بين رقة الطبع وعمق الاحتواء.. قراءة أسلوبية في الوصية النبوية بالنساء

سعد الحسن

08 مارس 2026

226

بين رقة الطبع وعمق الاحتواء.. قراءة أسلوبية في الوصية النبوية بالنساء

يظل البيان النبوي المورد الأصفى لفهم الطبيعة البشرية، وفي اليوم العالمي للمرأة، نستحضر حديث "الوصية بالنساء" ليس كمجرد نص تشريعي، بل كلوحة بلاغية ترسم ملامح العلاقة بين الجنسين وفق منطق "التكامل لا التماثل". إن الروايات المتعددة لهذا الحديث تقدم لنا "عدولاً أسلوبياً" فريداً ينقلنا من جفاف الأوامر إلى رحابة التصوير الفني.

فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْرًا، فإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوجَ مَا في الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهبْتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ، وإِنْ تركتَهُ لَمْ يَزلْ أَعوجَ، فاستَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» (متفقٌ عَلَيهِ).

وفي روايةٍ في «الصحيحين»: المَرْأَةُ كالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَها كسَرْتَهَا، وإِنِ استَمتَعْتَ بِهَا اسْتَمتعْتَ وفِيها عِوَجٌ.

وفي روايةٍ لمسلمٍ: «إِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لكَ علَى طريقةٍ، فَإِنْ استمتعْتَ بِهَا اسْتَمتَعْتَ بِهَا وفِيها عِوجٌ، وإِنْ ذَهَبْتَ تُقيمُها كسرتَهَا، وَكَسْرُهَا طلاقُها».

التحليل المعجمي والدلالي

في قوله صلى الله عليه وسلم: «خُلِقت من ضِلع»، نجد اختياراً معجمياً دقيقاً؛ فـ"الضلع" في اللغة هو العظم المنحني الذي يحمي القفص الصدري. والدلالة المركزية هنا ليست "النقص" كما يتوهم البعض، بل هي "الحماية"؛ فالضلع خُلق ليحني نفسه على القلب والرئتين (أجهزة الحياة)، والمرأة في التكوين الأسري هي "الضلع" الذي يحني عاطفته على الزوج والولد ليمنحهم الدفء والأمان.

أما لفظ «العوج» (بكسر العين)، فهو في اللغة يُستخدم لما كان في الأعيان (كالحائط والضلع)، وهو في هذا السياق "صفة مدح" لا ذم؛ فجمال الضلع ووظيفته الحيوية لا تتحقق إلا بهذا الانحناء، ولو استقام لمزق الأحشاء ولما صلح للحماية.

أما قوله –صلى الله عليه وسلم- "استوصوا" فجاء الفعل على صيغة "استفعل"، وهي صيغة تفيد الطلب والمبالغة؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكتفِ بـ "أوصيكم"، بل قال "استوصوا"، أي اطلبوا الوصية لأنفسكم، واجعلوها ديدناً مستمراً؛ فالسين والتاء هنا تمنح الفعل صبغة "الاستدامة" و"بذل الجهد" في استخراج الخير.

أما "أعوج" فجاءت على وزن "أفعل" للتفضيل، وفي قوله –صلى الله عليه وسلم- "أعوج ما في الضلع أعلاه" إشارة رمزية إلى "العقل واللسان" أو "العاطفة الغالبة" التي تقع في أعلى النفس البشرية. استخدام اسم التفضيل هنا يبرز الخصوصية القصوى للمرأة في رقة مشاعرها وسرعة تأثرها، وهي صفات جمالية تتطلب صبراً لا قسراً.

التحليل النحوي والأسلوبي

من الناحية الأسلوبية والنحوية فإننا نلاحظ بعض السمات التي استخدمها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ذات الدلالة البلاغية المتميزة منها:

1- العدول من الخبر إلى الإنشاء: يبدأ الحديث بأسلوب إنشائي (صيغته الطلب): «استوصوا»، ثم ينتقل إلى أسلوب خبري تقريري لبيان العلة: «فإن المرأة خُلقت...». هذا الربط النحوي يربط "الحكم" بـ "الحكمة"، ليكون الامتثال مبنياً على الفهم لا على التقليد الأعمى.

2- أسلوب الشرط والجزاء: في قوله «إن ذهبت تقيمه كسرته»، نجد جملة شرطية تحذيرية. فـ"الكسر" هنا نتيجة حتمية لمحاولة "التقويم" القسري. وفي رواية مسلم: «وكسرها طلاقها»، نجد مسنداً ومسنداً إليه في جملة اسمية تقرر حقيقة مرة؛ وهي أن محاولة صهر شخصية المرأة لتكون نسخة كربونية من الرجل تؤدي إلى "انكسار" الكيان الأسري بأسره.

3- بناء الفعل للمجهول: «خُلقت»، حذف الفاعل للعلم به (وهو الله الخالق)، وفي ذلك إضفاء لمحة من القدسية على طبيعة المرأة؛ فهي "صنعة الله" التي لا يجوز الاعتراض على تصميمها أو محاولة تعديله بجهل بشري.

بين مواثيق الإسلام والمواثيق

قبل احتفال المنظمات الدولية (كالأمم المتحدة) بالمرأة عبر شعارات "المساواة المطلقة"؛ أتى الهدي النبوي ليؤسس لمفهوم أعمق وهو "العدل والخصوصية".

فالمواثيق الدولية تركز غالباً على إزالة الفوارق "البيولوجية والنفسية" في التعامل، بينما الهدي النبوي يقرر وجود "اختلاف طبيعي" (الضلع)، ويجعل مراعاة هذا الاختلاف هي قمة التكريم.

كذلك حق الاختلاف؛ ففي المعاهدات الدولية، تُعامل المرأة ككائن "حقوقي مجرد"، أما في الإسلام فتُعامل ككائن "نفسي وجداني"؛ فالحديث يمنح المرأة "حق العوج" (أي حق التميز العاطفي) ويمنع الرجل من مصادرته، بينما قد تغفل القوانين الوضعية عن حماية رقة المرأة تحت شعارات المساواة الجافة التي تحمّلها ما لا تطيق.

كذلك يأتي الحماية من الاستلاب؛ فالمواثيق الدولية تحمي المرأة من العنف الجسدي، لكن الحديث النبوي يتجاوز ذلك ليحميها من "العنف النفسي" (محاولة التغيير القسري للهوية)؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: «استمتعت بها وفيها عوج» هو أرقى ميثاق للتعايش السلمي؛ حيث يُقبل الآخر بخصوصيته دون اشتراط التبعية أو الذوبان.

إن "العدول الأسلوبي" في هذا الحديث ينقلنا من فكرة "المرأة التابعة" إلى "المرأة الضلع"؛ والضلع هو أقرب عظم للقلب. فما أحوجنا لإحياء هذه اللغة النبوية التي لا ترى في الاختلاف نقصاً، بل تراه كمالاً وظيفياً.

الرسالة الإعلامية في اليوم العالمي للمرأة هي: لا تكسروا الأضلاع التي تحمي قلوبكم بمطارق المساواة الجافة، بل استوصوا بها خيراً كما أوصى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

 


اقرأ أيضاً:

- تحولات مكانة المرأة في الإسلام.. من التهميش إلى التمكين الحضاري

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة