«صحاب الأرض».. وإعادة تعريف الهوية البصرية للدراما

تكتسب الكتابة النقدية في لحظات التحول التاريخي الكبرى شرعيتها من قدرتها على الاشتباك مع الواقع دون مواربة، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة مسلسل «صحاب الأرض» الذي عرض في موسم رمضان الدرامي 2026م، الذي جعل من الفن شهادة حية يرفض استعارات التجميل التقليدية وينحاز لما يمكن أن نسميه بالواقعية الخشنة.

هذا الانحياز يمثل ضرورة أخلاقية فرضتها اللحظة الراهنة، لتصبح قسوة الكادر وخشونة الصورة اللغة الوحيدة والبليغة القادرة على محاورة التاريخ دونما تزييف، وهنا تبرز الإشكالية النقدية التي طالما أرقت المبدعين حول مدى ذوبان الخصوصية الإبداعية أمام سطوة التوثيق؛ «الدوكيودراما» (Docudrama)؛ وهو مصطلح يصف الأعمال التي يدمج فيها الكاتب الحقيقة مع الخيال لملء الفجوات الدرامية التي لا توفرها الوثائق، وهو ما نراه غالباً في مسلسلات السير الذاتية أو الحروب.

إلا أن التدقيق في بنية هذا العمل يؤكد أن الخصوصية تتجوهر وتتأكد حين يوضع الفنان في اختبار المواجهة مع الحقيقة العارية، حيث تظهر هذه الخصوصية في أبهى صورها من خلال اللغة البصرية التي اعتمدها المخرج بيتر ميمي، خاصة في المشاهد التي تناولت استهداف المركز الطبي وانفجار المستشفى المعمداني، ففي مشهدية الركام التي تلت استهداف المركز، جاءت الأنقاض كنص موازٍ يحمل «سيميوطيقا» الدمار في أقسى تجلياتها، حيث تعمدت الكاميرا استعراض الأنقاض بصورتها الواقعية، بأسلاكها المتداخلة وغبارها الكثيف، دون اللجوء إلى المرشحات البصرية للتقليل من حدة الصدمة لدى المشاهد.

في قلب هذا القبح المفروض الواقعي، تجلت الخصوصية الإبداعية في فعل الاختيار؛ اختيار التركيز على يد «ناصر» التي تخرج من بين الركام محملة بالأمل في إنقاذ طفل، لنرى هذا التباين الصارخ بين الحجارة الصلبة والروح الإنسانية الهشة، وهي رؤية صادقة لمبدع استطاع أن يستنطق الحجر ويحوله إلى صرخة وجودية.

هوية سمعية

لم تقتصر بلاغة الأنقاض على الصورة الفنية فحسب، بل امتدت لتشمل الهوية السمعية للعمل من خلال تتر المسلسل، حيث أعاد الثنائي ناي البرغوثي، وأمير عيد، صياغة الأغنية التراثية «ياما مويل الهوى» برؤية موسيقية مغايرة تجمع بين رسوخ الوجع الفلسطيني وقسوة الواقع المعاص، فجاء التتر كعتبة نصية موازية، يتداخل فيها شجن الناي الأوبرالي مع صدمة القصف وأزيز الطائرات، ليؤكد أن عنصر الموسيقى خيط درامي نفسي يربط كل تلك الأرواح المبعثرة تحت الركام، ويعلن انحياز الفن المطلق لحق الأرض في البقاء؛ وهو ما دعم دور التلاحم السمعي في التأكيد على واقعية اللحظة وتجسيد الدمار في مواجهة الإنسان الذي يعصى على الانكسار!

ويرتبط هذا التحليل البصري والسمعي ارتباطاً عضوياً بالبناء النفسي للشخصيات الذي يتجاوز هنا القوالب الدرامية التقليدية نحو «سيكولوجية المواجهة» في أقصى تجلياتها، حيث ابتعد المخرج عن الشخصيات النمطية التي تمثل البطولة والمثالية؛ لنرى أمامنا ذوات إنسانية مهشمة يعاد تشكيل وعيها تحت وطأة الصدمة.

ويبرز هذا التحول الجذري في شخصية «ناصر» التي جسدها إياد نصار، فبنية شخصيته النفسية تتسم بالتيه الوجودي في مواجهة الفقد المطلق؛ إنه رجل يواجه محواً تاماً لهويته المكانية والعائلية، وما حدث من انتقال «ناصر» من حالة الذهول الأولي إلى حالة الفعل الغريزي لإنقاذ ابن شقيقه، يمثل ارتداداً نفسياً نحو البقاء كفعل مقاومة وحيد متبق أمامه.

وهذا البناء النفسي يعكس مدى الصدق الإنساني في أعمق صوره، حيث تغيب الدوافع التقليدية والخطب الرنانة لصالح الصمت الثقيل والحركة المرتبكة وسط ركام المنازل؛ ما يجعل من «ناصر» تجسيداً حياً وواقعياً لذاكرة وطنية محتلة تحاول استرداد أنفاسها من تحت الأنقاض، في حالة من الانفصال الشعوري الذي تفرضه شدة الفاجعة كآلية دفاعية للنجاة.

وهو ما يتناغم بصرياً مع مشهد انفجار المستشفى المعمداني، الذي بلغت فيه الواقعية الخشنة ذروتها عبر دمج تقنيات كاميرات المراقبة وهواتف شهود العيان مع النسيج الدرامي؛ ما خلق حالة من الصدمة التوثيقية التي تتجاوز مفهوم الدراما التقليدية، فخصوصية الحدث هنا لم تذب في المشهد الإخباري، الذي يهتم برصد الواقع بأرقامه وصوره وتفجيراته لتستعيده الدراما مكسبة إياه حرارة الانفعال الإنساني.

وهو ما ظهر بوضوح في وجه الطبيبة المصرية «سلمى» التي تجمدت ملامحها في لقطة قريبة وسط سحابة من الغبار وعدم وضوح الرؤية المعتمد فنياً، ليعكس للمشاهد مدى الذهول البصري وانهيار المنطق الإنساني أمام توحش الآلة العسكرية، فتعمد اللا وضوح في رؤيتها هنا هو في حد ذاته موقف جمالي ينتمي لدراما الحقيقة، التي لا تهتم بالتناغمات البصرية المثالية لصالح التنافر الذي يعبر عن تشظي الواقع المعاش؛ ما يجعل من المشاهد شريكاً في حالة الهلع والضياع لا مجرد متفرج سلبي على مسافة آمنة.

معنى الوطن

كما نجد البناء النفسي لشخصية الطبيبة «سلمى» التي جسدتها منة شلبي يمثل تقاطع عقدة الذنب مع الواجب الأخلاقي، فهي الطبيبة القادمة من رغد الحياة والأمان لتصطدم بواقع ينسف كل مكتسباتها العلمية والمنطقية.

وقد مر تطور «سلمى» النفسي بمرحلة الاستلاب أمام حجم الدمار، حيث تنهار الحدود بين الذات والموضوع؛ فلم تعد «سلمى» الطبيبة التي تعالج الجرحى، بل أصبحت جزءاً من الجرح ذاته، وهذا التماهي النفسي هو ما منح شخصيتها خصوصيتها، التي تبدت في ملامحها جماليات الهلع مع فظاعة المشهد؛ ا حولها من متطوعة إغاثية إلى كيان إنساني يعيد تعريف معنى الوطن والانتماء عبر الألم المشترك، والخشونة في بنائها النفسي ظهرت في تخليها عن الحياد المهني لصالح التعامل مع الصدمة؛ ما جعل انفعالاتها غير متوقعة وخارجة عن سياق السيطرة المنطقية، وهو ما جعل أداءها متسقاً مع عشوائية الموت المحيط بها.

وفي هذا السياق، تبرز الشخصية الأكثر تعقيداً ورمزية وخصوصية؛ وهي «عم إبراهيم» التي جسدها كامل الباشا، لتطرح مفارقة نفسية مذهلة بين الزهايمر ورسوخ الذاكرة الوطنية، فالبناء النفسي لـ«عم إبراهيم» يقوم على فكرة الذاكرة الانتقائية التي ترفض نسيان الجغرافيا رغم ذوبان التفاصيل الشخصية؛ فهو رجل لا يتذكر اسمه لكنه يعرف «حجر حجر» في زواريب غزة.

وهذا الانشطار النفسي يمثل حصانة الهوية وصمودها ضد المحو، ليتحول مرضه إلى درع جمالي يحمي جوهر الأرض بداخل وعيه؛ وما لقاء «ناصر» التائه بـ«عم إبراهيم» الحافظ للأرض إلا لقاء من الوجع بين جيلين؛ حين يمنح العجوز البوصلة النفسية للشاب المحطم، إذن؛ فالخصوصية الإبداعية هنا تأكدت في تقديم المرض كمصدر للثبات؛ ما يجعل من «عم إبراهيم» أيقونة سيكولوجية تثبت أن الارتباط بالأرض يتجاوز حدود الوعي الإدراكي إلى منطقة الغريزة الوجودية الصرفة، وهو ما يرسخ فكرة أن الواقعية الخشنة تستنفر أعمق طبقات الروح الإنسانية لتعلن صمودها.

وهذا الالتحام الخشن بالواقع يمنح الدراما العربية مشروعية عالمية جديدة، إذ يكسر احتكار السرديات الجاهزة ويقدم بلاغة الفاجعة بلسان أصحابها الذين عاشوها وعايشوها، فالخصوصية الإبداعية في «صحاب الأرض» تأكدت عبر القدرة على «أنسنة» الوثيقة البصرية وجعلها نابضة بالحياة خلال تداخل الأبعاد السيكولوجية مع الصورة العارية من التجميل، فالركام والهشيم وسحب الغبار المتراكمة في سماء غزة على مدار أشهر بل أعوام، أصبح في وعي المشاهد جزءاً من ذاكرة «عم إبراهيم»، وجزءاً من وجع «ناصر» وتيه «سلمى»، وحلم «فدوى»، وبذلك أثبت العمل أن هذه الواقعية الخشنة على فظاعتها هي الاختيار الدرامي المثالي الذي يتجلى فيه صدق المبدع في تحويل الألم الإنساني إلى صورة بليغة عصية على النسيان، قادرة على مخاطبة الضمير العالمي بلغة فنية تؤكد عمق التجربة وفرادتها.



اقرأ أيضاً:

الصهيونية العالمية.. ومشاهد درامية من الحرب الإيرانية لإحراق الخليج!

«رامز ليفل الوحش».. سادية الترفيه في ميزان القيم والقانون!

بين الهوية و«البرند».. هل فقدت الدراما الرمضانية روحها؟!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة