الطلاق المعلَّق وحكم التراجع فيه

د. أحمد ناجي

15 يناير 2026

323

ظاهرة اجتماعية أثرت في استقرار كثير من البيوتات، وهي ما يسمى في الفقه بـ«الطلاق المعلَّق»، وصورته أن يقول الزوج لزوجته: «إذا ذهبت إلى بيت أهلك فأنت طالق»، ولم يستثنِ، ثمّ أذن لها فيما بعد، فهل يقع طلاقه أو لا؟ وهل له الحق في التّراجع عن طلاقه؟

وهذه المسألة يتعلق بها مسألتان من مسائل الطلاق:

الأولى: مسألة الطلاق المعلَّق؛ هل يقع أم لا؟

الثانية: مسألة التراجع والتنازل عن الطلاق المعلَّق؟

أما المسألة الأولى: فقد اختلف العلماء في وقوع الطلاق المعلَّق على ثلاثة أقوال:

الأول: أن الطلاق إذا عُلِّق على شرط يقع إن حصل ما عُلِّق عليه لفظ الطلاق، ولا عبرة بنيّة صاحبه أو قصده؛ سواء قصد التهديد أو غيره، وإليه ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة، والمالكيّة، والشافعيّة، والحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، من أقواها وأظهرها ما رواه البخاري في صحيحه (5/ 2018) -معلَّقاً- عن نافع قال: «طلّق رجلٌ امرأتَه البتّةَ إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بُتَّت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء».

ونوقش هذا الأثر بأنه محمول على ما إذا قصد الزوج الطلاق لا الحلف؛ جمعاً بين الآثار الواردة في هذا الباب.

الثاني: أن الطلاق المعلَّق إذا وجد المعلق عليه لا يقع أصلاً، سواء أكان على وجه اليمين؛ وهو ما قُصِد به الحثُّ على فعل شيء أو تركه، أم لم يكن على وجه اليمين؛ وهو ما قُصِد به وقوع الطلاق عند حصول المعلَّقِ عليه، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، واستدل على ذلك بأنه لا يمين إلا بالله تعالى، ولم يوجب الله كفارة في غير يمين به؛ فلا كفارة في يمين بغيره عز وجل، وما رواه مسلم عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (أخرجه البخاري، 2697).

الثالث: ذهب جماعة من العلماء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، إلى أن الطلاق المعلَّق يعتبر طلاقاً إذا قُصد به الطلاق، أما إن قُصد به الحث أو المنع؛ فيعتبر يميناً تلزم فيها كفارة اليمين. (مجموع الفتاوى، 33/ 45).

وأما المسألة الثانية: وهي التراجع عن الطلاق المعلَّق، والتنازل عنه بعد صدوره، فقد اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:

1- أنّ من علَّق الطلاق على حصول شيء، لا يمكنه التراجع عن ذلك التعليق، وإليه ذهب جمهور العلماء، ودليلهم: أنه أخرج الطلاق من فيه على هذا الشرط؛ فلزم كما لو كان الطلاق مُنَجَّزاً. (الشرح الممتع، 13/ 127).

2- جواز التراجع عن الطلاق المعلَّق، وهو قول في مذهب الحنابلة، ودليلهم: القياس؛ فإن الإنسان إذا قال لعبده: إذا جاء رأس الشهر فأنت حرّ؛ فإن له أن يرجع في العتق، وهو أشدُّ نفوذاً من الطلاق وأحبُّ إلى الله؛ فلأنْ يجوز ذلك في الطلاق من باب أولى. (الشرح الممتع، 13/ 129).

3- جواز التراجع عن هذا الطلاق إن كان التعليق من باب المعاوضة؛ مثل أن يقول: إن أعطيتِني ألفاً فأنتِ طالق؛ فله الرجوع ما لم تعطه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية.


اقرأ أيضاً:

هل الطلاق أزمة حقيقية؟!

طلب الطلاق بسبب مرض الزوج.. بين فقه الأحكام وفقه الحياة

لو كنتَ رجلاً طلقني.. خطورة طلب الطلاق في الغضب وأسرار عودة البيوت!


الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة