الكويت وفلسطين.. الثبات في زمن التحولات
في خارطة
العلاقات الدولية، غالباً ما تخضع المواقف السياسية لمنطق المصالح المتغيرة
والضغوط الآنية، إلا أن العلاقة بين دولة الكويت والقضية الفلسطينية تظل عصية على
هذا المنطق؛ فهي علاقة عضوية تأسست على قاعدة صلبة من الالتزام الديني والشرعية
القانونية والإجماع الشعبي.
اليوم، وفي غمرة
ما تمر به المنطقة من مخاضات سياسية كبرى، تبرز الكويت ليس فقط كداعم، بل كشريك
تاريخي وحارس أمين لثوابت الأمة تجاه قضيتها المركزية.
ترسانة قانونية صلبة.. مأسسة الرفض للتطبيع
فالكويت تنفرد
بوجود إطار قانوني دستوري يحكم علاقتها بالاحتلال «الإسرائيلي»، فمنذ المرسوم
الأميري الصادر في 5 يونيو 1967م، الذي ينص بوضوح على أن «دولة الكويت في حالة حرب
دفاعية مع العصابات الصهيونية»، لم يتغير هذا الموقف قيد أنملة.
هذا الالتزام
القانوني تعزز في السنوات الأخيرة، وتحديداً في عام 2021 وما تبعه من تحديثات
تشريعية في عام 2024 و2025م، حيث غلّظ مجلس الأمة الكويتي عقوبات التطبيع، لتشمل
حظراً شاملاً لأي تعامل مباشر أو غير مباشر، وحظر دخول أي منتجات مرتبطة بالكيان، إنها
المأسسة التي جعلت الموقف الكويتي عصياً على الالتفاف، وحولت فلسطين من وجهة نظر
إلى قضية سيادية كويتية، ترافق معها جهد توعوي ديني وسياسي ومجتمعي.
لا يمكن قراءة
الصمود الكويتي دون التوقف عند المحطة المفصلية التي أرساها الأمير الراحل الشيخ
صباح الأحمد الجابر الصباح، طيب الله ثراه، قائد العمل الإنساني، وما مقولته
التاريخية: «إن الكويت لن تطبّع مع الكيان «الإسرائيلي» إلا دليل رسم حدود الحركة
للدبلوماسية الكويتية.
نهج القيادة السياسية.. البوصلة التي لا تخطئ
هذا النهج لم
يرحل برحيله، بل تعمق في عهد سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، الذي
أكد في قمم عديدة (آخرها مطلع عام 2026م) أن القضية الفلسطينية هي البوصلة التي لا
تخطئ، مشدداً على رفض أي تسوية لا تضمن الحقوق المشروعة، وعلى رأسها الدولة
المستقلة وعاصمتها القدس.
الاشتباك الإنساني.. دعم ميداني وإغاثي مستدام
في علم السياسة،
الموقف الحقيقي هو الموقف المدعوم بالعمل الميداني الموجه، تكشف إحصاءات عام 2025
وحتى مارس 2026م عن أرقام تعكس حجم الاشتباك الإنساني الكويتي مع فلسطين:
فمنذ أكتوبر
2023 وحتى الربع الأول من 2026م، سيّرت الكويت ما يزيد على 150 طائرة إغاثية،
محملة بآلاف الأطنان من المستلزمات الطبية والغذائية، ومعدات الإيواء، بتنسيق
مباشر بين الهلال الأحمر الكويتي والجهات الفلسطينية.
وساهم الصندوق
الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية بتمويل مشاريع بنية تحتية في فلسطين تجاوزت
قيمتها الإجمالية 400 مليون دولار على مدار العقدين الأخيرين، مع تخصيص حزم طارئة
لقطاع غزة في عام 2025م لإعادة ترميم المدارس والمستشفيات.
وفي ذروة
الأزمات المالية التي واجهتها وكالة «الأونروا»، كانت الكويت سباقة بتقديم تبرعات
إضافية؛ ففي عام 2025م وحده، قدمت الكويت منحة استثنائية بلغت 30 مليون دولار
لضمان استمرار خدمات التعليم والصحة للاجئين، لتظل الكويت ضمن قائمة أكبر 10
مانحين دوليين للوكالة تاريخياً.
تاريخ من البناء المتبادل والجذور الاجتماعية العميقة
العلاقة
الفلسطينية الكويتية ليست علاقة مانح ومستفيد، بل هي علاقة بناء متبادل، يعود
الوجود الفلسطيني في الكويت إلى عام 1936م، حين وصلت أول بعثة تعليمية فلسطينية،
ومعها ساهم المعلمون الفلسطينيون في تأسيس النظام التعليمي الكويتي الحديث، هذه الرابطة
المهنية خلقت وشائج اجتماعية عميقة؛ حيث لا يكاد يخلو بيت كويتي من ذكرى لمعلم
فلسطيني ترك أثراً في بناء شخصية أجيال من القادة والمثقفين الكويتيين.
كما أن الكويت
تحتضن جالية فلسطينية تقدّر بعشرات الآلاف، تعمل في كافة القطاعات الحيوية، وتتمتع
بتقدير عالٍ؛ ما يجعل من فلسطين حاضرة في اليوميات الاجتماعية الكويتية، وليس فقط
في النشرات الإخبارية.
بالإضافة لذلك،
تتجلى صلابة الموقف الكويتي في المحافل الدولية؛ حيث أصبح الانسحاب الكويتي أمام
لاعبي الاحتلال ظاهرة متكررة تعكس وعياً شعبياً عابراً للأجيال، ففي عام 2025م،
سجل الرياضيون الكويتيون أكثر من 7 حالات انسحاب في بطولات عالمية (مبارزة، تنس،
سباحة)، مفضلين التضحية بالألقاب الشخصية في سبيل المبدأ الوطني، وثقافياً، تظل
الكويت الحاضنة الأكبر للمهرجانات الداعمة للقدس، والرافضة لتغيير هويتها العربية.
الكويت ضمير العرب وصمام الأمان الإستراتيجي
إن المتأمل في
مسيرة العلاقات الكويتية الفلسطينية، يدرك أننا أمام حالة فريدة من الثبات الإستراتيجي،
فالكويت لم تتذرع ببعد الجغرافيا، ولم تنحنِ أمام عواصف الضغوط السياسية، بل
اختارت أن تكون ضمير العرب المستيقظ.
من منظورنا
كفلسطينيين، نرى في الموقف الكويتي صمام أمان يمنع انهيار السقف العربي بالكامل،
إن هذا التلاحم الذي يجمع بين العمق الديني التربوي، وشرعية القانون (مرسوم 1967)،
وسخاء العطاء، وقوة المجتمع المدني، يشكل سداً منيعاً في وجه التزييف التاريخي.
ستبقى الكويت،
كما عهدناها، العمق الإستراتيجي والقلب النابض بالوفاء، وستبقى فلسطين هي بوصلة
الأحرار في كويت الخير، إنه عهد الرجال للرجال، ووفاء الدم للدم، حتى يرتفع علم
فلسطين فوق مآذن القدس، بجهد المخلصين وصمود الثابتين، وفي مقدمتهم دائماً، الكويت
الشقيقة.
اقرأ أيضاً:
الكويت وفلسطين.. مسيرة تضامن لا تنكسر ومواقف ثابتة لا تتغير
الكويت تقود معركة الدفاع عن القدس بالمحافل الدولية وتمثل عمقاً للشعب الفلسطيني
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً