«رامز ليفل الوحش».. سادية الترفيه في ميزان القيم والقانون!
أصابتني الدهشة
والألم حين تأملت ما يحدث من تجاوزات تطال ضيوف بعض البرامج الترفيهية التي أذيعت
في موسم رمضان الماضي (2026م)، والحقيقة أنني لم أستطع غض الطرف عنها، فوجدتني
أتوقف بكثير من الأسى أمام أشدها خطورة وتأثيراً على متابعيها وأكثرها ابتزازاً
لضيوفها وهو البرنامج الذي جاء هذا الموسم تحت عنوان «رامز ليفل الوحش».
وعبارة «ليفل
الوحش» هذه مصطلح دارج ومعروف في عالم الألعاب الإلكترونية، يشير إلى المرحلة
الأخيرة والأكثر صعوبة في اللعبة؛ حيث يواجه اللاعب أقوى عدو له في نهاية اللعبة،
واستخدام هذا المصطلح ليس إلا لجذب فئة معينة من المشاهدين وهي فئة الشباب
والمراهقين، وإعطاء إيحاء لمن يسمع العنوان بأن المقلب هذا العام هو الاختبار
الأكثر شراسة والذي لا يمكن تجاوزه بسهولة.
ومن هنا ندرك
أننا أمام إستراتيجية تسويقية تعبث بوعي الأجيال الجديدة؛ فالعنوان المستوحى من
ثقافة الألعاب الإلكترونية إعلان صريح عن تصعيد السادية الترفيهية، كما أن استعارة
مفهوم «ليفل الوحش» تعني أن البرنامج قد غادر منطقة المقالب التقليدية ليدخل منطقة
الاختبار النهائي حيث يتم سحق الضيف نفسياً وبدنياً أمام وحش مادي أو تقني لا
يرحم، وكأن الفنان شخصية كرتونية في لعبة يلهو بها رامز طوال الحلقة!
كما أن الاسم
يحمل في طياته وعداً للمتابع بمزيد من القسوة، وتحدياً للضيف بأنه لن يخرج سليماً
من هذا المستوى؛ ما يكرس لفكرة سيطرة صانع الألعاب الذي يتحكم في مصائر البشر
ويحول ذعرهم إلى مادة للمتعة البصرية.
بالإضافة إلى ما
يحمله الاسم في طياته من وعود ضمنية للمتابع بأن ما رآه في السنوات الـ15 الماضية
كان مجرد «تسخين»، وأننا وصلنا الآن إلى ذروة التحدي، في محاولة لكسر أفق التوقع والقفز
على حالة الملل أو التكرار التي قد يشعر بها البعض.
بالإضافة إلى أن
تعبير «ليفل الوحش» أصبح «إيفيهاً» دارجًا في الشارع العربي لوصف أي شيء فائق
الصعوبة أو التميز، وبالتالي تم اختياره كاسم للبرنامج ليضمن سرعة انتشاره كـ«هاشتاج»
وسهولة تداوله بين الناس؛ ما يخدم الماكينة الإعلانية للبرنامج.
في تلك الحلقات
يطل مقدم البرنامج على جمهوره بإطلالة غريبة؛ من شعر برتقالي صارخ، وقرد يرافقه
كأن ما نراه ليس إلا جزءاً من أحد عروض السيرك، ليستدرج زملاءه في المهنة وغيرهم
من المشاهير إلى فخ «الوحش»، والفكرة تبدو في ظاهرها عادية، مجموعة من التحديات
البدنية والنفسية، لكنها في جوهرها رحلة لإذلال الضيف وكسر هيبته، بشكل فجّ،
وبإصرار غريب على انتزاع لحظات مهينة ومربكة وتصديرها كمنتج ترفيهي، حيث يوضع
الضيوف في مواقف مرعبة تجعل المشاهدين ينتظرون انهيارهم الإنساني، وهو أمر يدمي
القلب قبل أن يثير الضحك، لتصبح نسخة 2026 نقطة تحول سلبية ومؤلمة في تاريخ
البرنامج، لتجاوزه كل الخطوط الحمراء؛ فبينما كانت المواسم السابقة تكتفي بجرعة من
التوتر والمقالب العابرة، جاء هذا الموسم ليكون الأكثر قسوة وبشاعة وإهانة على
الإطلاق.
والبرنامج الذي
أذيع بشكل يومي عبر شاشة «إم بي سي مصر» ومنصة «شاهد» نظن أنه كان يرسخ في وعي
المشاهد أن الإهانة يمكن أن تمر مرور الكرام طالما أن العرض مبهر والسخرية
والإهانة مدفوعة الثمن!
نعم! فقد تابعت
بتركيز محتوى البرنامج الذي اعتبره الكثيرون، وأنا منهم، مواقف مهينة لا تليق بما
يطلق عليه «برستيج» النجوم ولا بقيمنا، فعادة ما تبدأ الحلقة بسخرية لاذعة وألفاظ
قاسية من مقدم البرنامج، يتهكم فيها على ملابس الضيوف، أو يفشي أسراراً عن عمليات
تجميل خضعوا لها، أو حتى خفوت أضوائهم الفنية وابتعادهم عن المجال، وكأنه يمهد
الطريق لمحو هيبتهم وإهانتهم، ناهيك عمن نراهم وهم في قمة ذعرهم، ممن يتم إجبارهم
على الاعتذار لرامز أو ترديد عبارات تشيد به تحت وطأة التهديد، وكأننا في محاكمة
هزلية مريعة.
ناهيك عن
المشاهد التي يظهر فيها الضيف وهو يتمرّغ في الوحل/الطين فيتلطخ جسده أو يسقط بشكل
مهين في برك المياه فينهار وتتلوث ملابسه وربما تظهر أجزاء من جسده، وسط صرخات
هستيرية وتوسلات يندى لها الجبين لإنهاء التصوير، ومع هذا فإنه بالرغم من تقاضي
الضيف لأجر مادي، مهما بلغت ضخامته، فإن ذلك لا يمنح أي جهة من الجهات مهما كانت
الحق في الحط من شأنه أو المتاجرة بضعفه، كل هذا يجعلنا نتساءل بكل صدق: هل تلاشت
الحدود بين الترفيه والإهانة إلى هذا الحد فلم يعد يشعر بها صناع وضيوف هذا
البرنامج؟
وهو ما جعل هذا
الوجع الذي نشعر به لا يمر مرور الكرام؛ فقد انتقل الصراع من شاشات التلفزيون إلى
أروقة المحاكم وساحات البرلمان بشكل غير مسبوق في تاريخ البرنامج، حين وقفت إحدى
المحاميات وقفة حازمة واتخذت إجراءات قانونية، معتبرة أن ما حدث في حلقة الفنانة «أ.
ج»، على سبيل المثال، تنمراً صريحاً وإيحاءات لفظية وجسدية تمس جوهر الكرامة
الشخصية للإنسان.
وحتى الرياضة لم
تسلم من عبث البرنامج، إذ اشتعلت فتنة كروية بعد حلقة اللاعب «أ . ز» التي اعتُبرت
إساءة متعمدة لكيان رياضي كبير بحجم النادي «الأهلي» عبر استخدام رمزية مستفزة، ولم
يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فقد تعالت الأصوات داخل مجلس الشعب بطلب إحاطة رسمي
لوقف هذا العبث الذي يرسخ لثقافة العنف والسادية لدى جمهور المشاهدين وبخاصة
أطفالنا.
ورغم أن بعض
النقاد لم يترددوا في وصف البرنامج بأنه وقاحة فنية، ورغم دعوة البعض باستخدام
سلطة الريموت كنترول بدلاً من المنع، فإن القضاء كان له كلمة الفصل برفض دعاوى
الوقف، معتبرًا البرنامج عملاً ترفيهياً اختيارياً، والمفارقة الموجعة هنا هي لغة
الأرقام؛ فبينما نصرخ نحن دفاعاً عن القيم والمبادئ والإنسانية المهانة، يحقق
البرنامج اكتساحاً رقمياً مرعباً بتجاوزه المليار مشاهدة في 10 أيام فقط!
إننا أمام صناعة
ضخمة تُدار بملايين الدولارات؛ فتسريبات الأجور التي تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف
دولار للحلقة الواحدة (أي ما يوازي 2.5 إلى 5 ملايين جنيه) تفسر لنا لماذا يقبل
النجوم بهذه «المرمطة»، فحين ننظر إلى مثل هذه المبالغ الطائلة فنحن نتحدث عن
إغراء مادي يبتلع الكبرياء ويلقيه في جب النسيان.
وللأسف الشديد،
بوجود مثل هذه الميزانية الإنتاجية الفلكية والعوائد الإعلانية التي تخطت 25 مليون
دولار، سيظل «رامز ليفل الوحش» وأمثاله الماكينة الأكثر ربحية والأكثر إثارة للحزن
والجدل في آن واحد.
ليبقى السؤال:
إلى متى سيشارك المشاركون ويتابع المشاهدون ويصفق المنتجون لمثل هذه البرامج التي
تريق ماء الوجه من أجل حفنة دولارات مهما بلغت كثرتها زهيدة؟!
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً