سوالف المجتمع (9)

رواية «الزوج الضعيف»

وقفت أمام الباب، وأنفاسها تتلاحق لفرط التعب من صعود طوابق خمسة، وهمّت أن تنقر على الباب، فإذا به يفتح قبل نقرها، لتقف مشدوهة، وهي ترى ابنة خالتها تعنّف زوجها في قسوة وصلف، وقد تجهم وجهها وغشته حمرة من الغضب، فبهتت لأجل الذي ترى، وحملقت في شخوص، وأُلجم لسانها عن الكلام، فنظر إليها الزوج نظرة خاطفة ممزوجة بالخجل، ثم طأطأ إلى الأرض، ونزل على الدرج في هدوء.

انتبهت من غفوتها على ترحاب خجول من ابنة خالتها، وأشارت إليها بالدخول، فدخلت مأخوذة البال، وسارت إلى مجلسها بغير كلام، أغلقت الباب، ولحقت بها لتكمل الترحاب، وهي ترد في وهن، ثم لاذتا بالصمت برهة، وعيناهما تحترس من اللقاء، فكلاهما في حرج.

رفعت رأسها وقالت معتذرة: يبدو أني جئت في التوقيت الخاطئ، ولو كنت أعلم الغيب ما أتيت.

قالت لها: لا عليك ولا تهتمي، فما الذي شهدتيه إلا حلقة من سلسلة ابتداؤها بُعَيد زواجنا، ونهايتها الله أعلم حيث تكون.

أطبقت شفتيها وأطرقت عينيها، ثم رفعت وجهها، وبصوت واهن قالت: وماذا عليك مما تصنعين بزوجك؟ وهل تجتني يداك منه سوى كدر يعكر صفو حياتك وحياة بنيك؟ يا ابنة الخالة، أليس في وسعك صبر تطفئين به ذلك الضرام الحارق لكل جميل في الحياة؟ وما الذي أتاه الرجل من المنكرات حتى يصطلي بكل ذلك الغضب منك؟

احتبس دمع في عينيها، وثقل لسانها عن الكلام، وخنقتها عبرة، وراحت تبث شكواها في أسى: إن الرجل لا يأتي من الأخطاء إلا ما يأتيه غيره من الرجال، بل قد يكون أهونهم ما يأتيه، وذاك منه لا يؤلمني ولا يستدعي غضبي، إنما الذي يسحقني ويحرق كبدي ذلك الوهن المزري برجولته، فهو كالهمل الذي لا أثر له، أدمن الطاعة والانصياع لي، حتى زال ما بيني وبينه من فروق، وليس من شريك حياة يكون كذلك، حتى يترك شريكته في خواء وفراغ قاتل، ويزول عنها الشعور بالأمان الذي تنشده في بعلها.

فهو لها بمثابة المِجن الذي تتقي به ضربات حوادث الأيام، والربان المتولي لدفة السفينة يقودها باقتدار بين عباب الحياة، فإذا ما تقاصر عن المناط به أكره شريكته على النهوض بالمهمة، وهي لم تُخلق لها ولا لها تأهلت، فتناوشها لأجل ذلك شعور الضياع، وينهب قلبها إحساس الفراغ.

وإني كذلك في حياتي، ولأجله تأخذني الحسرة كل مأخذ، ولازمني الحزن فلا ينفك عني أمد الليالي والنهار، وإني كلما فاض بي الكيل أنفث غضبي فيمن كان السبب، ولست بذاك سعيدة ولا راضية، وما أراه سوى حظي العاثر في تلك الحياة البائسة.

وعندها سال الدمع من عينيها غزيراً، وأجهشت بالبكاء المر.

قامت إليها وقد خنقتها العبرة إشفاقًا عليها، وأخذت تربت على كتفها تواسيها وتخفف عنها، ثم جلست بجوارها لتلقي إليها نصحًا في رقة وحنان: يا ابنة خالتي، أولم يكن خيرًا لك لو اجتهدتِ في إصلاح حال زوجك، وسعيتِ في تقويم شخصه المعوج، وداويته من سقام الضعف والوهن، لتأني بنفسك من وهدة هذه الأحزان المهلكة؟

نظرت إليها وعيناها لا تزال تطفر الدمع، والعبرات تتردد في حلقها، وقالت في وهن: وما أدراك أني لم أفعل؟ لقد استفرغت الوسع، وأنفقت غاية جهدي في سبيل إصلاحه وتقويمه، غير أن مسعاي أخفق في كل محاولة حتى آيست منه، ولقد رسخ في اعتقادي أنه لا أمل فيه، وأنه أسير طبع ورثه عن أبيه.

فلقد شهدته بوهن يضاهي وهن زوجي أو يزيد، وكم أبصرته يخنس أمام زوجته وهي تصرخ فيه، وما كان منه من رد سوى كالذي يكون من هرٍّ جريح يموء كالذي يغشى عليه من الموت.

تمتمت هنا صاحبتها، واستدركت عليها: إنما أراك قد ذكرت ما يعذره ويرفع عنه الملامة والتثريب، فإنما هو أسير طبع موروث لا يملك فكاكًا منه، فهو مجني عليه من أبيه، ولا جرم له.

تنهدت وقالت مستنكرة: انظري ما تقولين يا ابنة الخالة، فإن كان كل ذي خطأ أو نقيصة معذورًا لغلبة طبعه عليه، فلا لوم على مخطئ، ولا تثريب على ذي نقيصة، بل لا عقاب البتة على أحد وإن اقترف من الخطايا ما يشاء، فالجميع أسرى طباعهم لا يملكون حيالها صرفًا ولا نصرًا.

وإن الله قد أودع في خلقه قوة بها يجابهون ميل النفس المجبولة على حب الشر، ويقوّمون اعوجاجها، ويرممون الخلل الذي أصابهم، وإن لم يفلحوا في إحراز تمام العافية حازوا نصيبًا منها، وذاك فيهم مكرمة، ولهم شرف.

لكن أن يستسلم أحدنا للوهن، ولا يسعى أدنى سعي لتبرئة نفسه من سقامها، ثم لا يكون مخطئًا، فذاك لا يقره عقل ولا شرع، وهذا ما أراه ماثلًا في هذا الذي قضى على قدري أن يكون شريك حياتي، ما استشعرت يومًا منه عزمًا على إصلاح نفسه، رغم أني توسلت إليه كثيرًا أن يفعل، فيا ليت شعري كيف يكون معه غدي؟ وكيف سيكون من ذلك ولدي؟ وليس سوى الله مستعان على بليتي.

سكتت ابنة الخالة عجزًا عن تفنيد ما قالت، فلم يكن منها سوى التأمين عليه قائلة: ونِعْم بالله!

اقرأ أيضا

رواية: قسوة على شاطئ الحنان

رواية: طلاء الشيطان

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة