ليالي رمضان في أوروبا.. بين الغربة ومحاولات التعايش

يتزين الكون لقدوم أعظم شهور العام ويتهيأ المسلمون لليالي رمضان العامرة المؤنسة بالطاعات والعبادات واجتماعات الأسرة والأهل، وتفتح المساجد أبوابها لاستقبال المصلين والمعتكفين لتجدد الأرواح كما يتجدد الأمل في العفو والغفران.

إنها أجواء رمضان الزاخرة التي لا تخفى على أحد، وتجلو في المدن العربية والإسلامية كأنها ترتدي زياً جميلاً وتسري بها روح جديدة، لكن أرض الله واسعة ولا يحظى كل المسلمين بهذه الأجواء المميزة، بل هناك مدن وأماكن يمر بها رمضان كأهدأ ما يكون ويعيش المسلمون فيها غربة مضاعفة ومحاولات لاستحضار أجواء وروحانيات شهر رمضان المفقودة.

في معظم المدن الأوروبية خاصة ذات الأقليات المسلمة يهل رمضان بشكل هادئ من دون إعلان أو احتفال، حتى إن رؤية الهلال تكون متفاوتة حسب مرجعيات الجاليات التي تلتزم غالبًا بفتاوى بلدانها الأصلية، حيث يختلف المسلمون في أوروبا على تحديد بداية ونهاية شهر رمضان بسبب عدم وجود مرجعية إفتائية موحدة في أوروبا.

وأكثر ما يشتاق له المهاجرون المسلمون في أوروبا الروح الرمضانية في الشوارع وعلى وجوه الناس، وربما يخفف من الوحدة قليلاً الاحتفالات الصغيرة للأسر والتجمعات الإسلامية التي تحاول خلق نموذج يحاكي الأوطان في الاستمتاع بالشهر الكريم، كما أنه لا تتغير أوقات العمل أو الدراسة في معظم البلدان الأوروبية، ولا يُرفع صوت الأذان؛ ما يجعل ممارسة الصيام أكثر صعوبة.

إلا أن غربة المسلم رغم ألمها تحمل في طياتها جوانب مضيئة وفرصًا يقتنصها من أراد الفوز بهذا الشهر الكريم، فرغم أن رمضان في أوروبا له طابع خاص؛ فإن المسلمين بحاجة إلى الاستفادة من الجو الإيماني خلال الشهر لتعويض بعض جوانب النقص والقصور التي يتأثر بها أفراد الأسرة من البيئة المحيطة بهم بقية العام.

فشهر رمضان في الغرب بالنسبة للأسرة محطة للتزود بالإيمان والتقوى، فكثير من المساجد والمراكز الإسلامية تتهيأ للبرنامج الرمضاني ليستفيد الجميع على اختلاف أعمارهم، ويزيد الإقبال على الطاعة والعبادة عن غيرها من الأيام، وتكون مظاهر الإسلام وشعائره في الأماكن الإسلامية والأحياء العربية أكثر وأوضح.

كما أن المسلمين في البلد الأوروبي الواحد مهما اختلفت جنسياتهم وقومياتهم وألوانهم يؤدون شعيرة واحدة في شهر واحد، وهو ما يذيب الفوارق بينهم ويُقوي شعور الأخوة الإسلامية والرباط الإيماني، كجزء من الشعور الأكبر بوحدة الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها التي تجمعهم خلال هذا الشهر الكريم، وهذا يساعد الأسرة المسلمة في أوروبا أن تعيش هذا المعني الإسلامي العظيم واستشعار الرباط الكبير للأمة في الماضي والحاضر والمستقبل.

يفيدنا الداعية وإمام مسجد الوسطية بأمستردام، أ. إبراهيم عكاري، في حديثه لـ«المجتمع»، أن علينا نحن المسلمين أن نهيئ لأبنائنا أجواء تتناسب مع ديننا وشعائرنا لتعظيم مناسبة قدوم رمضان وعاداتها الطيبة؛ لأن في الغرب يكثر الاحتفال بمناسبات وأعياد غير المسلمين وما يتبعها من مظاهر وملابس وعادات تجعل الطفل أو الفتاة تنجذب لتلك المناسبات التي يتحدث عنها زملاؤهم بفرح.

وأوضح أن ذلك من خلال خلق قدسية لهذا الشهر في البيت؛ مثل تخصيص ركن للعبادة، وقراءة القرآن، والذكر، وسماع القرآن، وتعليق زينة رمضانية بسيطة، وأيضًا تنظيم الوقت بوعي؛ فالحياة اليومية وساعات العمل والدراسة منضبطة، ويجب التخطيط للاستفادة من نظام الحياة في أوروبا لتنظيم أوقات الصلاة وقراءة القرآن والإفطار والسحور.

وأشار عكاري إلى أهمية الارتباط بالمسجد المحلي وحضور صلاة التراويح، والإفطار الجماعي، والتطوع في البرامج الرمضانية، والحرص على الصحبة الصالحة وتكوين مجموعة صغيرة من المسلمين للإفطار الأسبوعي أو الذكر لتعزيز الصبر والروحانية، وأضاف أن قلة المظاهر الرمضانية تمنح فرصة أكبر للتأمل والتدبر والعبادة الخالصة.

وبالحديث عن استغلال شهر رمضان لتقوية الروابط الاجتماعية بين المسلمين في المدن الأوروبية، قال: إنه يجب التعاون بين المساجد والجمعيات لتنسيق البرامج الرمضانية الجماعية، مثل مشاريع الصدقة، وسلال رمضان، ودعم المحتاجين، وأيضًا تنظيم نشاطات شبابية ولقاءات ومسابقات تربط الجيل الشاب بالمسجد والمجتمع المسلم.

وأضاف عكاري: وهناك الإفطارات المشتركة بين العائلات وفتح البيوت للمسلمين الجدد والشباب المغترب لتجنب شعورهم بالعزلة، فالشباب المسلم الوافد للدراسة أو الإقامة والمسلمون الجدد، هم أكثر من يعاني من الغربة ويفتقر إلى أجواء رمضان، ومن الضروري الاهتمام بهم وتهيئة أجواء إفطار جماعية تعوّض فقدان الأهل.

وينصح الأسر المسلمة في أوروبا بشرح معنى الصيام لأبنائهم بلغة تناسب أعمارهم، بعيدًا عن مجرد الامتناع عن الطعام، وتوضيح أبعاد الصيام التعبدية والسلوكية وأثره في صلاح المجتمع.

ويؤكد عكاري: يجب إشراك الأطفال في التحضيرات وإعداد الإفطار، وفي الأعمال الخيرية وإخراج الصدقات، وخلق ذكريات جميلة معهم مثل عمل إفطار خاص، ومنحهم هدايا رمزية، والتحضير لليلة قدر مميزة، والحرص على تعزيز الهوية الإسلامية لديهم من خلال الحديث عن دينهم بثقة وفخر، وإشراكهم تدريجيًا في المسؤولية الرمضانية لتعزيز شعورهم بالحب تجاه الشهر.

وختم قائلًا: في بلاد المسلمين، رمضان يصنع الأجواء تلقائيًا، بينما في أوروبا، المسلم هو من يصنع الأجواء، ومن أحسن صناعة أجوائه واستثمار إمكانياته عاش رمضان بروح أقوى وأعمق.

ومهما اختلفت الأماكن والظروف والأجواء يبقى رمضان ضيفًا مميزًا بما بثه الله فيه من البركة والرحمة والأمل في العفو والمغفرة، وإذا أراد المسلم القرب والتزود فلن يمنعه المكان؛ بل قد يكون هدوء البيئة دافعًا للمزيد من العمل، والحاجة لاستحضار روحانيات الشهر باعثًا للجد والاجتهاد.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة