نساء في ذاكرة الرسالة (6)

السيدة صفية بنت حيي.. انْتَشلها النبي ﷺ من ربقة الرِّقِّ

مصطفى المكبر

31 أغسطس 2026

204

السيدة صفية بنت حيي.. انْتَشلها النبي ﷺ من ربقة الرِّقِّ

السيدة صفية بنت حيي

لما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم عصابات اليهود عن المدينة تجمَّعت بخيبر، وجعلوا يشرعون آذانهم مدققين السمع إلى أخبار دعوته، فأحسُّوها تنتشر في الأرض عطرًا، وفي النفوس نورًا؛ فتفاقم حسدهم في أنفسهم حتى أضحى نيرانًا وسعيرًا، فاجتهدوا وسعهم في محالفة الأعراب، وداروا على القبائل مبينين ضرورة التحزُّب ضد محمد والقضاء على دعوته، وثمرة لسعيهم خرجت القبائل أحزابًا، وكانت حرب «الأحزاب» أو «الخندق» في العام الخامس الهجري.

وتكشَّفت غزوة «الخندق» عما يضمره اليهود، وأنهم والشر أخَوَان لا غِنى لأحدهما عن الآخر، وأن أحقادهم ما سكنت إلى الخير يومًا، وما كان لها أن تسكن وهم خير قوم في طاعة الشيطان، فأجمع صلى الله عليه وسلم أمره على غزو خيبر، وأعلن ألَّا يخرج معه إلا راغبٌ في الجهاد، فلم يخرج معه إلا أصحاب بيعة الرضوان وكانوا ألفًا وأربعمائة مقاتل.

وفي أواخر شهر المحرم من العام السابع الهجري خرج إلى وجهته، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتى قومًا بليل لا يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس ثم اقترب بالجيش من حصون خيبر وهم لا يشعرون، ولما خرج الفلاحون من خيبر بفؤوسهم ومكاتِلهِم، ووقعت أبصارهم على الجيش تملكهم الدهش واستبد بهم الروع، وهرولوا مولولين: محمد والخميس، محمد والخميس(1).

فقال صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر، إنَّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»(2)، وغنم صلى الله عليه وسلم أموالهم الموجودة خارج حصونهم وحاصرهم فيها، ثم اقتتل الفريقان اقتتالًا شديدًا، وكانت راية النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الأول مع أبي بكر الصديق، وفي اليوم الثاني مع عمر بن الخطاب، ثم أعطاها صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب، ففتح الله عز وجل على يده وسقط آخر حصون اليهود، وتم فتح خيبر، واستشهد من المسلمين 15 رجلًا، وقُتِلَ من اليهود 93 رجلًا.

وجدير بالذكر أنه لما اقتحم المسلمون حصن القموص بعد قتال شرس، جيء بصاحب الحصن كِنانة بن الرَّبيع بن أبي الحُقَيْقِ زوج صفية بنت حيي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عنده كنز بني نضير، وسأله صلى الله عليه وسلم عن الكنز فأنكر علمه بمكانه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟»، قال: نعم(3).

فلما وُجِدَ الكنز في مخبأ عنده، دفعه صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة الذي ألْقى عليه اليهود رحى فقتلته عند حصن ناعم أول حصن فتحه المسلمون في حرب خيبر، وسيقت نساء القموص سبايا وفي طليعتهم صفية بنت حيي وبجوارها ابنة عم لها يسوقهما بلال بن رباح، ومرَّ رضي الله عنه بهما على ساحة بها قتلى اليهود، وألقت صفية عليهم نظرة سريعة، ثم أغمضت عينيها وهي تشيح بوجهها، وتضغم أضراسها، وتحتمي بعقلها وهدوئها، وتحبس صرخاتها بقوة الصبر، وألقت ابنة عمها عليهم نظرة فاحصة، ثم انخرطت في عويل ونواح، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى بلال وقال معاتبًا: «أَنُزِعَت يا بلال منك الرحمة، حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما»(4).

ويَرِقُّ قلب القائد المنتصر صلى الله عليه وسلم لابنة زعيم بني النضير، وما يجد من مكافأة لها، وعِوَضٍ عما بها من انتشالها من ربقة الرق، ورفعها إلى ذؤابة المجتمع المسلم، إلا جعلها واحدة من نسائه وأمًا للمؤمنين، لها ما لهن وعليها ما عليهنّ، وقد أقرَّ الصحب الكرام ذلك قبل أن يُقِرَّهُ هو صلى الله عليه وسلم، حيث قال بعضهم: صفية بنت سيد قريظة والنضير، وما تصلح إلا لك يا رسول الله.

يقول أنس بن مالك: وجمع السبي، فجاء دحية، فقال: يا رسول الله، أعطني جارية من السَّبي، فقال صلى الله عليه وسلم: «اذهب فخذ جارية»، فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل، فقال: يا نبي الله، أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير، وما تصلح إلا لك، قال صلى الله عليه وسلم: «ادعوه بها»، فجاء بها، فقال صلى الله عليه وسلم: «خذ جارية من السبي غيرها»، وأعتقها وتزوجها.

حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح صلى الله عليه وسلم عروسًا فقال: «من كان عنده شيء فليجيء به»، وبسط نطعًا فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حَيْسًا(5)، فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم(6).

وفي شرح الحديث، قال الإمام النووي: قال المازري وغيره: يحتمل ما جرى مع دحية وجهين؛ أحدهما: أن يكون رد الجارية برضاه وأذن له في غيرها، والثاني: أنه إنما أذن له في جارية من حشو السبي لا أفضلهن، فلما رأى صلى الله عليه وسلم أنه أخذ أنفسهن وأجودهن نسبًا وشرفًا وجمالًا في قومها استرجعها؛ لأنه لم يأذن فيها ورأى في إبقائها لدحية مفسدة لتميزه عن باقي الجيش، ولما فيه من انتهاكها مع مرتبتها وكونها بنت سيدهم، ولما يخاف من استعلائها على دحية بسبب مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق أو غيره، فكان أخذه صلى الله عليه وسلم إياها لنفسه قاطعًا لكل هذه المفاسد المتخوفة، ومع هذا فقد عوض دحية عنها.

وقال الناس: لا ندري، أتزوجها صلى الله عليه وسلم أم اتخذها أم ولد، قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع النبي صلى الله عليه وسلم ودفعنا، فعثرت الناقة العضباء، وندر(7) صلى الله عليه وسلم وندرت، فقام فسترها(8).

وكانت صفية شابة حسناء في السابعة عشرة من عمرها، فعن آمنة بنت قيس الغفارية، قالت: أنا إحدى النساء اللاتي زففن صفية يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعتها تقول: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورغمًا عن صغر سنها كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت أولًا من سلام بن مشكم فارس يهود وشاعرهم، ثم خَلَفَ عليها كنانة بن الربيع صاحب حصن القموص.

بيد أنها كانت عاقلة تدرك الوجهة الصواب، وتعي ما تتمخض عنه الأحداث، ربما ارتُجّ عليها في بادئ الأمر، وطفقت تنظر حولها في استكانة لا تخلو من عِزَّة، ثم خالجتها نشوة مفاجئة من السعادة، ووضعت يد التاريخ على معنى قبولها الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم، بل ورغبتها فيه، فعندما دخل عليها صلى الله عليه وسلم ليبني بها رأى بعينها خُضرة، فسألها عنها.

تعالوا نسمع من عبدالله بن عمر: كان بعيني صفية خُضرة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما هذه الخُضرة بعينيكِ؟»، قالت: قلت لزوجي: إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرًا وقع في حجري فلطمني، وقال: أتريدين ملك يثرب؟(9)؛ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم.  

وتقول رضي الله عنها: وما كان أبغض إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قَتْلِ أبي وزوجي، فما زال يعتذر إليَّ، ويقول: «يا صفية، إن أباك ألَّبَ عليَّ العرب، وفعل وفعل»، حتى ذهب ذلك من نفسي(10)، واستأنست السيدة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وهنا، ربما زفر أحدهم، واستمع إلى ما توسوس به نفسه: كيف يقتل المسلمون كنانة بن الربيع زوج صفية، وأباها حيي بن أخطب ثم يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وما زال قلبها مصدوعًا على قتيليها؟!

فنبتسم من ضيق الفهم، وقلة التقدير، ونقول: يقول لك التاريخ القديم: إن ادعيت الفهم والاستشفاف فاقرأني، يا هذا لن أقول لك قال العلماء وقالوا، ولن أقول لك: إن أحكام السَّبي وملك اليمين نتيجة الحروب كانت المشروعة، وكان للمنتصر أن يفعل ما يشاء في الأسرى رجالًا، أو نساءً، أو أطفالًا، ولن أبين لك كيف تعامل الإسلام مع أسر النساء بعد القتال، وكيف نظّم مسألة الحرب والسَّبي بقوانين صارمة لم تكن موجودة في الجاهلية؟

ولن أقول لك: كيف حرَّم الزنى والاعتداء الجنسي العشوائي تحريمًا قطعيًا، وقرر أن تكون العلاقة بين السَّابي والسَّبيَّة علاقة ملك يمين أو زواج، وكيف أمر بالإحسان إلى الأسرى؟ واستمع وانظر إلى رحمته صلى الله عليه وسلم وهو يقنن للمسلمين معاملة الأسرى، فيقول: «هم إخوانكم خَوَلُكم(11) جعلهم الله تحت أيديكم»(12)، فقد بيَّنَ التاريخ تلك الأمور مرارًا وتكرارًا حتى أصبحت أمورًا مستهلكةً، فاقرأ إن كنت قارئًا.   

ولكن سأضع يدك على ما تفهمه، فاسمع: في هذا الوقت من التاريخ قبل الإسلام وفي أوائل الإسلام، كانت هذه عاداتهم وتقاليدهم التي تتفق تمامًا مع أفكارهم، وموروثاتهم، وعقائدهم.

ويقول لك التاريخ الحديث: انظر إلى تاريخك مع أبيك هو يسبقك بجيل(13) تقريبًا، ولكن يقول لك أبوك العبارة التي سمعناها كلنا من آبائنا: على أيامنا كنا نفعل كذا وكذا، وأنتم الآن تفعلون كذا وكذا، والفارق الزمني كما قلنا، وهذا يدل أن عاداتك وتقاليد أيامك الحالية لا تتفق مع تقاليد أيام أبيك، فكيف تحكم بفكر عادات وتقاليد مجتمعك الحالي، على تقاليد مجتمع بينك وبينه من عمر الزمن أكثر من 1400 سنة.

يا هذا، في هذه الأيام كان من الأمور العادية جدًا أن تَغِير قبيلة على أخرى، وتقتل رجالها وتسبي نساءها وأطفالها، ولو نجا بعض الرجال بداعي الهروب مثلًا، كانوا يمضون في الحياة وهم على يقين بأن نساءهم سبايا عند رجال القبيلة الأخرى يتخذونهنّ جواري وبغايا؛ لأن تقاليدهم وعاداتهم كانت بمثابة القانون اليوم، وأحياناً كان يقع القتال والسَّبي بين القبيلة الواحدة إذا كَثُر عددها، وترامت أطراف أرضها.

هل تعرف حكاية معاذة بنت عبدالله، كانت سبيَّة عند عبدالله بن أُبيّ بن سلول، ليس هذا فحسب بل كان يُكرهُها على البغاء ليكسب المال من بيع شرفها، جاء في نسبها: معاذة بنت عبدالله بن حبر بن الضُّرير بن أميَّة بن خُدَارة بن الحارث بن الخزرج، وهكذا يشي نسبها بأن الأنصار كان يَسْبي بعضهم بعضًا في الجاهلية؛ لأن معاذة كانت من بني الحارث بن الخزرج، وعبدالله بن أُبَي بن سلول كان من بني عوف بن الخزرج، فكلهم خزرجيون، ورغمًا عن ذلك كانت معاذة أمة لعبدالله بن أُبي، إذن فقد كانت معاذة حُرَّة من بيت كريم، ولكن كان للسَّبي عليها ذنب وتجنٍّ.

وهكذا كان السَّابي يتصرف بالسَّبيَّة كيفما شاء، كما قال التاريخ الحافظ الأمين، وهذا ما قضى عليه الإسلام تدريجيًا، حتى إنه صلى الله عليه وسلم اختار صفيَّة زوجة لنفسه لمكانته ومكانتها، وأنزلها منزلة أمهات المؤمنين، ورفع عنها عار السَّبي وكل ما يلزمه من سُبَّةٍ وخزي.

قلنا قبل أن نُقاطَع بالوسوسة: واستأنست السيدة بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن حين لآخر تشرع أذنيها مدققة للنبرات النبوية الشريفة وهي تقع في ذاكرتها: «يا صفية، إن أباك ألَّبَ عليَّ العرب، وفعل وفعل»؛ فتسرح ببصرها إلى الأمام، وفكرها إلى الوراء.

وتواصل الحديث للتاريخ الشريف الغاية، النَّزيه الغرض، وتقول: كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهُوَيْنَى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، والله ما التفت إليَّ واحد منهما، مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي: أهو هو؟ قال: نعم، والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت(14)! 

الهوامش
  • 1 والجيش الكبير.
  • 2 حديث صحيح: أخرجه البخاري (2991)، ومسلم (1940).
  • 3 سيرة ابن هشام (3/ 449)، البيهقي في دلائل النبوة (3/ 348) والحديث ضعفه المحققون.
  • 4 أخرجه الألباني في حقوق النساء في الإسلام، وقال: إسناده مرسل.
  • 5 فصنعوا الحيس، وهو طعام من خليط التمر والسمن والدقيق.
  • 6 حديث صحيح: أخرجه البخاري (371)، ومسلم (1365).
  • 7 سقط.
  • 8 متفق عليه: أخرجه البخاري (4213)، ومسلم (1365).
  • 9 صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2793).
  • 10 أخرجه ابن حبان في صحيحه (5204)، والطبراني في الكبير (24/ 97).
  • 11 خدمكم وعمالكم، الذين يتخولون أموركم ويصلحونها.
  • 12 متفق عليه: أخرجه البخاري (30)، ومسلم (1661).
  • 13 الجيل: من 30 - 33 عامًا.
  • 14 أخرجه ابن إسحاق في السيرة (3/ 52)، والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 533)، وقال الصوياني: إسناده قوي، في كتابه «الصحيح من أحاديث السيرة النبوية».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة