الاستعمار التشريعي في بلادنا
أقول في البداية، بأنني كمسلم أقف دون شك
في صف المطالبين بتطبيق الشريعة، لا فقط لأن ذلك يحقق مصلحة لأمتنا، بل أيضًا لأننا
كمسلمين مأمورون من قبل الله تعالى، ولا يمكن أن يجري التعامل مع التعاليم الإلهية
حسب أهواء الناس، فينقذ بعضها ويترك البعض الآخر- بهذا المعنى هنالك موقف إسلامي مبني
على الإيمان وعلى شمولية النظرة للعالم وللكون، فلا يمكن انتقاء جانب من تعاليم الله
دون الجانب الآخر، ففي القرآن: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الْقِصَاصُ)، ونحن ملزمون بتطبيق هذه الأوامر. ولكنني سأشرح وجهة نظري فيما بعد حول
الفرق بين الاعتقادات والعبادات والمعاملات.
إن شبكة التعاليم الإسلامية التي ترعى شئون
الناس تحتاج إلى توضيح وتمييز بين جوانبها المتعددة، بمعنى أن الإسلام قصد من القوانين
التي وضعها أن يصون دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، وهذا ما نفهمه بمقاصد الشريعة، وهذه
الصيانة تتطلب أمرين:
الأول: هو أمر عقائدي وأخلاقي، أي انبعاث
الإنسان من داخل نفسه لحماية حقوق الآخرين والمحافظة على حرماتهم ولاتخاذ موقف مبني
على الإيمان والأخلاق إزاء الناس والمجتمع والبيئة. فحقوق الناس مصونة ومقدسة في الإسلام،
وكذلك يجب أن تكون في دخيلة كل مسلم مؤمن، وقد جاء في الحديث، أن النبي صلى الله عليه
وسلم نظر إلى الكعبة وقال: "ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة
منك؛ إن الله جعلك حراما، وحرَّم من المؤمن دمه وماله وعرضه"، أي إن لحقوق الإنسان
قداسة لا يجوز أن تنتهك. وتجلى هذا الموقف في تعريف الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلم
والمؤمن، فالمسلم هو من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من آمنه الناس على أموالهم
وأعراضهم.
لكن هذه التعاليم، على وضوحها، لا يمكن وحدها
أن تحفظ العدل والنظام في مجتمع ما، لذلك وجدت ضرورة تعزيزها بعقوبات رادعة، تردع المجرم
الذي ينفلت من الالتزام العقيدي والإيماني ليتبع هواه ونزعاته ويؤذى الآخرين والمجتمع،
وهذا ما نسميه بالأمر الثاني الذي تتطلبه صيانة حقوق الناس ونظام المجتمع الإسلامي،
ففرض العقوبة يجعل المقبل على الإجرام يشعر بالرهبة من القصاص والحد والجزاء.
وقد وضع الإسلام حدودًا دقيقة لهذا الأمر،
فأمر بالقصاص في حالة انتهاك ما هو من حقوق الناس، ووضع حدودًا فيما هو مختلط بين حقوق
الله وحقوق الناس ولكن حق الله اظهر... وهذا هو الفارق بين القصاص والحد، فالقصاص مصلحة
البشر فيه أظهر بينما الحدود حق الله فيها أكثر.
طبعًا لا يوجد مجتمع متحضر دون نظام قانوني
للعقاب، ولكن هنالك فرق واضح بين الشريعة والقانون الوضعي المقتبس من شرائع أجنبية
في هذا المجال.
فالشريعة ترى الخمر محرمًا، وينطلق هذا الموقف
أساسًا من ضرورة حماية العقل البشرى من التخدير والتغييب وما ينتج عن ذلك من شطط. فحماية
البشر من الخمر والمخدرات من حقوق الله، وهنالك حد الخمر الذي فرضته الشريعة. أما القانون
الوضعي فيعاقب فقط في حالة عربدة السكير في الشارع وإزعاجه للناس مثلاً، أو عندما يقدم
السكير على جُرم آخر وهو في حالة السكر، بينما الشريعة الإسلامية ترفض السكر وتمنعه
صيانة لعقل البشر، وكذلك الموقف من الزنا فالإسلام يحرمه حماية لأعراض الناس وحفظًا
للمجتمع، بينما القوانين الوضعية السائدة في بلادنا والمنقولة أساسًا من القانون الفرنسي
تبيح الزنا في الواقع، فهي لا تعتبره جريمة إذا وقع برضى الطرفين وإرادتهما، وتنتفى
الإرادة في حالة الاغتصاب وفي حالة القاصر حيث لا يعتبر صاحب إرادة حرة، ونحن نرى الخلاف
واضحًا بين الشريعة والقانون الوضعي هنا ولا يمكن التوفيق بينهما.
وقد أوصل الموقف الوضعي المجتمعات الغربية
إلى درجة الإباحة التامة، لا للزنا فقط، بل حتى وصل الأمر لإصدار قوانين تبيح اللواط.
وهنالك أمر آخر يفصل الشريعة عن القانون الوضعي
في قضية الزنا، فزنا الزوجة لا يهم المجتمع إذا لم يقدم الزوج شكوى بذلك، بل لا يحل
للأب أو الأخ أن يتدخلوا في الأمر، وإن موقف القضاء من الزوجة المتلبسة بجريمة الزنا
يعتمد على موقف الزوج، يعفي عنها أم لا، أي لا دخل للمجتمع والقيم السائدة فيه.
أما القتل فقد حرمه الإسلام، وعقوبة القتل
العمد هي القصاص إلا إذا عفا ولي الدم. وهنالك بعض الناس من أهل الخير يحاولون في هذه
الحالة إقناع ولى الدم بالعفو وقبول الدية، فإذا قبل وعفى، يسقط القصاص، ويبقى حق الدولة
التي تقوم بتعزير الجرم. والواقع أن عقوبة القصاص وحد الزنا لعبا دورًا كبيرًا في الردع
وفي تقليل عدد الجرائم في المجتمعات الإسلامية، بينما أدى التساهل بشأن هذه الجرائم
في ظل القانون الوضعي والاستعمار التشريعي إلى ازدياد لا مثيل له في نسبة الجريمة.
فمن النظرة الأولى يبدو موقف الشريعة قاسيًا وحازمًا وأقرب لفكرة العقاب.. بينما النظرة
المتمعنة تبين بأن هذا الموقف في الواقع هو أقرب للرحمة بالناس والمجتمع بل وحتى بالإنسان
النازع نحو الجريمة.
ولا ننسى أن غياب القصاص الإسلامي، وسع حالات
الأخذ بالثأر فأدى ذلك إلى ازدياد حجم الجريمة بشكل عام.
إن الحد من نسبة الجرائم بل والوصول إلى مجتمع
فاضل، تنتفى فيه الجريمة أو تكاد، هو هدف المسلمين على المدى الطويل، ولكن تحقيق مثل
هذا المجتمع هو أمر يتطلب إقامة العدل بين الناس لتنتفي أسباب الجرائم، ويتطلب أيضًا
مزيدًا من التوعية وبث القيم النبيلة في النفوس.
ولكن ما دامت الجريمة موجودة، فلابد من القصاص
والعقاب.. ولكم في القصاص حياة.
إنني عمومًا مع تطبيق القصاص والحدود، ولكن
يجب أن نتفحص موقف الإسلام من الحدود، فالشارع درأها بالشبهات أولاً، ثم جعلها في أضيق
نطاق، فحد الزنا ظل حدًا رادعًا يساهم في منع الجريمة، بينما كانت نادرة تلك الحالات
التي طبق فيها الحد فعلاً، بسبب ما وضع من شروط ومستلزمات لذلك التطبيق، فعندما جاء
رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معترفًا بارتكابه الزنا وطالبًا توقيع الحد به،
أعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم طبق عليه الحد بعد إصرار الرجل، ولكن الرسول
صلى الله عليه وسلم لم يسأل عن شريكته في الجريمة وسكت عنها معتبرًا الإقرار حجة قاصرة
على صاحبها.. فالرجل، كما يقول ابن تيمية، أبى أن تغسله التوبة الشخصية فهو لو تاب
واكتفى لكان ذلك مطهرًا له، لكنه أبي إلا أن يقتل في الدنيا.
ولنأت إلى موقف القضاء أو الحاكم، وكيف يكون
الأمر عندما يمثل أمام القضاء رجل ثبتت عليه الجريمة، حسب ابن تيمية وابن القيم وما
أفهمه أنا من السنن، أستطيع أن أقول بأن القاضي يستطيع وقف التنفيذ في السابقة الأولى،
فلو سرق تلميذ أو شاب، وكانت سرقته الأولى أو عثرة قدم زلت بصاحبها، فإذا وجده القاضي
متألمًا لذلك ونادمًا أو شاعرًا بالخجل، له أن يوقف العقوبة، ویستتيبه ويقبل توبته،
وله أن يعزره بالكلام أو بالجلد أو السجن، حسبما يرى. ولكن إذا عاد للجريمة مرة أو
مرات أخرى، تقطع يده.
يبدو هذا الحكم قاسيًا، ولكن هل حكم السجين لسنين عديدة هو أرحم من ذلك وأكثر صونًا للمجتمع؟ الأيادي ثلاث: يد عاملة من حقها أن تكافأ، ويد عاطلة من حقها أن تعمل وتنتج، ويد فاسدة ثبت فساد صاحبها في أكثر من تجربة، أفلا نحمي الناس منها؟! إنني أرى أن متعود الإجرام يجب أن ينفذ فيه الحد. طبعًا للمجتمع أن يتدخل ويحدد من هو متعود الإجرام.
اقرأ
أيضاً:
أحكام الشريعة الإسلامية بين الرحمة والعدل
تفعيل الشريعة.. إبداع متجدد أم تطبيق فوقي؟
القصاص بالإعدام.. بين النظرة الأوروبية
وجماليات الشريعة الإسلامية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً