كَثِيرينَ، كَالدكْتُورِ محمَّدِ النُّويهِيِّ، حَيثُ يَقُولُ: «يَستَطِيعُ الشَّكْلُ الجدِيدُ أَنْ يُحقِّقَ مَا عَجزَ الشَّكْلُ التقْلِيدِيُّ عَنْهُ مِنْ مُطاوَعَةِ التأْلِيفِ فِي فَنّيِ القَصَصِ الشِّعْرِيِّ وَالدِّرَامَةِ الشِّعْرِيّةِ»، وَالشَّاعِرَةِ نَازِكِ الملَائِكَةِ الَّتِي تقُولُ نَازكٌ عَنِ القَافِيَةِ الموَحَّدَةِ: «ذَلِكَ الْحَجَرُ الذِي تَلقَمُهُ الطَّرِيقَةُ القَدِيمَةُ كُلَّ بَيْتٍ، قَالُوا إِنَّ العَربيّةَ لُغةٌ وَاسِعَةٌ غَنِيةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ يُبرِّرُ كَوْنَهَا اللغَةَ الوَحِيدَةَ التِي اتَّخَذَتِ القَافِيةَ الموَحَّدَةَ سُنّةً في قَصَائِدِهَا، وَنَسُوا أَنَّ أَيةَ لُغَةٍ مَهْمَا اتَّسعَتْ وَغَنِيَتْ، لَا تَستَطِيعُ أَنْ تُمِدَّ (مَلحَمَةً) بِقَافِيَةٍ مُوحَّدَةٍ، أَيًّا كَانَتْ، وَلَمْ يَنتَبِهُوا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا مِنَ الأَسْبَابِ التِي حَالَتْ دُونَ وُجُودِ الملْحَمَةِ فِي الأَدَبِ العَربيِّ، مَعَ أَنَّهَا وُجِدَتْ فِي آدَابِ الأُمَمِ المجَاوِرَةِ، كَالفُرْسِ وَاليُونَانِ» (نازك الملائكة: الأعمال الشعرية الكاملة: 1 /421).

وَيَقُولُ الشَّاعِرُ خَلِيلُ مُطرَانَ: «تَعلَمُونَ أَنَّ الشِّعْرَ العَربِيَّ إِلَى الْيَومِ، لَمْ تُنْظَمْ فِيهِ القَصَائِدُ المطَوَّلَاتُ الكُبْرَى فِي الموضُوعِ الوَاحِدِ، وَذَلِكَ لأَنَّ التِزَامَ القَافِيَةِ الوَاحِدَةِ كَانَ وَلَمْ يَزلْ، حَائِلًا دُونَ كُلِّ مُحاوَلةٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ» (ديوان الخليل: 2/ 99)، بَلِ انْطَلَتْ هَذِهِ الشُّبهَةُ عَلَى شَاعِرٍ نَاقِدٍ كَالأستَاذِ العَقَّادِ فَجَعلَ يَتَّهِمُ الوَزْنَ وَالقَافِيةَ بِأنَّهُمَا ضَيِّقَانِ وَلَا يَتّسِعَانِ لِمَا اتَّسَعَ لَه الشِّعْرُ الغَربِيُّ مِنْ مُطوَّلَاتٍ وَمَلَاحِمَ، وَمَقَاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ، حَتَّى إِنّهُ يُسمِّيهَا قُيودًا صِنَاعِيّةً، وَيَرَى أَنَّهَا سَتتَغَيّرُ لَا مَحَالَةَ؛ يَقُولُ العَقَّادُ فِي مقدِّمَةٍ كَتبَهَا لِديوَانِ صَدِيقِهِ الْمَازِنِيِّ: «وَلَا مَكانَ لِلرَّيْبِ فِي أَنَّ القُيودَ الصِّناعِيَّةَ التِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا سَتَجْرِي عَلَيهَا أَحْكَامُ التَّغْييرِ وَالتنْقِيحِ، فَإِنَّ أَوْزَانَنا وَقَوافِيَنا أَضْيَقُ مِنْ أَنْ تَنْفَسِحَ لأَغْرَاضِ شَاعرٍ تَفتَّحَتْ مَغَالِقُ نَفْسِهِ، وَقَرأَ الشِّعْرَ الغَربِيَّ، فَرأَى كَيفَ تَرْحُبُ أَوْزَانُهُمْ بِالأقَاصِيصِ المطَوَّلَةِ وَالمقَاصِدِ المخْتَلِفَةِ، وَكَيفَ تَلِينُ فِي أَيْدِيهِمُ القَوالِبُ الشِّعرِيةُ، فَيُودِعُونَهَا مَا لَا قُدرَةَ لِشَاعِرٍ عَربِيٍّ عَلَى وَضْعِهِ فِي غَيرِ النثْرِ، أَلَا يَرى القَارِئُ كَيفَ سَهُلَ عَلَى العَامّةِ نَظْمُ القِصَصِ المسْهِبَةِ، وَالملَاحِمِ الضَّافِيَةِ الصَّعْبَةِ، فِي قَوافِيهِمُ المطْلَقَةِ؟ وَلَيْتَ شِعْرِي بِمَ يَفْضُلُ الشِّعرُ العَامِّيُّ الفَصِيحَ إِلَّا بِمِثْلِ هَذِهِ المَزِيّةِ؟» (ديوان المازني: مؤسسة هنداوي: 17).

وَمِثْلُ هذَا الكَلامِ غَرِيبٌ عَلَى الأُستَاذِ العَقَّادِ، وَقَدْ عُرِفَ عَنهُ مَوقِفُهُ الصَّارِمُ مِنَ الشِّعْرِ الْحُرِّ وَأَنْصَارِهِ؛ وَلَا تَنتَفِي تِلْكَ الغَرابَةُ إِلَّا بِإِدْرَاكِنَا أَنَّ كَلامَهُ هَذَا وَلِيدُ مَرحَلَةٍ كَانَ يُناصِرُ فِيهَا الشِّعْرَ المرْسَلَ، وَيَرى القَافِيَةَ الموحَّدَةَ قَيْدًا، وَمِنْ ثَمَّ نَراهُ يُعلِنُ بَعدَ ذَلِكَ تَراجُعَهُ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَيُغيِّرُ مَوقِفَهُ مِنَ الشِّعْرِ المرسَلِ فَيقُولُ فِي كِتَابِهِ (يَسْأَلُونَكَ): «لَمْ تَكُنْ هَذِهِ المشْكِلَةُ قَدْ عُرِفَتْ قَطُّ فِي العَصْرِ الحدِيثِ قَبلَ اسْتِفَاضَةِ العِلْمِ بِالآدَابِ الأُورُوبيةِ، وَاطِّلَاعِ الشُّعرَاءِ عَلَى القَصَائدِ المطَوَّلَةِ التِي تَصْعُبُ تَرجَمَتُهَا فِي قَصِيدَةٍ فِي قَافيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَما يَصْعُبُ النَّظْمُ فِي مَعنَاهَا مَعَ وَحْدَةِ البَحْرِ وَالقَافِيَةِ. وَكَانَ زَمِيلُنَا الأستَاذُ عَبدُ الرَّحمنِ شُكْرِي يُعالِجُ حَلَّهَا بِإِهْمَالِ القَافِيَةِ، وَنَظْمِ القَصَائدِ المطوَّلَةِ مِنْ بَحْرٍ وَاحِدٍ وَقَوافٍ شَتَّى. وَكُنْتُ وَزَمِيلي الأُستَاذُ الْمَازِنِيُّ نُشَايعُهُ بِالرَّأْيِ، وَلَا نَسْتَطِيبُ إِهْمَالَ القَافِيَةِ بِالأُذُنِ، فَنَظَمْتُ القَصَائِدَ الكِثَارَ مِنْ شَتَّى القَوافِي، ثُمَّ طَوَيْتُهَا وَلَمْ أَنْشُرْ بَيتًا وَاحِدًا مِنْهَا؛ لأَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَسْتَسِيغُهَا، وَلَا أُطِيقُ تِلَاوَتَهَا بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، وَإِنْ قَلَّتِ النفْرَةُ مِنْهَا وَهِيَ تُقْرَأُ صَامِتَةً عَلَى القِرْطَاسِ. إِلَّا أَنَّنا كُنَّا نُفْسِحُ الفُرصَةَ لِهَذِهِ التَّجْرِبَةِ عَسَى أَنْ تَكُونَ النفْرَةُ مِنْهَا عَارِضَةً لِقِلَّةِ الأُلْفَةِ، وَطُولِ العَهْدِ بِسَماعِ القَافِيَةِ» (عباس العقاد: يسألونك: 75).

وَلَعلَّكَ تَلْحَظُ مَا فِي كَلَامِ مُردِّدِي تِلْكَ الشُّبْهَةِ أَوِ التُّهْمَةِ (أَعْنِي اتِّهَامَ الوَزْنِ وَالقَافِيَةِ بِحِرْمَانِ الشِّعْرِ العَربِيِّ مِنَ المطَوَّلَاتِ وَالْمَلَاحِمِ)، مِنْ مُقايَسَةِ الشِّعْرِ العَربِيِّ بِالشِّعْرِ الغَربِيِّ، وَهُوَ مَسْلَكٌ وَقَعَ فَيهِ حَتَّى المؤمنُونَ بِخُصُوصِيَّةِ الشِّعْرِ العَربِيِّ، وَالأُستَاذُ العَقَّادُ خَيرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي كَلامِهِ مَا يُؤكِّدُ أَنَّ إِشْكَالِيّةَ القَافِيَةِ لَمْ تَنْشَأْ إِلَّا بَعْدَ اطِّلَاعِ شُعَرَائِنَا عَلَى الآدَابَ الأُورُبيَّةِ وَقَصَائِدِهَا المطَوَّلَةِ، وَيَبْقَى السُّؤَالُ: لَقَدْ تَحرَّرَ الشَّاعِرُ المُعَاصِرُ مِنَ الالْتِزَامِ التَّامِ بِالوَزْنِ وَالقَافِيَةِ، فَأَيْنَ المَلاحِمُ؟!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة