من التشخيص المبكر إلى الذكاء الاصطناعي..

أسئلة وأجوبة لا بد أن تعرفها كل أسرة عن «الدسلكسيا»

أحمد جمال

26 أكتوبر 2026

22

أسئلة وأجوبة لا بد أن تعرفها كل أسرة عن «الدسلكسيا»

هل يتهجّى طفلك الكلمات بصعوبة رغم تكرار التدريب؟ وهل يستغرق في قراءة فقرة قصيرة وقتًا أطول بكثير من زملائه، أو يتهرب من الواجبات لأنه يخشى الخطأ والسخرية؟ وهل يمكن أن يتحول وصفه بأنه كسول أو ضعيف إلى مشكلة نفسية وتعليمية أكبر مثل «الدسلكسيا» بينما يحتاج في الحقيقة إلى طريقة مختلفة للتعلم؟

تقدير متداول في الأبحاث عن الكويت يضع انتشار تعسر القراءة المعروف بـ«الدسلكسيا»، عند 6.3%، لكنه يعود إلى بيانات قديمة من عام 2002م ولا يمثل مسحاً وطنياً حديثاً.

في دراسة كويتية نشرتها المجلة الدولية للتربية الخاصة، بتاريخ 17 أكتوبر 2026م، اختُبر برنامج تدريبي على 30 طالباً من الصفين الرابع والخامس، وأظهرت النتائج تحسناً لدى المجموعة التي تلقت التدريب.

وبين الرقم القديم والعينة المحدودة يبقى السؤال الذي يهم الأسرة عن كيفية معرفة أن تعثر الطفل ليس مجرد تأخر عابر، ومتى يمكنهم طلب مساعدة متخصصة؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في الكويت، مع استعداد «الجمعية الكويتية للدسلكسيا» لعقد مؤتمرها السنوي الثاني يومي 13 و14 ديسمبر المقبل، وفقًا لما نشر على الموقع الرسمي للجمعية، تحت عنوان «الدسلكسيا والذكاء الاصطناعي: من التشخيص المبكر إلى التعلم الذاتي»، بمشاركة معلنة من أكثر من 80 متحدثًا من أكثر من 40 دولة، لمناقشة فرص توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم ذوي صعوبات التعلم.

ويأتي المؤتمر في وقت يتزايد فيه الاهتمام بتطوير خدمات التشخيص والرعاية والتأهيل، حيث بحثت وزيرة الشؤون الاجتماعية والأسرة والطفولة د. أمثال الحويلة، مع ممثلي الجمعية في 19 أكتوبر، سبل تطوير البرامج وتبادل الخبرات خليجياً، بحسب «وكالة الأنباء الكويتية» (كونا).

ليست قلة ذكاء

من أكثر ما يربك الأسرة أن الطفل قد يتحدث بطلاقة ويفهم ما يسمعه، ويملك فضولًا وذكاءً ظاهرين، لكنه يتعثر عندما يمسك الكتاب أو يحاول كتابة ما يعرفه، هنا ينبغي التوقف عن افتراض أن المشكلة ضعف في الذكاء أو نقص في الاجتهاد.

«الدسلكسيا» أحد اضطرابات التعلم المحددة، وتظهر أساساً في صعوبات اكتساب القراءة ودقتها وطلاقتها، وقد تصاحبها صعوبات في التهجئة والكتابة، وهي ليست مرادفاً لكل ضعف دراسي، فقد يتراجع التحصيل لأسباب تعليمية أو نفسية أو صحية أو أسرية، كما أن اضطراب الانتباه وفرط الحركة يختلف عن صعوبات التعلم، وإن أمكن أن يجتمعا لدى الطفل نفسه.

وتؤكد آمال الساير، رئيسة الجمعية الكويتية لاختلافات التعلم (كالد)، في تصريحات صحفية لجريدة «الجريدة»، أهمية التمييز بين صعوبات التعلم واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، مع التشديد على دور الأسرة والمدرسة في توفير الدعم المناسب، وهذا التمييز ليس تفصيلاً اصطلاحياً، فالتشخيص الخاطئ قد يقود إلى مسار مساعدة لا يعالج المشكلة الفعلية.

علامات تستحق الانتباه

لا توجد علامة منفردة تكفي للحكم بأن الطفل لديه «دسلكسيا»، لكن تكرار بعض الصعوبات واستمرارها يستحقان التقييم، خاصة إذا ظهرت الفجوة بين فهم الطفل وقدرته على القراءة بوضوح.

قد يواجه الطفل صعوبة في الربط بين الحروف وأصواتها أو قراءة الكلمات الجديدة أو التمييز بين أصوات متقاربة أو تهجئة الكلمات وكتابتها بصورة مستقرة، وقد يقرأ ببطء شديد أو يتجنب القراءة أمام الآخرين أو يشعر بالإحباط كلما طُلب منه أداء مهمة تبدو سهلة لأقرانه.

المهم أن تنظر الأسرة إلى استمرار الصعوبة وتأثيرها، لا إلى خطأ عابر أو قلب حرف مرة واحدة، كما ينبغي عدم تحويل الملاحظة المنزلية إلى تشخيص ذاتي؛ لأن التقييم المتخصص هو الذي يساعد على تحديد طبيعة المشكلة، والتمييز بينها وبين أسباب أخرى تؤثر في التعلم.

ماذا تقول الأرقام؟

وفقًا لدراسة منشورة في مجلة «Research in Developmental Disabilities» العلمية المتخصصة في الإعاقات النمائية، في سبتمبر 2024م، جمعت مراجعة منهجية وتحليل إحصائي 18 دراسة عربية شملت 30243 طفلًا في سن الدراسة الابتدائية، وقدّرت النسبة المجمعة لعسر القراءة في الدراسات المشمولة بنحو 11% مع اختلافات بين المناطق والدراسات، حيث بلغ التقدير المجمع للدراسات الخليجية 24%، مقابل 13% في الدراسات من الدول العربية غير الخليجية.

لكن هذه النتائج لا تعني أن واحدًا من كل أربعة أطفال في الكويت لديه «دسلكسيا»، فالتقديرات تختلف باختلاف العينات والأدوات ومعايير التشخيص، ولا يجوز نقل النسبة الإقليمية إلى دولة بعينها دون مسح وطني ممثل.

وتكشف دراسة كويتية أخرى نُشرت عام 2025م، في مجلة جامعة دمشق للعلوم التربوية والنفسية، للباحث نوري يوسف الوتار، بعنوان بعض «المتغيرات المسببة لضعف القراءة لدى طلبة المرحلة الابتدائية في دولة الكويت»، تكشف جانباً مختلفاً من المشكلة، حيث استطلعت آراء 823 معلماً ومعلمة في المرحلة الابتدائية حول أسباب ضعف القراءة لدى الطلبة، وجاءت العوامل الشخصية في مقدمة متوسطات التقدير، تلتها العوامل التعليمية ثم الأسرية والاجتماعية.

ومع أن هذه الدراسة لا تعتبر إحصاءً لانتشار «الدسلكسيا»، لكنها نتائج عن تصورات المعلمين لأسباب ضعف القراءة، إلا أنها تذكّر بأن تعثر الطفل قد تتداخل فيه عوامل متعددة، ولا ينبغي اختزال كل الحالات في تفسير واحد.

أما تسجيل 7970 حالة ضمن فئة الإعاقة التعليمية وفقاً للإحصاءات الرسمية المنشورة على الموقع الإلكتروني للهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة في الكويت، والمحدّثة في 18 أكتوبر 2026م، فلا يصح اعتباره عدد الأطفال المصابين بـ«الدسلكسيا»، فالفئة أوسع من عسر القراءة ولا تقدم الرقم المطلوب بصورة مستقلة، وتبقى الحاجة قائمة إلى بيانات وطنية حديثة تفصل أنواع صعوبات التعلم وتوضح مدى انتشارها.

التشخيص بداية الطريق

إذا استمرت الصعوبة رغم التعليم والتدريب المعتادين، فالخطوة الأهم ليست مضاعفة اللوم أو ساعات الواجب، وإنما طلب تقييم لدى جهة متخصصة في صعوبات التعلم، مع الانتباه إلى أن التقييم يحتاج إلى النظر في مهارات القراءة والكتابة واللغة والتاريخ التعليمي للطفل وما إذا كانت هناك عوامل أخرى تستدعي الفحص.

وبحسب المعلومات المنشورة على الموقع الإلكتروني لمركز تقييم وتعليم الطفل في الكويت، بشأن خدمات تقييم صعوبات التعلم وتطوير الاختبارات والبرامج التعليمية المتخصصة، أعلن المركز تقييماً عن عمله في تطوير أدوات تقييم وبرامج تدخل تتناسب مع اللغة العربية والسياق التعليمي المحلي، إلى جانب برامج للقراءة والكتابة وتدريب المعلمين.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن أدوات التقييم والتدخل لا بد أن تراعي خصائص اللغة التي يتعلم بها الطفل، لا أن تكتفي بنقل أدوات صُممت لبيئات لغوية أخرى.

ولا يعني التشخيص وضع وصمة على الطفل؛ بل يفترض أن يفتح الطريق لفهم احتياجاته وبناء خطة مناسبة له بالتعاون بين المختصين والمدرسة والأسرة.

تدريب يصنع فرقًا

في الدراسة الكويتية المنشورة في أكتوبر 2026ن، شارك 30 طالبًا تتراوح أعمارهم بين 9 و11 عامًا، وُزّعوا إلى مجموعتين، تلقت إحداهما برنامجاً للتدريب على الوعي الصوتي، فيما واصلت الأخرى المنهج المعتاد، واستمر البرنامج 12 أسبوعاً، بواقع 36 جلسة مدة كل منها 45 دقيقة، وأظهرت النتائج تحسناً في مهارات الوعي الصوتي والقراءة لدى المجموعة التي تلقت التدريب.

والوعي الصوتي هو قدرة الطفل على ملاحظة أصوات الكلمات ومقاطعها والتعامل معها، وهي مهارة تساعده على الربط بين ما يسمعه وما يقرأه، لكن الدراسة رغم أهمية نتائجها شملت عينة صغيرة ولم تتابع أثر البرنامج على المدى الطويل، لذلك لا تكفي وحدها لتعميم النتائج على جميع الأطفال، بل تقدم مؤشرًا يدعم أهمية التدخل المنظم.

الأسرة شريك أساسي

ووفقاً لاختصاصين، فإن الطفل لا يحتاج في المنزل إلى تحويل كل لحظة إلى اختبار جديد، حيث يمكن للوالدين تخصيص وقت قصير ومنتظم للقراءة المشتركة، وتشجيعه على المحاولة دون مقاطعة متكررة أو مقارنة بإخوته وزملائه، والاحتفاء بالتقدم الصغير بدل التركيز على الأخطاء وحدها.

ويوصي الاختصاصيون بضرورة إبلاغ المدرسة بالصعوبات الملحوظة، وطلب تنسيق الجهود مع المختصين، حتى لا يتلقى الطفل رسائل متناقضة بين البيت والفصل، والأهم أن يسمع الطفل رسالة واضحة فحواها أن صعوبة القراءة لا تختصر قدراته، والخطأ ليس دليلًا على الفشل، وطلب المساعدة ليس عيبًا، فالضرر لا يأتي من الصعوبة وحدها بل قد يتضاعف عندما تتحول إلى اتهام دائم أو مصدر للسخرية وفقدان الثقة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة