السيدة زبيدة بنت جعفر.. ساقية حجاج بيت الله الحرام

د. رولا الحيت

29 سبتمبر 2026

31

السيدة زبيدة بنت جعفر.. ساقية حجاج بيت الله الحرام

هي السيدة زبيدة بنت جعفر بن المنصور، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وأم الخليفة محمد الأمين، وأشهر نساء عصرها ثراء وجاهاً وأثراً خيرياً.

أميرة عباسية جدها الخليفة أبو جعفر المنصور وهو من لقبها بـ«زبيدة» لنضارة وجهها، وهي واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ الإسلامي؛ إذ جمعت بين الثروة الهائلة، ونفوذ السلطة، والحس الإنساني العميق الذي سخرته لخدمة المجتمع.

نشأت زبيدة في بيت الخلافة العباسية، ولم تكن مجرد سيدة قصور تعيش في كنف الثروة والرفاهية، بل كانت عقلية قيادية ورائدة في العمل الخيري والتنموي في عصرها؛ ما يجعلها أنموذجاً يسبق عصره في مفهوم المسؤولية المجتمعية لأصحاب الثروات.

حكمة وبراعة السيدة زبيدة

كانت أغنى امرأة في عصرها، وكانت حكيمة وبارعة في إدارة الثروة وتسخيرها، ورثت وحصلت على أموال وأملاك طائلة جعلتها بلا منازع أغنى امرأة في العصر العباسي، إن لم تكن في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

وعلى عكس المتوقع ممن يملكون ثروات خيالية، لم تستأثر بتلك الأموال للمتع الشخصية أو البهرجة الزائفة، بل وجهتها نحو استثمارات أبدية في خدمة الإنسان.

لقد أدركت زبيدة أن المال قوة، وأن القوة العظمى تكمن في القدرة على إحداث أثر إيجابي مستدام، فتحت أبواب قصورها للعلماء، والشعراء، والأطباء، والفقهاء، ورعت حركة العلم والأدب، ودعمت إنشاء المرافق العامة، لم يتوقف طموحها عند حدود العاصمة بغداد، بل امتدت يد عطائها إلى أقصى بقاع الدولة الإسلامية، لتبني مشاريع تتجاوز حدود الزمن.

عين زبيدة

أبرز ما اشتهرت به في التاريخ كان ما يسمى بـ«عين زبيدة»، ذاك الأثر التنموي الخالد، الشاهد الأكبر على عبقريتها وبعد نظرها التنموي، والقصة بدأت عندما حجت زبيدة عام 186هـ، ولمست بنفسها المعاناة الشديدة التي يواجهها حجاج بيت الله الحرام وسكان مكة المكرمة بسبب شح المياه، حيث كانت شربة الماء تباع بأسعار باهظة.

لم تقف موقف المتفرج، بل اتخذت قراراً إستراتيجياً بإنشاء مشروع مائي ضخم يسحب المياه من جبال حنين ووادي نعمان ليصل بها إلى مكة والمشاعر المقدسة (عرفات، ومنى، ومزدلفة)، وكان هذا المشروع من أكبر التحديات الهندسية التي يمكن أن تواجه المعماريين؛ فقد واجه المشروع تضاريس جبلية وصخرية معقدة تتطلب حفر قنوات تحت الأرض لمسافات طويلة، بالإضافة إلى ذلك التكلفة المالية المترتبة، وعندما حذرها المهندسون والماليون من التكلفة الخيالية للعملية، أطلقت مقولتها الشهيرة: «اعملوها ولو تكفلت ضربة الفأس بدينار».

تم هذا المشروع المائي، واستمرت عين زبيدة كمصدر مائي رئيس لضيوف الرحمن وسكان مكة لمئات السنين، وظلت تُرمم وتُصان عبر العصور كأحد أعظم المشاريع الهندسية والإنسانية في التاريخ.

إلى جانب هذا المشروع، قامت بتأمين «طريق زبيدة» الممتد من الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة، حيث شيدت على طول الطريق الاستراحات، وحفرت الآبار، وبنت الحصون والمساجد لتأمين الحجاج والتجار من أخطار الطريق والجفاف.

وقد سهّل إنشاء درب زبيدة السفر على الحجاج من خلال توفير جميع المرافق في ذلك الوقت، كما أدى إلى زيادة الأنشطة الثقافية والاقتصادية في هذه المنطقة، وبقيت درب زبيدة مأهولة لمدة 6 أشهر في السنة.

أحصى الرحالة المسلمون القدماء محطات الطريق ومنازله بين الكوفة ومكة، فبلغت 27 محطة رئيسة، و27 منزلاً (أي محطة ثانوية)، وهي محطة استراحة تشيد على مسافة محددة بين كل محطتين رئيستين، غير أن دراسة علمية حديثة حددت باستخدام بيانات نظم المعلومات الجغرافية وجود 59 محطة فرعية.

وأظهرت نتائــج تحليل البيانـات في هذه الدراسة أن متوسـط المسـافات بين محطـات درب زبيـدة الرئيسـة 58 كلـم، وهـي مسافة متوافقـة مـع احتياجات الإنسان القديــم ووسـائل النقـل المتاحة عنـد السـفر، وهـو مـا يؤكـد أن اختيــار مواقــع هــذه المحطات تــم وفــق توزيــع مكاني مثالي ليضيـف قيمـة هندسـية في عمليـة تجزئـة المسافات وفــق الاحتياج الطبيعــي لعابــري هــذا الــدرب ووســائل النقــل المتاحة في ذلــك العــصر.

بناء المساجد وتحفيظ القرآن

هذا ما نقل لنا عن عين زبيدة، ولكن السيدة زبيدة كانت كذلك مهتمة بالعلم وبناء المساجد وتحفيظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى اهتمامها بمختلف العلوم والشعر والشعراء.

هذه المرأة العظيمة حري بنا أن نتخذ منها قدوة نقدمها للجيل الناشئ، والسؤال: كيف تتخذ المرأة والمعاصرون زبيدة قدوة في العصر الحديث؟

تقديم شخصية زبيدة بنت جعفر ليس مجرد استرجاع للتاريخ، بل هو استدعاء لقيم نحن بأشد الحاجة إليها اليوم، يمكن استلهام دورها في عصرنا الحالي عبر المحاور التالية:

1- القيادة الريادية والمسؤولية المجتمعية:

تقدم زبيدة درساً للرجال والنساء على حد سواء، ولا سيما لرواد الأعمال وأصحاب الثروات؛ فالمواطنة الصالحة والمسؤولية المجتمعية تتطلب استثمار جزء من رأس المال في مشاريع تنموية قائمة على حل مشكلات حقيقية تعاني منها المجتمعات (كأزمة المياه، والتعليم، والبنية التحتية).

2- تمكين المرأة العقلاني والفاعل:

أثبتت زبيدة أن نفوذ المرأة ومكانتها لا يتحققان بالشعارات، بل بالإنجازات الفردية والمبادرات المستقلة، فقد استطاعت بإرادتها إدارة مشاريع هندسية ولوجستية ضخمة في عصر لم تكن فيه التكنولوجيا الحديثة متوفرة؛ ما يعزز صورة المرأة القيادية وصانعة القرار.

3- التفكير الإستراتيجي والحلول المستدامة:

لم تقدم زبيدة حلولاً مؤقتة لمعاناة الحجاج كإطعام الطعام أو توزيع الأموال وقتياً، بل اتجهت إلى البنية التحتية التي تضمن حل المشكلة من جذورها، هذا الفكر هو جوهر ما نعرفه اليوم بـ«التنمية المستدامة»، وهو الدرس الأهم لمؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية اليوم، فقليل دائم خير من كثير منقطع.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ في حاجة، أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد -يعني مسجد المدينة- شهراً..».

4- التوازن بين الأصالة والمعاصرة:

جمعت زبيدة بين التدين والحرص على العبادة، وبين التفكير العلمي والهندسي والانفتاح على المعارف، كانت قدوة في الجمع بين سمو الروح وعمارة الأرض، وهو التوازن المطلوب لأي مجتمع يطمح للنهوض.

لم تكن زبيدة بنت جعفر مجرد زوجة خليفة أو امرأة ثرية عاشت في حباك التاريخ، بل كانت مؤسسة تنموية متحركة بشخص واحد، حيث إن تجربة حياتها تؤكد أن الثروة الحقيقية لا تقاس بما يجمعه الإنسان في رصيده، بل بما يتركه من أثر ينفع الناس ويمكث في الأرض.

وفي عصرنا الحديث، تبقى سيرتها منارة لكل من يملك طاقة أو مالاً ويرغب في صناعة فارق حقيقي ومستدام في مجتمعه، ونتذكر هنا توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى جعل من الثواب على بعض الأعمال الصالحة، أن أجرها يلحق صاحبها ولو بعد مماته؛ كمثل ما ورد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة