بين المحسوبية والمحاصصة.. كيف نحمي الثورة السورية من نفسها؟
تمرّ الدول الخارجة من رحم الثورات
بمرحلة شديدة الحساسية والتعقيد، حيث تتقاطع الآمال العريضة مع واقع محدود
الإمكانات، وتتصارع ضرورات البناء السريع مع نقص الخبرات المتراكمة.
وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول مستوى
الكفاءة لدى بعض الشخصيات التي تُعيَّن في مواقع المسؤولية خلال مرحلة بناء
الدولة، وهو جدل مشروع إذا ما وُضع في إطاره الصحيح، بعيدًا عن التهويل أو التخوين
المتبادل.
لماذا يُعدّ ضعف الخبرة أمرًا طبيعيًا في المراحل التأسيسية؟
يمكن تفهّم محدودية الكفاءة أو الخبرة
لدى بعض المسؤولين في المراحل الأولى لبناء الدولة لسببين رئيسين:
1- أن الثورات، في الغالب، تقوم على
أكتاف الشباب المتحمّس، في ظروف استثنائية تتسم بندرة الكوادر الخبيرة القادرة على
إدارة مؤسسات الدولة، فسنوات القمع والاستبداد غالبًا ما تفرغ المجتمع من الخبرات،
أو تدفعها إلى الهجرة أو العزلة القسرية.
2- أن الخبرة لا تُستولد فجأة، بل تُبنى
عبر الزمن والتجربة، والدولة الناشئة، بمؤسساتها وشخصياتها القيادية، لا تزال في
طور التكوين، فمن أين لها بالزمن الكافي لصناعة خبرات عملية مكتملة في فترة قصيرة؟
بين تعيين الشباب ومقتضيات المرحلة
انطلاقًا من ذلك، يصبح تعيين الشباب
المخلصين، ممن يمتلكون خبرة بسيطة أو متوسطة، في مناصب مهمة أمرًا مفهومًا، بل قد
يكون خيارًا ضروريًا في بعض الأحيان، شريطة أن يهدف إلى تحقيق مواءمة متوازنة بين
عناصر الكفاءة، والثقة، والحماس، والاستعداد للتعلّم.
وليس هذا الطرح غريبًا عن تاريخنا
الإسلامي، إذ تزخر سيرته بنماذج مشرقة لتولي الشباب مواقع قيادية حساسة في جميع
المجالات العسكرية والسياسية والاجتماعية، وقد حقق كثير منهم إنجازات عظيمة خلدها
التاريخ، حين توفرت لهم الثقة، والعدالة في الاختيار، والمحاسبة الرشيدة.
ماذا لو غابت الكفاءة وانهارت الثقة؟
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ضعف
الخبرة بحد ذاته، بل يظهر الخطر حين تتراجع ثنائية الكفاءة والثقة لتحلّ محلها
ثنائية المحاصصة والمحسوبيات، وعندما تقترن أسماء مسؤولين ووزراء بهذه الممارسات،
فإن الأمر لا يعود مجرد خطأ إداري عابر، بل يتحول إلى تهديد حقيقي لبنية الدولة
الوليدة، يستوجب وقفة جادة، ومراجعة صادقة، وتصحيحًا شجاعًا.
بين النقد والتخوين المتبادل
يزداد المشهد قتامة حين يُواجَه أي نقد
موجَّه للمسؤولين بسلاح التخوين، وكأن إبداء الرأي أو المطالبة بالإصلاح جريمة
وطنية، أو أن كل منتقدٍ هو فلول وممول من الخارج بالضرورة، في المقابل، تُسدل على
بعض المسؤولين أوصاف التمجيد والثناء المفرط حدَّ العصمة والتنزيه عن أي خطأ،
وتُبرَّر أخطاؤهم مهما بلغت، حتى وإن أدى ذلك إلى الإساءة لملايين الثوار
المحرَّرين، واتهامهم بكل نقيصة، في انقلاب خطير على القيم التي قامت من أجلها
الثورة السورية.
المشاركة والشفافية.. صمام الأمان
من هنا، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة
المشاركة، ونشر قيم احترام شركاء الثورة والوطن، بوصفها الركيزة الأساسية لبناء
دولة مستقرة وعادلة.
فالدولة التي تُدار بعقلية الإقصاء لا
يمكن أن تصمد طويلًا، بينما السياسة الواضحة القائمة على الشفافية في اتخاذ
القرار، والتواضع أمام إرادة الشعب، واحترام حق الثائر المُحرَّر في التعبير عن
رأيه، مع إشراكه في تحمّل المسؤولية، هي وحدها الكفيلة بسدّ الطريق أمام محاولات
زرع الشقاق والانقسام بين فرقاء الثورة نفسها.
إنّه بالتزامن مع مواجهة الثورة والدولة
الجديدة للفلول والانفصاليين، يبقى من الواجب الوطني والأخلاقي تحصين الثورة من
أخطائها وحمايتها من نفسها أيضاً، فالنقد الصادق ليس خيانة، والتراجع عن الأخطاء
ليس ضعفًا، بل هما الطريق الوحيد لبناء دولة تحترم تضحيات أبنائها، وتصون آمالهم،
وتؤسس لمستقبل يليق بتلك التضحيات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً