التقليد الأعمى.. لماذا جحر الضب؟

التقليد الأعمى

إن أكبر نعمة يجب أن يحافظ عليها الإنسان أن يسمي الأشياء بمسمياتها، لأنها دليل أكيد وفطري على آدميته، فالله تعالى قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31)، فالاسم في أصله له وضع معروف، وحفاظك عليه دليل على آدميتك، قبل أن يكون من جوهر ديانتك.

وعندما تختلط المفاهيم، فلا عجب إذاً أن يصير القبح موضة، والذوبان وترك القيم انفتاحاً، والحفاظ على الدين رجعية، والتمسك بالهدي الظاهر والباطن تخلّفاً.

أمثلة العرب عن الضب

فجحر الضبّ لم يذكر عبثاً في الحديث: «لتتبعنّ سَنَنَ من كان قبلَكم، شبْرًا بشبر، وذراعا بذراع، حتَى لو سلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسلَكْتُموه» (رواه البخاري، ومسلم)؛ فجحره ضيق مظلم مستقذر، ملتوٍ ورديء، والعرب قد ضربت بالضب المثل فقالت: «لا أفعله حتى يرد الضب»؛ لأن الضب لا يرد الماء.

وقالوا: «أضلّ من ضب»، والضلال ضد الهداية، و«أعقّ من ضب»؛ يريدون الأنثى وعقوقها لأنها تأكل أولادها، و«أحيا من ضب»؛ أي أطول عمراً، و«أجبن من ضب» و«أبله من ضب» و«أخدع من ضب»!

وذكروا عنه أنه لا يشرب الماء ويعيش 700 سنة فصاعداً، ويقال: إنه يبول في كل 40 يوماً قطرة، ولا تسقط له سنّ، ويقال: إن أسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة.

صفات الضب وجحره

وذكر الضب في الحديث يكشف عن مدى أهمية الحرص على التمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، لما في الضبّ من مساوئ، كانت تعرفها العرب وتنفر منها، فالضب:

  • بينه وبين العقارب مودة، يؤويها في جحره لتلسع من يدخل يده لأخذه.
  • في طبعه النسيان وعدم الهداية.
  • يضرب به المثل في الحيرة، ولذلك لا يحفر جحره إلا عند أَكَمة أو صخرة لئلا يضل عنه، إذا خرج لطلب المطعم.
  • يوصف بالعقوق؛ لأنه يأكل حسوله (أولاده) فلا ينجو منها إلا ما هرب.
  • طويل العمر، ومن هذه الجهات يناسب الحيات والأفاعي.
  • ومن طبعه أنه يرجع في قيئه كالكلب، ويأكل رجيعه.
  • طويل الدم بعد الذبح وهشم الرأس، يقال: إنه يمكث بعد الذبح ليلة ويلقى في النار فيتحرك.
  • من شأنه في الشتاء ألا يخرج من جحره.
  • لا يتخذ جحره إلا في كدية جحر (مكان صلب)؛ خوفاً من السيل والحافر.
  • يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحدق للشمس.

فعندما تقرأ مثل هذه الصفات تجد مدى خطورة التقليد، وتستشعر أن المقلّد صار كالأعمى، صورة ومعنى، وراء من يقلّده، فالتقليد من دون عقل أو شرع يجرّ على الإنسان كل شر، فيخسر آخرته بعد أن يخسر دنياه وقيمه ومبادئه.

فالتقليد الأعمى يعمي البصيرة ويقلب المفاهيم ويزيف الحقائق، لأن المقلد صار أسيراً لهواه، وعندما يركب الإنسان الهوى، فإنه يحول بين الحق والفطرة، فالهوى ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويخفي الدروب، والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى، تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السر والعلن.

لذلك، حينما يترك الإنسان لنفسه الهوى لا تتعجب أن ينزلق في جحر بمثل هذه الصفات، بل يكون حريصاً على دخوله «شبراً بشبر وذراعاً بذراع».

فالتشبه والاتباع يكون في قصير الأمر وطويله، وصغيره وكبيره، وجليله وحقيره، بل دقيقاً في غاية الدقة «حذو القُذَّةِ بالقُذَّة، والنعل بالنعل»، فالتشبه والمشابهة ستكون كاملة حتى تقترب من المطابقة، كمشابهة ريشة السهم بأختها، ومشابهة فردة النعل بمجاورتها.

هدى شعراوي.. والتقليد الأعمى

ولعل أغرب مثل في التقليد الأعمى هو ما فعلته هدى شعراوي، حينما لم تكن متسقة مع ذاتها وأفكارها، حال اصطدامها مع حياتها وما يخصّ ويمسّ اسم عائلتها.

لم يكنْ يَدُرْ بخلد هدى شعراوي، عندما طرحت البرقع أرضاً عام 1923م، وهي تنزل من القطار في القاهرة، وشجعت أخريات على مثل فعلها، أنها ستقع في أصعب اختبار في حياتها، وأن ممارستها على الأرض تختلف تماماً مع أفكار ومبادئ المؤسسة للاتحاد النسائي المصري، حينما لم تقبل أن يتزوج ابنها دون رضاها، خاصة إذا كان الولد المدلل العابث يعشق فنانة أو مطربة.

كان مكمن الخطورة في الباطن يتنافى مع الظاهر، ليثبت هشاشة الأفكار؛ وأنها مجرد هشيم من النار، يحرق القيم التي تربى عليها المجتمع الشرقي.

فكيف لابنها، حفيد وسلسل محمد باشا سلطان، رئيس أول مجلس نواب في تاريخ مصر، رجل الخديوي في الصعيد، أن يتزوج مطربة لا تتناسب مع ثروته وأصوله الرفيعة، فهو ابن الطبقة العليا من المجتمع؟!

هذه الواقعة ذكرها الكاتب الكبير مصطفى أمين في كتابه «مسائل شخصية»، التي حوّلها لاحقاً إلى عمل سينمائي باسم «فاطمة» أدت بطولته المطربة أم كلثوم، ونُشرت تفاصيله في الجرائد مطلع القرن الماضي.

لم يكن رفض شعراوي عائلياً فقط، بل كانت قوية كقوة علاقاتها التي استخدمتها كنفوذ طبقي للضغط على المطربة الشابة بالتهديد، بتلفيق تهمة الدعارة عبر ملف سري لها في شرطة الآداب.

أدت قرارات نصيرة المرأة في النهاية إلى اشتعال معركة بينها وبين ابنها وزوجته المطربة، فقرر ابنها السفر إلى أوروبا وطلب من زوجته اللحاق به.

المرافعات والضغوط والتدخلات استغرقت سنوات، لكنّ المحكمة الشرعية قالت كلمتها، وحكمت بأن «ليلى» هي ابنة محمد شعراوي، وخضعت شعراوي لحكم القضاء، لكنها حرمت الطفلة من رؤية والدتها.

هذه الواقعة تكشف عن فجوة عظمى بين ما ندعيه وما نمارسه حال الاختبار، وكأن الواقعة تؤكد لنا أننا في النهاية أبناء حضارة الإسلام والشرق الذي يمثل جذوراً صلبة في منظومة القيم، وأن اللهث وراء الدعوات الغربية التي لا تناسب قيمنا ستنتهي في النهاية، لتجد نفسك في جحر ضب خرب من الأفكار، بعد أن تخسر قيمك ومبادئك في أول اختبار.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة