يقظة القلب ومسؤولية العمل
حين يوقظ خوف الحساب العمل.. موقف الربيع بن خثيم
أورد الذهبي عن
ابنةٍ للربيع بن خثيم، قالت: «كنت أقول: يا أبتاه، ألا تنام؟! فيقول: كيف ينام من
يخاف البيات(1)»(2).
يتنزل هذا
الموقف في حياة أحد أعلام التابعين الذين اشتهروا بالورع والزهد وشدة المحاسبة،
وهو الربيع بن خثيم، أحد أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومن المشهورين
بالعبادة والسكينة والابتعاد عن مواطن الفتن، ولا يمكن فهم هذه العبارة بمعزل عن
البيئة العلمية والإيمانية التي نشأ فيها جيل التابعين؛ فقد كانت قضية الآخرة،
ومراقبة الله، والخوف من سوء العاقبة، حاضرة في تشكيل الشخصية المسلمة آنذاك.
إن كلمة الربيع
بن خثيم لابنته ليست مجرد جواب على سؤال عن النوم، بل هي نافذة تكشف عن نظام داخلي
كامل يقوم على دوام الشعور بالمسؤولية أمام الله، وعلى تحويل الإيمان بالغيب من
فكرة ذهنية إلى حالة حياة تؤثر في السلوك والوقت والاختيارات.
كيف يحول اليقين بالآخرة الخوف إلى عمل؟
المعنى المركزي
في قول الربيع بن خثيم: «كيف ينام من يخاف البيات» أن الإنسان الذي استقر في قلبه
يقين الحساب لا يتعامل مع الدنيا باعتبارها مقام أمان دائم، بل باعتبارها مرحلة
عبور تحتاج إلى استعداد، وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع قول الله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ {97} أَوَ أَمِنَ أَهْلُ
الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأعراف)؛ فالآيتان تنكران على الإنسان أن يركن إلى الأمن
والغفلة، وتلفتان إلى أن أمر الله قد يأتي بغتةً في وقت يظن فيه الإنسان أنه في
مأمن، ومن هنا يتضح عمق قول الربيع: «كيف ينام من يخاف البيات»؛ فهو لا يقصد مجرد
الخوف من طروء مكروه في الليل، وإنما يعبّر عن قلبٍ استقر فيه معنى المراقبة
والمصير، فلم يعد يرى الغفلة الطويلة أمرًا يليق بمن ينتظر الحساب.
ولا تقف هذه
اليقظة عند مجرد الحذر من الغفلة، بل تمتد إلى محاسبة النفس واستشعار المصير؛ وهو
ما يتضح فيما رُوي عن الحسن البصري، عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،
أنه قال: «إن المؤمن بين مخافتين؛ بين أجل قد مضى لا يدري كيف صنع الله فيه، وبين
أجل قد بقي لا يدري كيف الله بصانع فيه؛ فليتزود المرء لنفسه ومن دنياه لآخرته»(3)؛
فالمؤمن عنده لا يعيش مطمئنًا إلى عمله الماضي، ولا غافلًا عن مصيره القادم، وإنما
يحمله استشعار الحساب على مراجعة نفسه والتزود لآخرته.
ومن هنا يظهر
الفرق بين الخوف المحمود والخوف المذموم؛ فالأول يبني الإنسان ويقوده إلى الإصلاح،
أما الثاني فيشل الإرادة ويمنع الحركة، وقد كان خوف السلف باعثًا على الاجتهاد لا
سببًا للانكسار، وهو ما يوضحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن خافَ أدلجَ،
ومَن أدلجَ بلغَ المنزلَ، ألا إنَّ سلعةَ اللهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللهِ
الجنةُ»(4)؛ فبيّن صلى الله عليه وسلم أن الخوف الصادق من الله والآخرة
لا يُثمر القعود، وإنما يدفع صاحبه إلى المبادرة والسير في طريق العمل حتى يبلغ
غايته.
فلم يكن خوف
الربيع بن خثيم من الآخرة خوفًا يورث اليأس أو يعطّل العمل، بل كان خوفًا إيجابيًا
يدفع إلى المبادرة والإصلاح، ويحوّل استشعار الحساب إلى سلوك عملي، وهكذا يصبح
الإيمان بالآخرة قوةً دافعةً للعمل، تجعل الإنسان أكثر وعيًا بقيمة وقته، وأشد
حرصًا على إصلاح عمله، وأبعد عن التسويف والاغترار بالدنيا.
حين تختصر أفعال الوالدين عشرات التوجيهات التربوية
لم يقدّم الربيع
بن خثيم لابنته محاضرة طويلة، وإنما نقل إليها معنى عظيمًا في كلمات قليلة، وهذا
من أعمق أساليب التربية؛ إذ إن السلوك المستمر أبلغ أحيانًا من كثرة المواعظ، وقد
عبّر الإمام الشافعي عن أثر هذه القدوة في نفوس الأبناء، فقال لمؤدب أولاد هارون
الرشيد: «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم
معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته»(5).
ولا يقف أثر
القدوة عند مجرد تأثر الأبناء بسلوك المربي، بل قد يتحول ما يشاهدونه منه إلى سلوك
يمارسونه بأنفسهم؛ وهذا ما يتجلى في فعل ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صلى
الله عليه وسلم، فقد بات عند خالته ميمونة رضي الله عنها، وقال: «فَقُلْتُ:
لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»،
فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ»(6)،
فكان ما رآه من عبادة النبي صلى الله عليه وسلم سببًا في أن يحاكي فعله مباشرة.
ومن هنا يتضح أن
القدوة العملية لا تحتاج دائمًا إلى كثرة الكلام؛ فالأب الذي يرى أبناءه يقيسون
الزمن بمعايير مختلفة، ويعامل الليل بوصفه فرصة للمحاسبة لا مجرد وقت للراحة، يزرع
في نفوسهم سؤالًا دائمًا: ما قيمة الوقت؟ وما معنى الاستعداد؟
وفي واقع الأسرة
المعاصرة، حيث تتنافس المؤثرات في تشكيل وعي الأبناء، تبقى القدوة العملية من أقوى
وسائل بناء الشخصية؛ فالطفل لا يتعلم فقط مما يسمعه، بل مما يراه متجسدًا أمامه.
كيف يتحول خوف العاقبة إلى قوة نفسية دافعة؟
يكشف موقف
الربيع بن خثيم عن صورة من صور ضبط النفس؛ فقد أعاد تعريف النوم والراحة ضمن
منظومة أكبر هي منظومة الغاية والنجاة.
فالإنسان حين
يعيش لمعنى أعلى يستطيع أن يضبط رغباته الآنية لصالح أهداف بعيدة، وهذا قريب من
مفهوم تزكية النفس في التراث الإسلامي؛ حيث لا يكون الانتصار على الهوى بإلغاء
الطبيعة البشرية، وإنما بتوجيهها، وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى في قوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات)؛ فالخوف من الله هنا ليس خوفًا يشلّ الإنسان، وإنما خوف
يدفعه إلى مجاهدة هواه وضبط رغباته، طلبًا لغاية أبعد وأبقى.
ولهذا كان كثير
من العلماء والعباد يجعلون محاسبة النفس وسيلة لحماية القلب من الغفلة، لا بابًا
لتعذيب الذات، ومن لوازم هذه المحاسبة أن يقف الإنسان مع عمله، فيخاف أن يكون قد
قصّر فيه أو لم يُقبل منه، فيدفعه ذلك إلى مزيد من الطاعة والعمل، ويؤكد هذا
المعنى ما سألت عنه عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله
تعالى: (وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) (المؤمنون: 60)، فقال صلى
الله عليه وسلم (سنن الترمذي (5/ 327 ت شاكر): «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ،
وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ
يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)
(المؤمنون: 61)»(7)؛ فالخوف المحمود لا يقود إلى التوقف
والانكفاء، بل يدفع إلى مزيد من العمل والمسارعة في الخير.
ويتجلى ذلك
عمليًا في حال عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد كان يمر بالآية في ورده فتخنقه
فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته حتى يُعاد ويُحسبونه مريضًا(8)، ومع ذلك
لم يكن خوفه يمنعه من القيام بأمور الأمة وتدبير الرعية؛ فاجتمع في شخصيته خوف
يوقظ القلب، وعمل يحفظ المسؤولية، دون أن يتحول ذلك الخوف إلى تعطيل لمسؤوليته أو
تقصير في واجبه.
فالمؤمن يجمع
بين الخوف والرجاء، وبين العمل وحسن الظن بالله؛ فيكون خوفه باعثًا على اليقظة
ومحاسبة النفس، ورجاؤه بالله مانعًا له من اليأس والقنوط، وبذلك يتحول الخوف من
عبء نفسي إلى قوة داخلية تعينه على ضبط نفسه والثبات على غايته.
حين تتحول مراقبة الله الفردية إلى مسؤولية مجتمعية
لم يكن أمثال
الربيع بن خثيم يعيشون عبادتهم باعتبارها شأنًا فرديًا منعزلًا، بل كانت أحوالهم
تصنع أثرًا اجتماعيًا، فالشخصية التي تراقب الله في الخلوات تساهم في بناء مجتمع
أكثر أمانة وانضباطًا، ويؤكد القرآن هذا الترابط بين إصلاح الفرد وتغير حال
الجماعة، فيقول تعالى: (إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)
(الرعد: 11)؛ فالتغيير الاجتماعي لا ينفصل عن التغيير الذي يبدأ من داخل
الإنسان، حين يستيقظ ضميره وتستقيم مراقبته لنفسه.
وفي زمن كثرت
فيه المشتتات، يحتاج المجتمع إلى نماذج تعيد الاعتبار لمعاني الانضباط الداخلي،
لأن كثيرًا من الأزمات تبدأ من غياب الرقابة الذاتية قبل أن تظهر في صورة مشكلات
عامة، ولا تقف مسؤولية الفرد عند إصلاح نفسه، بل تمتد إلى حماية المجتمع من آثار
الخطأ والانحراف؛ وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا بليغًا فقال: «مَثَلُ
الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ
اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ
أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ
مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا
خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا
هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا»(9)؛
فالمجتمع اليقظ لا يكتفي بأن يكون أفراده صالحين في ذواتهم، بل يتعاونون على منع
الضرر قبل أن يتحول الخطأ الفردي إلى خطر يصيب الجميع.
ولهذا فإن معنى «الخوف
من البيات» يمكن أن يُقرأ اليوم بوصفه دعوة إلى عدم الغفلة عن التحولات المفاجئة
في الحياة، سواء في المجال الشخصي أو الأسري أو المؤسسي، مع المحافظة على التوازن
وعدم الاستسلام للقلق، ويتجلى هذا المعنى في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في
عام الرمادة، حين جعل نفسه في مستوى معاناة رعيته، وامتنع عن التوسع في الطعام
والعيش حتى ينكشف عن الناس ما أصابهم، وقال: «كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني
ما مسهم؟»(10)؛ فاليقظة هنا لم تبقَ شعورًا داخليًا، وإنما تحولت إلى
مسؤولية عملية، جعلت القائد يستشعر الخطر قبل أن يتحول إلى مجرد أرقام أو أخبار،
ويترجم مراقبته لله إلى رعاية حقيقية للناس.
وبذلك يتحول
«الخوف من البيات» من معنى فردي يتعلق باستعداد الإنسان لما قد يفاجئه، إلى ثقافة
أوسع تقوم على اليقظة والمسؤولية والتعاون؛ فالفرد المستيقظ يحفظ نفسه، والمجتمع
المستيقظ يحفظ أفراده، والقيادة الواعية تحول هذا الاستعداد الداخلي إلى سلوك يحمي
الجماعة من الغفلة وآثارها.
لماذا تتجاوز العبارة البليغة حدود ألفاظها المعدودة؟
تتميز إجابة
الربيع بجمال بلاغي ظاهر؛ فقد جمع في جملة قصيرة بين صورة النوم وصورة المفاجأة،
فجعل السامع ينتقل من سؤال بسيط عن الراحة إلى سؤال أعمق عن المصير، وهذا اللون من
الإيجاز يجعل العبارة تتجاوز عدد ألفاظها إلى سعة معانيها، وقد وصفت عائشة رضي
الله عنها كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «كَانَ كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَامًا فَصْلًا يَفْهَمُهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ»(11)؛
فبلاغة العبارة لا تقوم على كثرة الألفاظ، وإنما على وضوح المعنى وحسن إيصاله إلى
السامع.
وهذه إحدى خصائص
كلمات الحكماء؛ أنها لا تشرح كل شيء، لكنها تفتح أبوابًا واسعة من التأمل، وقد ظهر
ذلك في كلام الربيع نفسه، حتى قال سفيان الثوري: «قَالَ رجل: صحبنا الربيع بْن
خثيم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد(12)»(13)؛ فكأن
قيمة كلامه لم تكن في كثرته، وإنما في كثافة معناه وقوة أثره، حتى كانت الكلمة
الواحدة منه تترك في النفس مجالًا واسعًا للتفكر والمراجعة.
ويؤكد هذا
المعنى ما جاء في جواب النبي صلى الله عليه وسلم لسفيان بن عبدالله الثقفي حين طلب
منه قولًا جامعًا يستغني به، فقال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ»(14)؛
فجاءت العبارة في ألفاظ قليلة، لكنها جمعت أصل الاعتقاد وأصل السلوك، ولذلك أصبحت
مثالًا واضحًا على أن قوة الكلمة ليست في طولها، وإنما في قدرتها على حمل المعنى
وإيصاله بوضوح وتأثير.
ومن هنا تبدو
عبارة الربيع بن خثيم: «كيف ينام من يخاف البيات؟» نموذجًا لهذا النوع من البلاغة؛
فهي لا تقدم موعظة مطولة، ولا تسرد تفاصيل حاله، وإنما تضع السامع أمام صورة واحدة
مكثفة؛ نومٌ قد ينقطع بمفاجأة، وخوفٌ يجعل الغفلة غير ممكنة، ولهذا فإن عبارة
واحدة قد تختصر تجربة عمر كامل من المجاهدة والمراقبة، وتبقى مفتوحة على أسئلة لا
تنتهي عن الغفلة والاستعداد والمصير.
لماذا يحتاج الإنسان المعاصر إلى الخوف المسؤول؟
يحتاج الإنسان
اليوم إلى استعادة هذا المعنى بصورة متوازنة؛ فالحياة الحديثة مليئة بالمفاجآت،
والإنسان الحكيم لا يعيش في غفلة كاملة ولا في خوف مشلول، وهذا التوازن هو ما يوجه
إليه قوله تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: 18)؛
فالنظر إلى ما يقدمه الإنسان لغده يوقظ فيه معنى الاستعداد والمراجعة، دون أن
يحوله إلى الخوف المعطل أو القلق المستسلم.
فالاستعداد
الحقيقي يظهر في ترتيب الأولويات، وإصلاح العلاقة بالله، وحسن إدارة الوقت، وبناء
النفس القادرة على مواجهة التحولات، وهذا المعنى يمتد إلى القائد والمربي والمعلم؛
فكل مسؤول يحتاج إلى يقظة تمنعه من الاستسلام للراحة المؤقتة على حساب الأهداف
الكبرى، ويجسد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ)
(البقرة: 197)؛ فالاستعداد ليس مجرد توقع لما قد يحدث، وإنما هو تزوّد بما
يعين الإنسان على مواجهة المستقبل، وفي مقدمة ذلك تقوى الله التي تضبط اختياراته
وتوجه سلوكه.
إن موقف الربيع
بن خثيم يذكر بأن أعظم ما يملكه الإنسان ليس طول العمر، وإنما جودة الاستعداد لما
بعد العمر، فاليقظة التي صنعتها مراقبة الله لم تكن هروبًا من الحياة، بل كانت
طريقة أعمق لفهمها، ويتجلى هذا المعنى في إحساس عمر بن الخطاب رضي الله عنه
بالمسؤولية حين قال: «لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت أن الله تعالى سائلي
عنها يوم القيامة»(15)؛ فذلك الخوف لم يكن خوفًا مجردًا، وإنما كان
وعيًا بالمسؤولية واستعدادًا للمساءلة، يجعل الإنسان يرى أثر تقصيره قبل أن يتحول
إلى واقع يمس الآخرين.
ومن هنا يتضح أن «الخوف من البيات» لا يدعو إلى الهروب من الحياة، وإنما إلى اليقظة داخلها؛ أن يعرف الإنسان أن الفرص قد تفوت، وأن الأحوال قد تتغير، وأن المسؤوليات لا تنتظر، فيعيش حاضرَه بوعي، ويستعد لمستقبله بعمل، ويجعل خوفه من التقصير دافعًا إلى الإصلاح، لا سببًا للقلق والعجز.
الهوامش
- 1 البيات: يقال أتاهم الأمر بياتًا؛ أي: فجأة في جوف الليل، والمقصود هنا: الخوف من الموت أو الهلاك بغتةً، المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (1/ 78).
- 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 260).
- 3 أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (190)، والبيهقي في شعب الإيمان (10581)، وفي إسناده انقطاع.
- 4 أخرجه الترمذي في سننه (2450)، وقال عقب روايته: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر».
- 5 تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (4/ 306).
- 6 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (4570)، ومسلم (763).
- 7 أخرجه الترمذي في سننه (3175)، واللفظ له، وأخرجه ابن ماجه (4198)، وصححه الألباني.
- 8 محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ابن المبرد الحنبلي (2/ 616).
- 9 أخرجه البخاري (2361).
- 10 المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: ابن الجوزي (4/ 250).
- 11 أخرجه أبو داود في سننه (4839)، واللفظ له، والترمذي (3639) بنحوه، وحسنه الألباني.
- 12 تصعد: «ارتقى وعلا» ومنه قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (فاطر: 10)، مادة «صعد»؛ والمقصود: أنه ما تكلم في حياته إلا بكلمة خيرٍ ونفعٍ تُرفع بها درجته عند الله تعالى، انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة: د أحمد مختار عبدالحميد عمر (2/ 1249).
- 13 التدوين في أخبار قزوين: أبو القاسم الرافعي القزويني (1/ 99).
- 14 أخرجه أحمد في مسنده واللفظ له (15416)، ومسلم (38) باختلاف يسير.
- 15 الجامع الكبير: السيوطي (15/7).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً