سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (12)

سطوة الاستشراق على العقل الأدبي العربي (12)

تكمن خطورة القراءة الاستشراقية لتراثنا في أنها قراءة «فيلولوجية»، والمنهج «الفيلولوجي» يجتهد في رد كل شيء إلى أصله، وعندما يكون المقروء هو التراث العربي الإسلامي؛ فإن مهمة القراءة تنحصر حينئذ في رده إلى أصوله: اليهودية والمسيحية والفارسية واليونانية والهندية.. إلخ، فالمستشرقون لم يجدوا في الفلسفة الإسلامية غير (الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية) (انظر محمد عابد الجابري: نحن والتراث: 14، 31).

وهذا ما وقع فيه د. طه حسين وتلامذته؛ إذ كانوا حريصين على نسبة التراث العربي إلى أصول أجنبية أكثر من حرصهم على فهم تراثنا واستخراج لآلئه الخبيئة، فلم يكتف د. طه حسين برد البيان العربي إجمالا إلى أصول يونانية فحسب، أو اتهامه بأنه بيان هاضم غير منتج، ولكنه تطرق إلى تفاصيل ذلك البيان ليردها إلى أصل يوناني كذلك.

ولقد أشار د. طه حسين إلى تفاصيل كثيرة لا يتسع هذا المقال لذكرها وتفنيدها، من ذلك مثلا أنه يرى أن أمثلة البلاغة العربية ما هي تقليد لأمثلة البيان اليوناني، يقول د. طه: "عندما يقول هوميروس في حديثه عن أخيل (كر كالأسد)، فهذا تشبيه، وعندما يقول (كر هذا الأسد)، فهذا مجاز، لأنه لما كان الرجل والحيوان في هذا المثال ممتلئين شجاعة، صح أن يسمى أخيل أسدا على سبيل المجاز. خذ أي كتاب من كتب البيان العربي، فستجد فيه هذا المثال سوى أنه قد استعمل فيه لفظ (زيد) المألوف في شواهد البلاغة والنحو، بدلا من (أخيل)" (نقد النثر: 14).

وكلام د. طه ظاهر البطلان؛ لأن أقل ما يفهم منه أن يكون تشبيه القوي أو الشجاع بالأسد حكرا على أدب اليونان، وأن وجود هذا التشبيه في أدب آخر يعني أن هذا الأدب مقلد للأدب اليوناني متأثر به، وما أظن أحدا يوافق د. طه في هذا، لأن تشبيه الشجاع بالأسد لا تنفرد به أمة دون أخرى، فهو تشبيه شائع في كل الثقافات واللغات؛ ففي اللغة الإنجليزية يشيع هذا التعبير  جدا (As brave as a lion)، ومعناه "شجاع كالأسد"، وزد على ذلك أن هذا التشبيه معروف في أدبنا العربي قبل أن تكون هنالك أية واشجة بين العرب واليونان، فقد شبه النابغة في معلقته النعمان بن المنذر بالأسد، ولا علم للنابغة بما قال هوميروس، قال النابغة:

أنبئت أن أبا قابوس أوعدني

                   ولا قرار على زأر من الأسد

وقال الفند الزماني يشبه مشية قومة بمشية الأسد:

مشينا مشية الليث

                    غدا والليث غضبان

وفي رواية أخرى للبيت يشبه عدوهم، لا مشيتهم:

شددنا شدة الليث

                    غدا والليث غضبان

ولا علم للفند كذلك بما قال هوميروس، وأنا أعلم أن لو كان د. طه حسين حيا لقال لي: لقد استدللت بشاعرين جاهليين، وأنا أشك في الشعر الجاهلي، وأراه منحولا غير صحيح! لكنني سأجيبه: ولو افترضنا جدلا أن هذا الشعر منحول، فإن من نحلوه أقرب الناس إلى العصر الجاهلي ولا علم لهم كذلك بما قال هوميروس!

طه حسين.. وابن المعتز

على أن كلام د. طه حسين عن ابن المعتز أعجب مما سبق؛ ذلك أن د. طه لم يقرأ كتاب ابن المعتز «البديع»، ولكنه مع ذلك يراه مقلدا لكتاب أرسطو (الخطابة)! يقول د. طه: "لم أطلع على كتاب (البديع) هذا، ولكن الذين نقلوا عنه أكثروا من ذكره كثرة تمكننا من تصوره، فهو عبارة عن تعداد لأنواع البديع، مع الاستشهاد لكل منها بشواهد مقتبسة من كلام القدماء والمعاصرين لابن المعتز، ومع الموازنة بين هذه الشواهد بعضها وبعض، وهم يقولون إن ابن المعتز أحصى في كتابه ثمانية عشر نوعا من أنواع البديع؛ من يدرسها في كتاب معاصره قدامة بن جعفر، وفي كتب الذين جاءوا بعده يلحظ فيها أثرا بينا للفصل الثالث من كتاب (الخطابة)، وبعبارة أدق للقسم الأول من الفصل الثالث، وهو الذي يبحث في (العبارة)". (نقد النثر: 14).

وربما يكون اتهام ابن المعتز بالتأثر والتقليد دون قراءة كتابه، أهون ما في كلام د. طه حسين؛ ذلك أننا نستبعد اطلاع ابن المعتز على كتاب (الخطابة) لأرسطو، فقد ألف ابن المعتز كتابه (البديع) سنة (274هـ)، وتوفي إسحاق ابن حنين مترجم كتاب الخطابة سنة 298ه، وقد ترجمه في أخريات حياته، والمدة بين تأليف كتاب ابن المعتز وموت إسحاق أكبر من عشرين عاما، أي أنه لم يطلع على ترجمة كتاب الخطابة، ناهيك بأن ابن المعتز نص صراحة على أن علمه لم يسبقه إليه أحد؛ حيث يقول ابن المعتز: "البديع اسم موضوع لفنون من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأدبين منهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم فلا يعرفون هذا الاسم ولا يدرون ما هو، وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد، وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين" (ابن المعتز: البديع، تحقيق إغناطيوس كراتشقوفسكي، دار المسيرة، بيروت: 58).

ويستند القائلون بتأثر ابن المعتز بكتاب الخطابة، إلى أن أرسطو قد سبقه إلى أربع من فنون البديع الخمس التي ذكرها ابن المعتز، وهي الاستعارة والطباق والجناس، ورد الأعجاز على ما تقدمها (انظر د. شفيع السيد: البحث البلاغي عند العرب: ص 121)، وما أظن أن التشابه دليل كاف على التأثر، ولا سيما أن هذه الفنون شائعة في كلام العرب، ومن يقرأ كتاب ابن المعتز يلحظ أن أمثلته عربية خالصة، يقبسها من القرآن الكريم، أو الحديث الشريف أو شعر العرب، أو أقوال فصحائهم، ومن ثم فلا حاجة إلى القول بأنه أخذ هذه الفنون من كتاب أرسطو، وزد على ذلك أن ابن المعتز أضاف إلى فنون البديع الخمسة (الاستعارة، والطباق، والجناس، ورد الأعجاز على ما تقدمها، المذهب الكلامي)، ثلاثة عشر محسناً، أسماها (محاسن الكلام)، ومنها: الالتفات، والكناية والتعريض، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، وتجاهل العارف.. وغيرها، ومن ثم جزم د. شفيع السيد بأن كتاب (البديع) لابن المعتز تأليف عربي خالص في روحه ومنهجه ومادته، ولا شية فيه لأي أثر أجنبي (انظر البحث البلاغي عند العرب: 137). 

تلاميذ طه حسين على خطاه

في بحث د. طه حسين كثير من الأفكار التي تحتاج إلى مراجعة وتقويم، وليست هذه الأفكار قاصرة على ابن المعتز وحده، فقد بدأ بحثه واصفا الجاحظ بالمجازفة والسذاجة؛ لأنه قال بأن اليونان لم يظهر فيهم من يستحق أن يكون (خطيباً)، ونعت أرسطو نفسه في كتاب البيان والتبيين بأنه (بكيء اللسان غير موصوف بالبيان) (انظر: بحث د. طه المنشور في كتاب: نقد النثر: 5)، وتعرض د. طه لتأثر قدامة بن جعفر بالنقد اليوناني كذلك، ورأى أن عبد القاهر الجرجاني قام بدور التوفيق بين البيان اليوناني والبيان العربي، كما تحدث عن تأثر ابن سينا وغيره بفلسفة أرسطو، إلى غير ذلك من الأفكار التي لا يتسع المقام لمناقشتها، بيد أنها تحمل على القول بأن د. طه حسين كتب بحثه هذا، وفي ذهنه نتيجة مبيتة ذكرها في خاتمة بحثه؛ حيث قال: "وإذن لا يكون أرسطو المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة وحدها، ولكنه إلى جانب ذلك معلمهم الأول في علم البيان": (نقد النثر: 29).

ولقد أغرى د. طه حسين بهذا البحث بعض تلامذته بتقليده وترديد مزاعمه، بل بلغت فتنة بعضهم بما كتبه عن تأثر البيان العربي بالبيان اليوناني أن اتبعوه بادي الرأي، ونقلوا كلامه حتى أخطاءه، وخبء ذلك أن د. طه حسين قد أخطأ فذكر اسم مترجم كتاب (الخطابة) معكوسا على هذا النحو (حنين بن إسحاق)، وقد يكون ذلك خطأ من الناشر، أما الاسم الصحيح فهو (إسحاق بن حنين)؛ حيث نسب كتاب الفهرست الترجمة إلى إسحاق (الابن)، ولم ينسبها إلى حنين (الأب)، ولك أن تعجب حين تجد د. محمد مندور يقلد أستاذه طه حسين فينقل عن بحثه اسم المترجم خطأ (حنين بن إسحاق) دون مراجعة أو تحقيق! (انظر محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب: 61). بل لك أن تعجب من نهج د. محمد مندور ذاته؛ إذ تراه يشيد بكتاب ابن المعتز، ويعده "حدثا عظيم الأهمية في تاريخ النقد العربي... وأنه ساعد على خلق النقد المنهجي بتحديده لخصائص مذهب البديع، ووضعه اصطلاحات لتلك الخصائص، وعنه أخذ من جاء بعده" (النقد المنهجي: 60، 61)، ثم ترى د. محمد مندور يتساءل: "فمن أين أتى ابن المعتز بتلك الاصطلاحات؟"، وكأني به يرتاب أو يستكثر على ابن المعتز أن يكون أبا عذرة تلك المصطلحات، وقد وجد الإجابة في بحث أستاذه طه حسين: إنها خطابة أرسطو مصدر مصطلحات ابن المعتز! (النقد المنهجي: 61).

وقل مثل ذلك في ناقد آخر من المعجبين بآراء د. طه حسين، عنيت د. إبراهيم سلامة، فلا يقل نهجه اضطرابا عن نهج د. محمد مندور؛ لأنك تراه تارة يجازف -دون دليل سوى الموافقة- فيجعل لأرسطو فضلا على العرب لا محالة في كل فن اتفقوا فيه مع أرسطو، ومنهجه في ذلك "أن نستعرض الأنواع التي ذكرها ابن المعتز، وما يمكن أن يقابلها من الأبواب التي عرض لها أرسطو في كتاب (الخطابة) أو (الشعر)، فما كان موافقا لها فهو من غير شك للمعلم الأول، وما لم يوافقها يكون من عمل العرب، ويظل ثابتا أن الأول هو الذي أثار الفكرة وأغرى بالبحث وراءها" (د. إبراهيم سلامة: بلاغة أرسطو بين العرب واليونان: 73)؛ ثم تراه يعود في نهاية حديثه عن ابن المعتز فيقرر أصالته وينفي تأثره بالثقافة اليونانية؛ إذ يقول: "وعلى الرغم من أن كتاب (الخطابة) كان معروفا في نهاية القرن الثالث الذي عاش فيه ابن المعتز، فإنا لم نر على الكتاب أي مسحة من الترجمة، أو أية لوثة من العقل الهيليني، فالصنوف التي عرفها أخذها مما نقل عن الشعراء، وهو فوق ذلك شاعر رقيق الحاسة، واسع المحفوظ، يستطيع أن يورد على النوع البديعي الواحد، كثيرا من الشواهد والأمثلة". (بلاغة أرسطو: 82).

ومثل هذا التناقض يورث الحيرة؛ لأنك تقرأ كلام د. إبراهيم سلامة فلا تدري: أكان العرب أصلاء في بلاغتهم، أم كانوا تابعين للمعلم الأول أرسطو؟! وفي حديثه عن (الاستعارة) مثلا، يشير إلى معرفة الجاحظ بها قبل ترجمة كتاب أرسطو، وتعريفه لها بأنها (تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه)، ولكنه مع ذلك مصر على أن يجعل لأرسطو دورا فيها؛ إذ يقصر دور العرب على مصطلح (الاستعارة) فحسب؛ وذلك إذ يقول: "وإذن يكون النقل أو المجاز من تفكير أرسطو، وتكون (الاستعارة) من تسمية العرب" (بلاغة أرسطو: 74).

وحتى «المذهب الكلامي»، وهو الفن الخامس الذي تفرد به ابن المعتز، ولم يرد له ذكر في كتاب أرسطو؛ يأبى د. إبراهيم سلامة إلا أن يجعل ابن المعتز أو العرب تابعين لأرسطو في هذا الفن؛ يقول د. إبراهيم سلامة: "أما (المذهب الكلامي) فهم لم يأخذوه مباشرة من بلاغة أرسطو، وإنما أخذوه من جدله ومنطقه، ولعله أول الصنوف البلاغية ظهورا لتقدم ترجمة المنطق والجدل على ترجمة البلاغة". (بلاغة أرسطو: 79). وما أكثر التناقضات في كتاب د. إبراهيم سلامة، لكن يضيق المقام عن استقصائها، وكفى من القلادة ما أحاط بالعنق.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة