مجرد القصف لن يغير النظام..

ترمب شن الحرب على إيران دون خطة

جمال خطاب

05 مارس 2026

800

بدأ القصفالأمريكي لإيران دون أي تفسير، ودون موافقة الكونجرس، ودون حتى محاولة لكسب تأييد شعبي للحرب، والأهم من ذلك، أنه بدأ الحرب دون إستراتيجية متماسكة للشعب الإيراني، ودون خارطة طريق تُمكّنه من تقرير كيفية بناء دولة إيرانية شرعية.

عجز أم نكوص؟

وقد أثر هذا التناقض على سياسة إدارة ترمب لأسابيع عديدة، ففي 8 مناسبات على الأقل خلال الانتفاضة الشعبية في إيران مطلع يناير المضي، شجع ترمب الإيرانيين على السيطرة على مؤسساتهم، ووعد بأن المساعدة الأمريكية في طريقها، ولكن في الشهر الماضي فقط، وبعد أيام من ارتكاب النظام الإيراني مجزرة راح ضحيتها آلاف من مواطنيه، وجّه المبعوث الخاص لترمب، ستيف ويتكوف، رسالة معاكسة، فقد وصف إيران بأنها صفقة يجب أن تُبرم، وقال: إنه يمكن الترحيب بها في عصبة الأمم.

كما صرّح نائب الرئيس فانس بأن مصالح أمريكا في إيران محدودة، وقال للصحفيين مؤخرًا: إذا أراد الشعب الإيراني إسقاط النظام، فهذا شأنه، وأضاف: ما نركز عليه الآن هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

غياب إستراتيجية شاملة 

وغياب إستراتيجية شاملة يعتبر نمطاً مُتكرراً، فعلى مدى عقود، تذبذب الرؤساء الأمريكيون من الحزبين بين الإكراه والانخراط مع إيران، فكانوا يُقدمون الدبلوماسية أحيانًا، ويفرضون العقوبات أحيانًا أخرى، وسعى كلٌ من دعاة السلام ودعاة التشدد إلى إدارة تكتيكات الجمهورية الإسلامية -طموحاتها النووية، وصواريخها الباليستية، وشبكة المليشيات التابعة لها في جميع أنحاء الشرق الأوسط- دون التوصل إلى إستراتيجية فعّالة لمواجهة المشكلة الجذرية المتمثلة في أيديولوجية النظام نفسه.

دولة دينية

إن الجمهورية الإسلامية دولة دينية تأسست صراحة لمعارضة أعمق مبادئ الديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون، وخلال فترة حكمها التي امتدت 47 عامًا، لم تشهد هذه الدولة الدينية أي إصلاح سياسي حقيقي، ولم تُحرز أي تقدم في سجلها في مجال حقوق الإنسان، ولم تتوقف قط عن محاولة تصدير تطرفها إلى الخارج، وللحفاظ على سيطرتها، لجأت الحكومة إلى العنف الجماعي والترهيب والمراقبة.

وفي السنوات الأخيرة، سعى النظام أيضاً، بنجاح، إلى استخدام حملات التشويه الإلكتروني لزرع الفتنة بين صفوف المعارضة الإيرانية وتشويه سمعتها، ومع ذلك، وكما كتبت الباحثة والناشطة لادان بوروماند، لطالما فضّلت الديمقراطيات الليبرالية الغربية التعامل مع الجمهورية الإسلامية حصراً تقريباً من خلال نموذج السياسة الواقعية، والانخراط في مفاوضات لا تُجدي نفعاً.

كانت هناك فرص عديدة لتجربة نهج مختلف، ففي عام 2009م، إبان الاحتجاجات الجماهيرية في إيران، كان بإمكان إدارة أوباما وضع حملة حقوق الإنسان في صميم سياستها تجاه إيران، والترويج للشعب والأفكار والتعليم والإعلام التي كان من شأنها أن تُسهم في تغيير إيران من الداخل.

وفي عام 2019م، بعد إلغاء الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما مع إيران، كان بإمكان إدارة ترمب الأولى أن تحذو حذوها، لكنها لم تفعل.

السير في الاتجاه المعاكس

وقد ذهبت إدارة ترمب الثانية أبعد من ذلك بكثير في الاتجاه المعاكس، حيث قامت فعلياً بتفكيك الأدوات التي كان من الممكن أن تُسهم في تعزيز المشاركة المدنية وبناء معارضة موحدة في إيران، قامت الإدارة الأمريكية بسحب التمويل من منظمات مراقبة حقوق الإنسان الإيرانية، وخفضت تمويل مشاريع إعلامية، وتحت قيادة المرشحة السياسية السابقة عن ولاية أريزونا، كاري ليك، منعت وكالة الإعلام العالمي الأمريكية إذاعة «فردا»، القناة الفارسية التابعة لإذاعة «أوروبا الحرة/راديو الحرية الأمريكية»، من استخدام معدات البث الأمريكية.

تقليص بث قناة «صوت أمريكا» الفارسية

وقالت «إذاعة صوت أمريكا»، القناة الفارسية الأخرى التابعة للحكومة الأمريكية: قلّصت بثها وتغطيتها وفقدت مصداقيتها بسبب بثها برامج منحازة، ونتيجة لذلك، تراجعت شعبية «صوت أمريكا» لصالح قناة «إيران الدولية» الممولة من السعودية، كما خفضت التمويل لوكالة أخرى، هي صندوق التكنولوجيا المفتوحة، المخصص لتوفير الشبكات الافتراضية الخاصة والوصول إلى الأقمار الصناعية للإيرانيين، من بين أمور أخرى، وقد يُسهم هذا القرار أيضاً في عزل الإيرانيين داخل البلاد عن حركة المعارضة الواسعة في الشتات.

لمن يجب عليهم الاستسلام؟!

إن عدم اكتراث الإدارة الأمريكية الواضح بالمعارضة الإيرانية يضفي مزيدًا من الغرابة على الفيديو الذي نشره ترمب فجر السبت 28 فبراير، فقد دعا الحرس الثوري الإسلامي والقوات المسلحة الإيرانية والشرطة إلى إلقاء أسلحتهم.

ولكن لمن يجب عليهم الاستسلام؟ لقد كاد يستفز الشعب الإيراني ليأخذ زمام المبادرة، قائلاً: لنرَ كيف ستردون، أمريكا تدعمكم بقوة ساحقة وقوة مدمرة.

من هم «أنتم»؟

لكن من هم «أنتم»؟ هل هم نشطاء المجتمع المدني وحقوق المرأة الذين يسعون لبناء مجتمع يسوده حكم القانون، ويتسم بالشفافية والمساءلة واستقلال القضاء؟ أم الأقليات العرقية -الأكراد والبلوش والأذربيجانيون وغيرهم- الذين ينشدون دولة لا مركزية ومزيدًا من الحكم الذاتي؟ أم أنصار الملكية الجديدة المتعصبون أحيانًا، الذين حاولوا في الأشهر الأخيرة تهميش الآخرين؟ أم الجماعات المنشقة داخل الحرس الثوري الإيراني التي قد تكون مهتمة بإقامة دكتاتورية عسكرية؟

الإجابة مهمة، فكما أخبرني أحد المقربين من المعارضة إبان الهجوم الأمريكي السابق، فإن مجرد قصف إيران لن يُنشئ نظامًا مستقرًا، قال لي: إذا كان هناك أي وهْم بأن يصل زعيمٌ ما إلى السلطة بمساعدة طيارين أجانب، فهذا لن يحدث بالتأكيد، وقد راسلني ناشط إيراني آخر هذا الصباح قائلًا: هذا من أسعد أيام حياتي يا آن، وأنا قلق للغاية بشأن ما سيحدث لاحقًا، (طلب كل من المسؤول المعارض والناشط عدم الكشف عن هويتهما خوفًا من الانتقام).

لا يكمن المغزى في أن تروج الولايات المتحدة للديمقراطية لذاتها، بل يجب أن يكون الهدف مساعدة الإيرانيين على تحقيق الاستقرار، ولكي يسود السلام في المنطقة، يجب على طهران أن تتحول من معقل للتمرد إلى عاصمة دولة تسعى لبناء السلام والازدهار لمواطنيها.

إن إيران المستقرة التي تلتزم بالقانون ستساهم في بناء شرق أوسط مستقر يحترم القانون، ولكن لتحقيق ذلك، لا تحتاج إيران إلى دكتاتورية جديدة، بل إلى حق تقرير المصير وحكومة تعددية تحترم الحقوق الأساسية، ولكن إدارة ترمب، لا تسعى، في الوقت الراهن، إلى بناء مثل هذا النظام.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة