رأسمالية الكوارث.. من يتربح من أزماتنا النفسية؟

مقال للكاتب نور النمر بعنوان رأسمالية الكوارث

 من يتربح من أزماتنا النفسية؟ 

في خمسينيات القرن الماضي، أخضع الطبيب النفسي إيوَن كاميرون مجموعة من مرضاه لتجارب قاسية شملت تعريضهم للصدمات الكهربائية والحرمان من النوم والعقاقير المهلوسة.

وكانوا يعتقدون بأنه يعالجهم من الاكتئاب فحسب، بيد أنه كان يهدف حقيقة لإعادة بناء شخصيتهم وعاداتهم ومعتقداتهم عن طريق علاجهم بصدمة قسوة التجارب.

لكن الرياح هبت بما لا تشتهيه السفن، وبدلًا من إعادة بناء إيون للشخصيات إذ به يفاجأ أنه يقف على أطلال حطامها، فجميع الأشخاص الذين خضعوا لتجربته صاروا كأنهم يتخبطهم الشيطان من المس، ذاهلين عن الواقع، عاجزين عن تصور المستقبل.

فكانت هذه التجربة النموذج الذي استلهم منه الاقتصادي ميلتون فريدمان نموذجه المعروف بـ«علاج الصدمة الاقتصادي».

علاج الصدمة الاقتصادي

عرَّفه ميلتون بأنه استغلال لحظة إصابة أمة ما بصدمة جماعية كحرب، أو كارثة من أي نوع، طبيعية كانت أو اقتصادية؛ ما يُصيبها بدرجة من الإرباك تُفقدها القدرة على المقاومة، فتصبح تلك اللحظة فرصة مثالية لفرض إصلاحات اقتصادية جذرية لصالح السوق الحرة، التي كانت ستلقى رفضًا شعبيًا حاسمًا في الظروف العادية.

لكن ماذا لو أن العلاقة بين الصدمة والربح لا تتوقف عند حدود السياسات الاقتصادية الكبرى؟ وماذا لو أن الاقتصاد ذاته تعلّم كيف يربح لا من إعادة هيكلة الدول المنكوبة فحسب، بل من إعادة هيكلة النفس البشرية المنهكة في أعقاب كل أزمة، كبيرة كانت أم صغيرة؟

وهل جعلتنا صدماتنا النفسية أكثر استعدادًا لقبول ما لا يسمن ولا يُغني من جوع فقط لأنه عُرض علينا وقت أزماتنا؟ هذا ما نسعى لسبر أغواره في ثنايا هذا المقال.

سوق المعاناة

لا يخفى على أحد أن النظام الاقتصادي الحالي اتخذ الربح قِبْلة، حيثما كانت ولاها وجهه، ولما كانت صناعة تطوير الذات تربة خصبة للأرباح حيث يتراوح ما تحققه من مبيعات بين 45 مليار و65 مليار دولار سنويًا تحتم على كل من هبَّ ودبَّ أن يدلي بدلوه في هذه الصناعة عله يجني بعضًا من قطاف أرباحها.

ولأن المعاناة سوق يباع فيه تطوير الذات والسعادة، ووجد المعروض متمثلًا في الكتب والبرامج الإذاعية والندوات، كان لا بد من وجود طلب، وإذا لم يكن الطلب موجودًا فلا بد من خلق احتياج يتولد عنه هذا الطلب. 

وهذا بالضبط ما حصل؛ إذ عملوا على خلق حالات من القلق المستمر بخصوص المستقبل، التي تولد عند الإنسان شعورًا بالقلق مصحوبًا بدرجة من الاكتئاب، ثم خلق حالة من السعي الدائم لتطوير الذات المتمرمغة في الثرى، ومقارنتها بغيرها التي تعانق الثريا؛ ما يولد شعورًا بالنقص وتدني تقدير الذات وبهذا كان لهم ما أرادوا.

الشراء العلاجي

وبعدما استطاعوا خلق هذه حالات القلق على المستقبل، أقبلت الناس تتلقف ما تعتقد أنه سينتشلها من غياهب جب الاكتئاب والفشل، خصوصًا أن الناس في هذه الحالة تكون أكثر إقبالًا على الشراء منها في غيرها، إذ وجدت الأبحاث والدراسات أن الإنسان يلجأ عند الشعور بضيق نفسي أو كآبة إلى الشراء كآلية دفاعية سريعة لتحفيز إفراز الدوبامين واستعادة شعور مؤقت باللذة أو الإنجاز فيما يُعرف باسم الشراء العلاجي.

أسباب الشراء العلاجي

1- انخفاض تقدير الذات اللحظي:

الذي يدفع الفرد لإنفاق أموال أكثر لمحاولة رفع قيمة ذاته من جديد أو تعويض النقص الشعوري المتولد حديثًا لديه، وذلك عبر شراء سلع ترمز إلى المكانة والقوة كأحدث هاتف، أو سلعة من علامة تجارية مرتبطة في الأذهان بمكانة اجتماعية معينة (هيرميز ولوي فاتون مثلًا)، وهذا النوع من الاستهلاك تحديدًا يُطلق عليه «الاستهلاك التعويضي».

2- الرغبة في تغيير الحالة:

لما كان الحزن والقلق والاكتئاب جميعها مشاعر سلبية لا تصبر النفس عنها انفكاكًا، وسرعان ما تبغي عنها حولًا،  كان الإنسان بوعي أو دون وعي يسعى حثيثًا لتحقيق ذلك أيضًا، وإحدى طرق ذلك امتلاك أشياء جديدة؛ إذ تعده النفس من قبيل التغيير الذي يرفع حالتها المعنوية ولو مؤقتًا، فهو بمثابة تخدير وتسكين للمشاعر السلبية لا أنه حل جذري لها.

اقتصاد السعادة

يناقش الباحثان إدغار كاباناس، وإيفا إيلوز، في كتابهما «حُكم السعادة»، كيفية تصدُّر السعادة واجهة متجر السلع المبيعة اليوم، وتمثل السعادة فيه سلعة صنمية؛ وهي السلعة التي تنبع قيمتها من ذاتها لا من صانعيها ولا المكونات الداخلية فيها.

فصار الشعور القائم بالنفس سلعة كباقي السلع، تُباع وتُشترى وهو ما سمته إيفا إيلوز مفهوم السلعة العاطفية، وقد يتساءل الواحد منا: أين هي تلك السلعة في واجهات المتاجر فلم يسبق لأحدنا رؤيتها؟!

عن ذلك تجيب إيفا بأن سلعة السعادة تتخذ صورًا عدة بدءًا من كتب التنمية الذاتية، مرورًا بدورات تطوير الذات، وانتهاء بتحول المشتري إلى بائع كما حدث مع كريس جاردنر الذي جسد ويل سميث قصته الحقيقة في فيلم «The Pursuit of Happyness»، وسبب كتابة كلمة السعادة باللغة الإنجليزية بهذا الشكل «أي بالY بدلًا من الi» كما صرح جاردنر، أن السعادة أنت (You) من تصنعها.

فالمنتج وإن لم يكن السعادة في ذاته، لكنه وعد بوصولك إليها عند شرائه، فإقدامك على الشراء لم يكن إلا لنيل السعادة الموعودة!

وقد ساعد على خلق احتياجنا للسعادة عدة أمور، أهمها:

1- نموذج الإنسان الفرد: الذي لا يعنيه إلا خاصة نفسه، والمعتقد أن سعادته بيديه، وأنها إن كانت في المال فلا تنقصه إلا الهمة لكسبه، وإن كانت في الحب فلا تنقصه إلا شخصية لجذبه.

وهكذا وكلت النيو ليبرالية الإنسان إلى نفسه، وفكت عن الشركات والقيادات أغلال المسؤولية تجاه الجموع من خلال تصديرنا لهم على أننا أفراد مستقلون نلتقي في السوق لنحدد مصائرنا الفردية.

فحياة الفرد في النموذج الغربي الذي استوردناه باستيراد معارفهم حياة منعزلة عن حياة سائر الأفراد في نفس ذات المجتمع؛ مما يجعل التفسيرات التي تُصدَّر لنا دومًا عن التباين الطبقي بين الأفراد على أنها تباين في المجهود الفردي مبتورًا من سياقه المجتمعي، فظروفك وإن لم تخترها لكنك أنت من تصنعها!

2- إحاطتنا بالسعادة: حيث لا نراها في الأفلام فحسب بصفتها غاية منى البطل والبطلة، بل نراها في أروقة العلم حيث تتربع على قمة «هرم مازلو» للاحتياجات الإنسانية،  كما نراها على بلاط السياسة حيث أعلنت حكومة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون عند صعوده إلى السلطة في عام 2010م، عن تبني مقياس السعادة كمؤشر للتقدم، تحت شعار لنستبدل الـ«GDP» (مؤشر الناتج المحلي الإجمالي) بالـ«GWB» (مؤشر الحياة الطيبة الإجمالي).

ونراها كذلك في الأرقام والإحصاءات، فالموظفون الذين يحققون أعلى الدرجات في مؤشر السعادة يمتلكون طاقة أكثر بنسبة 180% مقارنة بزملائهم البؤساء، فأينما ولينا وجوهنا فثمت السعادة بإزائها!

مما سبق يتضح أن الأزمات النفسية كغيرها من الأزمات، تذر الناس صنفين لا ثالث لهما، إما مصابون بها، وإما متربحون منها، ويتضح كذلك أنه كما ينبغي علينا إعادة النظر في طبيعة الأزمات النفسية التي غدت سمة من سمات هذا العصر، ينبغي لنا إعادة النظر بنفس القدر إلى وسائل العلاج، خصوصًا أنه بأيدينا ما ليس بأيدي من استوردنا الدواء منه؛ وهو كتاب الله عز وجل الذي قال فيه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وسُنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما انبثق من مشكاتهما من علوم السلف يستضيء بها المكتئب، ويهتدي بنورها الحيران، فما بالنا استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة