أسماء بنت يزيد الأنصارية.. خطيبة النساء

د. رولا الحيت

05 نوفمبر 2026

13

الأنصارية

اشتهرت بفصاحتها وحسن بيانها، يروي المؤرخ ابن الأثير في كتابه «أُسد الغابة»: أتت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات قواعدُ بيوتكم ومَقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجُمَع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الأجر والخير؟

فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كلِّه ثم قال: «هل سمعتم مقالة امرأة قَط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟»، فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: «افهمي، أيتها المرأة، وأَعْلِمي مَن خلفك من النساء أنّ حُسْنَ تبعُّلِ المرأة لزوجها وطلَبها مرضاته واتباعَها موافقته يَعْدِل ذلك كلّه»، فانصرفت المرأة وهي تهلّل.

هذه الصحابية الجليلة هي أسماء بنت يزيد الأنصارية، نموذج فريد للمرأة المسلمة، جمعت بين فصاحة البيان وعمق الفهم الديني وشجاعة الفرسان في ساحات الوغى.

نشأة أسماء بنت يزيد الأنصارية

هي أنصارية أوسية تكنى بأم عامر، وقيل: أم سلمة، نشأت في بيت تسود فيه المفاهيم والقيم الإيمانية في المدينة المنورة، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم مبكراً، واعتبرت من سادة نساء الأنصار وأعقلهن.

أسلمت أسماء على يد مصعب بن عمير، كما ذكر ابن سعد صاحب «الطبقات» عن عمرو بن قتادة قال: أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم أم سعد بن معاذ كبشة بنت رافع، وأسماء بنت يزيد بن السكن، وحواء بنت يزيد بن السكن، وكانت أسماء تعتز بهذا السبق إلى المبايعة فتقول: أنا أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أبوها هو يزيد بن السكن بن رافع الأنصاري الذي استُشهد يوم «أُحد»، وفي تلك المعركة أثخنت الجراح زياد بن السكن عم أسماء، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَدنوه مني»، فوسده قدمه فمات شهيداً وخدّه على قدم النبي صلى الله عليه وسلم، كما استُشهد في المعركة ذاتها أخوها عامر بن يزيد بن السكن الذي جعل جسده تُرساً يدافع به عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فنال الشهادة في سبيل الله، ومن عجيب إيمانها وصبرها أنه لما بلغها استشهادهم خرجت تنظر إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قادم من «أُحد»، وعندما رأته سالماً قالت: كل مصيبة بعدك جلل (هينة).

لقب خطيبة النساء

بسبب فصاحتها لقبت أسماء بنت يزيد الأنصارية بـ«خطيبة النساء»، أما لقبها الثاني «المعتدة»، فجاء لأنها أول معتدة في الإسلام حيث نزلت فيها آية حكم عدة المطلقات، حيث روى عنها أنها قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدة فنزل قول الله تعالى في سورة «البقرة»: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) (البقرة: 228).

الدور البارز لأسماء لم يقتصر على الخطابة ورواية الحديث، فهي راوية لـ81 حديثًا، وإنما شاركت أيضًا في الجهاد حيث شهدت غزوات «الخندق» و«خيبر» و«الحديبية»، كما شاركت في معركة «اليرموك»، وكانت تشارك مع النساء في سقاية الجرحى وتضميدهم وفي ضرب من وجدته من الأعداء، وفي معركة «اليرموك» روى عنها أنها اقتلعت عمود خيمة وضربت به رؤوس الروم حتى إنها قتلت 9 من جنودهم.

عُرفت أسماء بحسن المنطق وقوة البيان، وقد زادت سماتها تلك بأن نهلت من القرآن الكريم والحديث النبوي ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، لذلك كانت من أكثر النساء رواية للحديث، وروى عن أسماء ثلة من أجلاء التابعين، كما روى أصحاب السنن الأربعة: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، وخرّج لها البخاري في «الأدب المفرد».

كانت أسماء بنت يزيد الأنصارية كريمة مضيافة، وهذه الصفة معروفة عند الأنصار، قد طرح الله بركة في طعامهم، أخرج ابن عساكر في «تاريخه» بسنده عن أسماء قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في مسجدنا المغرب، فجئت منزلي فجئته بعَرق (عظم عليه لحم) وأرغفة، فقلت: بأبي أنت وأمي تعشَّ.

فقال لأصحابه: «كلوا بسم الله»، فأكل هو وأصحابه الذين جاؤوا معه، ومن كان حاضرًا من أهل الدار، والذي نفسي بيده، لرأيت العَرق لم يتعرقه وعامة الخبز –أي بقي منه ببركة النبي صلى الله عليه وسلم- وإن القوم أربعون رجلاً، ثم شرب من ماء عندي في شجب (قربة) ثم انصرف فأخذت ذلك الشجب، فذهبت فطويته يسقى فيه المريض، ويشرب منه في الحين رجاء البركة.

نموذج فريد محب للعلم

صحابية عظيمة مثل أسماء بنت يزيد الأنصارية نموذج لكل إنسان محب لدينه، محب للعلم، ولعل أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها منها أسلوبها في التعلم والسؤال والحوار؛ ذلك أنها لما أقبلت على النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن حال النساء في مقابل الرجال.

لم تُقْبِلْ أسماء على النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه متأففة متذمرة شاكية، بل محبة رفيعة الذوق والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ملمة بقضيتها ومعبرة عن وعي النساء بطبيعة وظيفتهن، وهذا يدل على تحرير إرادة المرأة وفاعليتها في مجتمع الإسلام آنذاك، حيث إنها لم تكن كَمًّا مهملاً محجوراً عليه.

أرادت وافدة النساء أن تحصل من النبي صلى الله عليه وسلم على تصريح واضح في مجمع من الصحابة، أن المرأة والرجل أكفاء في شريعة الله تعالى بميزان العدل، لا ترجح كفة أحدهما إلا بالتقوى، كما يقول الله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء، 124)، لكنهما يختلفان في طبيعة الوظيفة؛ (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) (آل عمران، 36)، خلقة ووظيفة وعملاً، لأن الاختلاف في الفطرة والخلقة الجسدية والنفسية نتج عنه التفاوت في التكاليف والمهمات، هي خصوصية تنفرد بها المرأة وتميز سلوكها إلى الله، وليست دونية وعجزاً عن بلوغ مقام الرجال، فالمرأة لديها استعداد فطري للإحسان والرحمة، لأن تَعَهُّدَ الحياة وبناء الإنسان ابناً وأباً وزوجاً يتطلب من المعاناة والصبر ما تقدره المرأة حق قدره.

يعد الحديث مدخلاً عظيماً لفهم وظائف المرأة والرجل وتكامل مسؤولياتهما، كلف الله تعالى النساء بمهمة الحافظية كما كلف الرجال بواجب القوامة جنباً إلى جنب في آية واحدة غير منفصلة؛ (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ) (النساء: 34).

إنه لا خوف على المجتمع المسلم الذي تتكامل فيه حافظية المرأة وقوامة الرجل، وأن المشاركة في واجب السهر على دين الله وحمل العبء ودعم البناء مهمة مشتركة بين الرجال والنساء؛ (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71).

رضي الله عن هذه الصحابية الجليلة أسماء بنت يزيد الأنصارية، الصحابية المتميزة، ورزقنا الله تعالى حسن الاقتداء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة