جرائم إبستين.. بين منظومتين حضاريتين

كشفت جرائم جيفري إبستين عن عمق الانحراف داخل النخب السياسية والمالية والإعلامية في الغرب، فقد تجاوزت حدود الانحراف لتصبح مؤشراً حضارياً على عمق الأزمة التي يمر بها عالمنا اليوم، حيث اجتمعت جرائم السلطة، والمال، والجنس، مع الإفلات من المحاسبة، واستمر ذلك على امتداد عقود من الزمن، ومناطق من الجغرافيا.

كان إبستين يمارس جرائمه تحت سمع وبصر دوائر السلطة والمال والقانون والإعلام، بل أصبح بعض كبرائها شركاء له؛ ما يمثل نتيجة مريرة للحداثة الغربية المعادية للدين، التي تأسست على إعلاء الفردانية، وإيثار اللذة والمتعة بكل سبيل، والنظر إلى الإنسان بمنطق القوة القاهرة، وبحسابات جعلته سلعة في منظومة رأسمالية استهلاكية، تُغلف أحياناً بخطاب الحرية الفردية، بينما هي في الحقيقة حرية الأقوى، التي يصبح فيها القانون أداة للسيطرة؛ لا وسيلة لإرساء العدالة، ويصبح الإعلام أداة لمزيد من الاستهلاك، وترميز أصحاب المال والنفوذ، وتيسر شهواتهم؛ لا أداة للهداية ووسيلة لكشف الفساد.

أما الكارثة الأكبر فكان سقوط أكاديميين وعلماء، ومستثمرين في مجالات العلوم والتكنولوجيا في شبكات الرذيلة.

منظومة الجريمة في جزيرة إبستين كشفت خور الحضارة الغربية وذكّرت بكوارثها وجناياتها

نحن أمام تحول حقيقي في بنية النخبة في المجتمعات الغربية التي تتحكم في عالم اليوم، وتقدم نفسها على أنها خلاصة العروج البشري والتقدم الحضاري! ونشأ ما يسمونه «التحالف الأفقي للنخب»، حيث يتآزرون في منظومة نكدة، فيحمي السياسي رجلَ المال، ويطوِّع المشرع خطاب القانون، ويبرّر العالِم أحاديثَ السلطة، ويحسن الإعلامي سردية القبح الظاهرة، ويتحول الاستثمار في حقول العلم والمعرفة إلى ستار لحجب الحقائق، فيصبح للتمويل العلمي شروطه، وللبحوث توجهاتها، ويصبح الصمت عن الجريمة رغم تعاظم الأدلة- بل المشاركة فيها- فرصة، وحكمة، ومجلبة غنيمة، تتولد للفساد لغة مشتركة بين النخب، وينفتح المجال واسعاً أمام الصهيونية العالمية لاستغلال الجريمة، وابتزاز أهلها، بل صنعها، وتبريرها، والترويج لها.

كشفت منظومة الجريمة في جزيرة إبستين خور الحضارة الغربية، وذكرت بكوارثها وجناياتها، وإذا كانت الصدمة هائلة إزاء اغتصاب القاصرات والصبية والأطفال، وتقطيع لحومهم وشيِّها والتلذذ بها، ويقع ذلك في عقر دار الغرب؛ فإننا -نحن المسلمين- كنا ضحايا لجرائمهم في عقر ديارنا، وبحق أطفالنا ونسائنا.

الحداثة الغربية أُسِّست على تحرير المجتمع من السلطة الدينية لكنها انتهت إلى تحرير السلطة من الأخلاق

فمنذ عدة أشهر اقترفوا أكبر جرائمهم بقتل عشرات الألوف من أهل غزة، وحصار من بقي منهم، وقُتل بالتجويع من نجا من آلة الموت، وتم ذلك بأسلحة الغرب، وأيدي مرتزقته من شركاء الجريمة مع الصهاينة، ومنذ عدة سنوات كانت جرائم أخرى ترتكب بحق أطفال العراق وأفغانستان، وقبلها بعقود كان الملايين من أهل الجزائر وأقطار أفريقيا وجزر المحيط الهندي يجري قتلهم بدم بارد من المستعمر الأوروبي الأبيض، وقبلها كانت جرائمهم بتدمير ضحايا السلاح النووي في اليابان، وإبادة السكان الأصليين للأمريكتين وغيرها.

ولا نستبعد صدق التقارير التي تذهب إلى أن بعض ضحايا إبستين وشركائه كانوا من أطفال المسلمين الذين اختطفوا في صراعات أهلية وكوارث طبيعية.

في البدء هان عندهم السود والملونون، وفي المنتهى هان الإنسان كله؛ وفي البدء كانت الحرب على الدور الاجتماعي للدين في الغرب، وفي المنتهى أصبحت الحرب علنية على الأخلاق والقيم ذاتها، بعد أن تم تغييب الدين، وتشويه ملامحه، لقد قامت الحداثة الغربية على أساس تحرير المجتمع من السلطة الدينية، لكنها انتهت إلى تحرير السلطة من الأخلاق بعد أن أعادت صياغة الأخلاق وفقاً لمقتضيات القوة.

المنظومة الحضارية الإسلامية

يجعل الإسلام سلطة التشريع لله، فلا تخضع لأهواء ذوي السطوة والمال والشهوات الجامحة، ويقدّم التصور الإسلامي إطاراً حضارياً يقوم على مصدرية الأخلاق من الدين، ومركزيتها في بنية السياسة والعمران، فالسلطة في الإسلام ليست مستقلة عن القيم والأخلاق، بل خاضعة لها، والمال ليس حقاً مطلقاً، بل أمانة ضمن منظومة استخلاف محكمة، والجسد ليس سلعة مملوكة لصاحبه، بل كرامة مصونة بتشريع حكيم، والمعرفة ليست أداة نفوذ واستعلاء، بل مسؤولية ورسالة، وأول من تسعر بهم النار عالِم لم يعمل بعلمه.

الإسلام يجعل سلطة التشريع لله فلا تخضع لأهواء ذوي السطوة والمال والشهوات الجامحة

والأخلاق ليست مرهونة بالقوة؛ بل ضابطة لها، والتشريع ليس عمل الأقوياء ليحموا أنفسهم؛ بل يقف الجميع أمام نصوصه العلوية وقضائه المستقل على سواء، لقد حكم القاضي شريح لصالح أعرابي اختصم إليه ضد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، ووقف أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أمام القاضي في خصومة مع أحد رعيته، ولم تكن للخليفة بينة، فقضى القاضي لخصمه عليه، والحالات في ذلك أكثر من أن تحصى في القديم والجديد.

وفي منظومة الحضارة الإسلامية كان للعلماء مواقفهم في محاربة الفساد، وضحوا بعافيتهم وسلامتهم في سبيل ما يرون حقاً وعدلاً، فأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، والأمثلة كثيرة من أحمد بن حنبل، إلى ابن تيمية، والعز بن عبدالسلام، إلى سادة نجباء وشهداء في عصرنا الحديث.

حارب الإسلام خضوع العلم لسطوة الفراعنة، كما قص في خبر فرعون وهامان؛ (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (القصص: 38).

وأنكر تزاوج رأس المال الظالم مع سلطان الجور، وقدم القرآن في ذلك نموذجاً خالداً في خبر فرعون، وقارون؛ (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) (العنكبوت: 39).

وشرع الإسلام حدوداً صارمة لصيانة الأعراض، وجعل حفظ العرض من مقاصده العظمى، وفتح الإسلام أبواب العفة بالزواج، فمن لم يستطع الباءة فعليه بالصوم فإنه له وجاء، وحاط المرأة بما يضمن حقها وحياءها، وحفظها من النظرة الآثمة؛ (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور: 30)، وجعل حمايتها فرضاً على أوليائها من الرجال، فضلاً عن حماية الشريعة والمجتمع، بل قاد الخليفة المعتصم جيوشه لحرب الروم غضباً لامرأة مسلمة نالها ظلمهم، فصرخت: وا معتصماه، فأجابها: يا لبيكاه!

جرائم النخبة الفاسدة في الغرب يجب أن تنبه المنبهرين بحضارة الغرب ومذاهبه في بلادنا

أما في الحرب فوضع الإسلام من التشريع ما يكفل حماية المدنيين، ونهى عن قتل النساء في الحروب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى امرأة قتلت في إحدى المعارك: «ما كانت هذه تقاتل»، وأمر قائده: «لا تقتلَنَّ ذرِّيَّةً ولا عسيفاً» (رواه ابن ماجه)؛ أي أجيراً لا شأن له بالقتال، وأمر أبو بكر قائد أحد جيوش قائلاً: «لا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة..».

إن جرائم النخبة الفاسدة في الغرب يجب أن تنبه المنبهرين بحضارة الغرب ومذاهبه في بلادنا، وأن تحرك العقلاء فينا؛ إذ إن الخطر الجاثم هناك ليس بعيداً عنا، ونحن في عصر العولمة والغواية والتشريع الأممي الواحد الذي يريدون فرضه لحماية الانحراف عن الفطرة في علاقة الرجل بالمرأة، وفي جانب الأسرة وبناتها الأخلاقي وأدوارها، وأن نتواصى بحفظ العقيدة التي تتولد منها منظومة الأخلاق والمعاملات، وتحقيق منظومة سياسية توقن أن حماية مكتسباتها يكون بالعدل لا الجور، وبحماية الدين وتعظيمه؛ لا حربه والتآمر على علمائه والدعاة إليه.


اقرأ أيضا

تسريبات إبستين وانهيار معيار التراضي

كيف يصنع الطغيان

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة