العناد الطبيعي عند الأبناء (24)

عناد الأطفال والبحث عن الاهتمام

صورة رمزية عن تعامل الوالد مع الطفل العنيد الذي يبحث عن الاهتمام

قد يظن كثير من الآباء والأمهات أن عناد الأطفال دائماً وأبداً تَحَدٍّ منهم، ولذلك يَعُدُّون له العُدَّة لقهره في مَهده، ولكن الواقع يقرر أنه ليس كذلك، فليس كل طفل يرفع صوته، أو يرفض طلباً، أو يُصِرّ على رأيه، هو بذلك يريد أن يدخل في معركة مع والديه، فقد يكون العناد في بعض المواقف محاولة غير واعية أو غير ناضجة للبحث عن الاهتمام.

فالطفل لا يملك دائماً القدرة على أن يُعبِّر عن مشاعره فيقول: «أريد أن أشعر أنكم ترونني، وتسمعونني، وتهتمون بما أشعر به»، فيُعبِّر عن حاجته بلُغة السلوك ليجذب الانتباه، فيُصبح العناد أحياناً وسيلة ليستدعي بها الطفل حضور والديه واهتمامهم.

وهنا تكمُن المفارقة التربوية؛ فقد ينشغل الوالدان بإيقاف السلوك، بينما يكون الطفل منشغلاً بجذب الانتباه؛ فيحصل على قدر كبير من التفاعل بسبب عناده، فيتعلم حينها بصورة مباشرة أن المقاومة الطريق الأسرع إلى الحضور والاهتمام، ومن هنا لا بُـدَّ من الانتباه والتركيز فيما وراء السلوك، حتى لا نُخطئ من حيث نريد الإصلاح.

السلوك المزعج قد يُخفي احتياجاً عاطفياً

علينا أن نعلم أنه ليس كل سلوك مُزعج نراه عند الأبناء رسالة عن سوء في الطفل؛ ولكن قد يكون هذا السلوك لغة بديلة عن مشاعر مكبوتة، وفي الوقت نفسه لم يتعلم كيف يُعبِّـر عن مثل هذه المشاعر، فالإلحاح، والرفض، وكثرة الجدال، كل ذلك قد يُخفي خلفه حاجة إلى الاهتمام، أو حاجة إلى فقدان الاحتواء، أو عدم الشعور بالتقدير أو الانتماء.

فالطفل لا يستطيع دائماً أن يقول: «أنا أحتاج إليكم»، «أنا أفتقدكم»، «أنا أفتقد إلى وجودكم النفسي قبل الجسدي»، بل قد يجعل سلوكه هو الذي يتحدث بالنيابة عما يريد.

وهنا تظهر قيمة الوعي التربوي؛ وقيمة الوعي بما وراء السلوك؛ فالمُربِّي الواعي هو الذي لا يقف عند السلوك فحسب، وإنما يجتهد في أن يفهم الرسالة والاحتياج الذي وراء السلوك؛ فيتعامل مع الرسالة بوعي وحكمة، ثم يبدأ في علاج السلوك، وذلك لأن تجاهل الحاجة عند الأبناء قد يزيد اضطراب السلوك، والاستجابة للسلوك الخاطئ قد تُعزِّزه.

أما أن تمنح الطفل حاجته واحتياجه المشروع، مع الحفاظ على الحدود والقوانين والضوابط، فذلك يُعلِّمه أن مشاعره مسموعة، وأن التعبير عنها ممكن دون عناد أو صدام.

حينما يصبح عناد الأطفال لغة خفية لطلب الاهتمام

من الخطورة بمكان أن نُلجئ أبناءنا لسلوكيات غير مرغوب فيها، فمثلاً عدم اهتمام الوالدين بأبنائهما قد يُلجئ أحد الأبناء إلى سلوك العناد طلباً للاهتمام، فحين لا يجد الطفل اهتمامه في صورته الطبيعية، قد يبحث عنه بوسائل أخرى، حتى ولو كانت مزعجة أو غير مقبولة، ولذلك لا يكفي أن نُصحح السلوك؛ بل علينا أن نسأل أولاً: ما الحاجة التي يحاول الطفل التعبير عنها من خلال هذا السلوك؟ أو بصيغة أخرى: ماذا وراء هذا السلوك؟

فلا بد أن نكون على وعي تام بأن الأطفال أحياناً لا يعرفون كيف يُعَبِّرُون عن احتياجاتهم، وليس لديهم القدرة على طلب ما يريدون، فحينها يطلبون احتياجاتهم بصورة خاطئة أو مُنفرة، كالذي يتحدث بسلوكه لا بلسانه، فيرفض الأوامر، أو يجادل من أجل الجدال، أو يُصِرّ على شيء يعلم أنه خاطئ، وهو يقوم بفعل مثل هذه السلوكيات حتى يضمن أن تلتفت الأسرة إليه.

الاهتمام الإيجابي يقلل حاجة الطفل إلى لفت الانتباه بالعناد

حينما يجد الطفل الاهتمام من والديه حاضراً، ويرى أن الحوار في الأسرة شيئاً أساسياً، وأنه مسموع، وأنه يرى التقدير والاحترام له من قِبل والديه، هنا ستقل حاجته إلى انتزاع الانتباه منهم بالسلوك المزعج، فالطفل الذي يشعر أنه مرئي ومسموع ومُقدَّر لا يحتاج دائماً إلى رفع مستوى العناد حتى يلتفت إليه والداه.

والاهتمام الإيجابي لا يعني الاستجابة لكل طلب من الطفل، وإنما يعني أن يحصل الطفل على حضوره العاطفي دون أن يُضطر إلى صناعة مشكلة للحصول على إشباع مشاعره.

فأشبِع حاجته بالاهتمام به وباهتماماته، ولا تكافئ عناده بالاستجابة الخاطئة، ولا تُعزِّز الطرق السلبية التي يُعبر بها عن احتياجاته بالاندماج معه وتلبية رغباته، وذلك حتى يتعلم أن الطريق إلى قلب والديه لا يمُـرّ عبر الصدام.

وحينما يُصبح الاهتمام نتيجة لعناد الطفل! هنا تكبر المشكلة؛ ليست المشكلة في أن يحتاج الطفل إلى الاهتمام، فهذه حاجة إنسانية طبيعية بل وصحية، وإنما المشكلة في أن يتعلم الطفل -بصورة غير واعية- أن العناد الطريق الأسرع للحصول على الاهتمام، فإذا كان الطفل لا يحظى بتفاعل كبير إلا حينما يعاند ويرفض ويُصِرّ، أو يثير مشكلة، فقد يبدأ السلوك المزعج في اكتساب قيمة وظيفية بالنسبة له، ويُصبح تكراره أكثر احتمالاً، لأن الطفل وجد نتيجة سريعة للسلوك المزعج.

وهنا ينبغي أن ينتبه المُرَبِّي إلى الفرق بين الاستجابة للحاجة والاستجابة للسلوك؛ فليست الحكمة أن نحرم الطفل من الاهتمام حتى لا يعاند، ولا أن نمنحه ما يريد كلما عاند؛ وإنما أن نمنحه اهتماماً حقيقياً، ونستجيب لمشاعره دون أن نجعل العناد وسيلة لتحقيق مطالبه والضغط علينا لتلبية طلباته.

يقول د. محمدأحمد إسماعيل المقدَّم(1): «أحياناً يكون الطفل قد حَصَلَ له تقصير في الاهتمام به من قِبَل الوالدين؛ فيكون العناد هو وسيلة لإثبات الذات، ولجذب الأنظار إليه، ويريد أن يكون مَحَطّ اهتمام الأسرة، وإخوته، أو أقرانه، فيرَى أن العناد وسيلة لإثبات الذات والتحدي.

ففي الحقيقة، في هذه الحالة حينما يكون العناد لإثبات وجوده وإثبات ذاته، فهذا يُعتبر الوجه الحسن للعناد، وذلك لأن العناد له وجه حسن ووجه قبيح، فالوجه الحسن من العناد يُعتبر دلالة على أن الطفل يكتشف نفسه، ويريد أن يكون له كيان مستقل عن الكبار، وهذا يُشجع فيه الفردية والشجاعة والاستقلالية، وهذا هو الوجه الحسن من العناد.

فهو يقول: ها أنا ذا، أنا موجود، أنا لستُ نكرة، وهذا نمو طبيعي، يبدأ يشعر فيه بذاته واستقلاليته وبشخصيته، ولكن هو يُعبِّر عنه بطريقة غير سليمة، وفي الوقت نفسه هو يُعبر عن معنى صحيح، ألا وهو الذاتية، فهنا لا بد أن نُعلِّمه الطريقة الصحيحة للتعبير عن احتياجاته، ونُعلمه أن العناد والتحدي والغضب ليست الطريقة السوية لتحقيق المطالب، لأن الحياة أخذٌ وعطاء، فالإنسان إذا تعود على الأخذ والعطاء فهو يَرضى عن ذاته ويَرضَى عنه الآخرون والمُحيطون به، ويتعلم التعاون والتفاهم مع الآخرين(2).

الهوامش
  • 1 طبيب بشري متخصص في الصحة النفسية، دبلوم الصحة النفسية جامعة الإسكندرية.
  • 2 بتصرف يسير من مادة صوتية بعنوان «الطفل العنيد.. مشكلات وحلول».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة