هدي الإسلام في الرعاية الأسرية
من يتذكر موعد
تطعيم الطفل، ويتابع واجباته المدرسية، ويرعى الوالدين عند مرضهما، ويلاحظ
احتياجات المنزل قبل أن يطلبها أحد؟
غالباً ما تُنجز
هذه المهام الروتينية الصغيرة بعيداً عن الأنظار، لكنها تستنزف الوقت والجهد، وقد
تتحول إلى عبء دائم حين تقع على عاتق شخص واحد.
لهذا، فإن
الرعاية الأسرية مسؤولية مشتركة ينبغي أن تقوم على التعاون وتوزيع الأعباء بإنصاف،
لا على تضحية فردية يُنتظر من المرأة أن تتحملها بلا انقطاع، فكيف يمكن للأسرة
الحفاظ على دفئها واستقرارها، مع مراعاة احتياجات جميع أفرادها، سواء أكانوا
يعملون خارج المنزل أم يتولون شؤونه من الداخل؟
ويكشف هذا
السؤال عن جانب مهم من حياة الأسرة المعاصرة؛ إذ يتطلب تحقيق الاستقرار الأسري
إعادة النظر في كيفية توزيع مهام الرعاية، حتى لا تصبح رعاية الآخرين سبباً في
استنزاف فرد واحد، ولا سيما المرأة التي يُنتظر منها في كثير من البيئات الجمع بين
العمل المنزلي والتربية والرعاية، سواء أكانت تعمل خارج المنزل أم لا.
الرعاية الأسرية مسؤولية مشتركة.. ماذا تقول الأرقام؟
توضح بيانات
مصرية حجم التفاوت في توزيع أعباء الرعاية، فبحسب موجز بحثي نشره منتدى البحوث
الاقتصادية في يناير 2025م، استناداً إلى بيانات مسح سوق العمل المصرية لعام 2023م،
تشارك 84% من النساء المصريات بين 15 و64 عاماً يومياً في أعمال الرعاية غير
مدفوعة الأجر، مقابل 34% من الرجال، كما تقضي النساء في هذه الأعمال 5.4 ساعات
يومياً في المتوسط؛ أي أكثر من 5 أضعاف الوقت الذي يقضيه الرجال.
وفي المملكة
المتحدة، تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن النساء يقضين نحو
249 دقيقة يومياً في الأعمال غير مدفوعة الأجر، مقابل 140 دقيقة للرجال، ويشمل ذلك
الأعمال المنزلية ورعاية أفراد الأسرة وغيرها من الأنشطة التي لا يتقاضى القائمون
بها أجراً، وتوضح هذه الأرقام أن التفاوت في أعباء الرعاية ليس مقتصراً على مجتمع
بعينه، بل يرتبط بنمط توزيع المسؤوليات داخل الأسرة، حتى في المجتمعات ذات
الاقتصادات المتقدمة.
وتكتسب هذه
الفجوة أهمية خاصة عندما تجتمع مسؤوليات المنزل مع العمل المأجور، فقد تجد المرأة
نفسها مطالبة بأداء وظيفتها، ثم العودة إلى وظيفة متكاملة أخرى من الطبخ والتنظيف
ومتابعة الأبناء ورعاية أفراد الأسرة، بينما يظل جانب كبير من هذا الجهد غير مرئي
أو غير مقدَّر.
وعلى المستوى
العالمي، أفادت منظمة العمل الدولية بأن 708 ملايين امرأة كن خارج سوق العمل عام
2023م بسبب مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر، وتوضح هذه البيانات أن طريقة توزيع
الرعاية داخل الأسرة ترتبط أيضاً بفرص التعليم والعمل والاستقلال الاقتصادي، وليست
مجرد مسألة تتعلق بتنظيم الأعمال المنزلية.
وتؤكد هذه
المؤشرات أن الرعاية الأسرية مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المساعدة العرضية في
الأعمال المنزلية؛ فهي تشمل التخطيط لشؤون الأسرة، ومتابعة احتياجات أفرادها،
وتحمّل المسؤولية اليومية عن راحتهم وسلامتهم، وعندما تتركز هذه الأعباء في شخص
واحد، فإن آثارها قد تمتد إلى فرصه في العمل والتعلم والراحة، وهو ما يجعل تقاسم
الرعاية ضرورة لاستقرار الأسرة واستدامته.
كيف تصبح الرعاية عملاً مشتركاً داخل الأسرة؟
لا يبدأ التغيير
بالضرورة بإعادة توزيع كل مهمة بالتساوي، بل بالاعتراف بأن الرعاية عمل مستمر
يحتاج إلى وقت وتخطيط ومشاركة، ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات عملية، منها:
1- تقاسم
المسؤوليات الفعلية: يتولى كل فرد مهام واضحة تناسب عمره وقدرته وظروفه، بدلاً من
انتظار أن تطلب المرأة المساعدة في كل مرة.
2- توزيع العبء
الذهني: لا تقتصر الرعاية على تنفيذ المهام، بل تشمل تذكّر المواعيد، والتخطيط
لاحتياجات الأبناء، ومتابعة شؤون المنزل واتخاذ القرارات المتعلقة به.
3- مراعاة ظروف
أفراد الأسرة: قد تتغير المسؤوليات بحسب ساعات العمل والمرض ووجود أطفال صغار أو
كبار في السن يحتاجون إلى الرعاية، المهم أن يُناقش توزيعها بإنصاف، وألا يتحول
الظرف المؤقت إلى عبء دائم على شخص واحد.
4- تقدير وقت
الراحة: تحتاج المرأة، كما يحتاج سائر أفراد الأسرة، إلى وقت للنوم والتعلم والعمل
والعبادة والراحة، ولا ينبغي أن يصبح حصولها على هذه المساحة مشروطاً بانتهاء جميع
احتياجات الآخرين، وهي احتياجات قد لا تنتهي أصلاً.
هدي الإسلام في رعاية الأسرة
ينطلق التصورالإسلامي للحياة الزوجية من حسن العشرة وصيانة الحقوق، لا من استغلال ما يقدمه أحد
الطرفين أو اعتباره أمراً مفروغاً منه، قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، والمعاشرة بالمعروف تقتضي مراعاة الأحوال، وحسن
التعامل، والحرص على ألا تتحول الحياة المشتركة إلى مصدر للمشقة والإجحاف.
ويقدم سلوك
النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً عملياً في خدمة الأسرة؛ فعن عائشة رضي الله عنها
أنها سُئلت عما كان يصنع في بيته، فقالت: «كان يكون في مهنة أهله (في خدمتهم
ومساعدتهم) فإذا حضرت الصلاة خرج إليها» (رواه البخاري).
ويكشف هذا
الحديث عن قيمة عملية مهمة؛ أن خدمة الأسرة لا تنتقص من قدر الإنسان، بل تنسجم مع
حسن الخلق والتواضع، ولا يعني ذلك أن جميع الأسر مطالبة بتوزيع كل مهمة بالطريقة
نفسها؛ فالأحوال والقدرات تختلف، لكن التعاون والرفق ومراعاة احتياجات أفراد
الأسرة تظل معانيَ أصيلة من حسن العشرة.
من التضحية الفردية إلى الاستقرار الأسري
قد تتطلب الحياة
الأسرية تضحيات من أفرادها، لكن التضحية تفقد معناها الإيجابي حين تُفرض باستمرار
على شخص واحد، ويُعامل تعبه وكأنه واجب لا يستحق التقدير أو المساندة.
وتكون الرعاية
الأسرية مسؤولية مشتركة حين يدرك كل فرد أن استقرار المنزل لا يتحقق بجهد شخص
واحد، بل بتعاون الجميع وفق قدراتهم وظروفهم، فحماية الأسرة لا تعني استنزاف
المرأة باسم المحبة، وإنما بناء بيئة يجد فيها كل فرد من يرعاه، ويقدّر جهده،
ويشاركه المسؤولية عندما يحتاج إلى الدعم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً