كيف يُصنَع الطغيان؟ قراءة في قصة إبستين

ليست وثائق جزيرة جيفري إبستين مجرد فضائح أخلاقية؛ بل هي كاشفة عن أدوات صناعة الطغيان، فالطغيان لا يولد فجأة؛ وإنما تتكامل العوامل المؤدية إليه والصانعة له، فهو يظهر في مؤشرات صغيرة منعزلة، ثم ما تلبث تلك المؤشرات أن تتلاقى وتتجمع حتى تستفحل وتبلغ ذروتها، حين تحل الفاحشة محل العفة، ويستغني الإنسان بالمال وتتوارى قيم العدالة ويغيب الردع ويتم تزيين الباطل وتجلب المسوغات له، ويتبين ذلك فيما يأتي:

1- الاستدراج إلى الفاحشة وتوثيقها:

كشفت «وثائق إبستين» عن استدراج بعض المشاهير والحكام إلى تلك الجزيرة، وتيسير وقوعهم في الفاحشة، والحقيقة أن السعي وراء الفواحش يجعل الإنسان أسيراً لها، فيضحي بأي شيء من أجلها، فهي أقوى غرائز الإنسان، وما يزال يلهث وراءها حتى يزداد ذلاً إلى ذل، وعبودية إلى عبودية، وحتى يسخر العقل لخدمة الشهوة، وهنا يقع الإنسان في الطغيان، حيث تغلب شهوته عقله، بل يسخر عقله لخدمة شهوته.

لكن الإنسان قد يصل إلى هذا الحد وهو مستتر، فيحاول أن يخفي نفسه ويحفظ قدراً من كرامته، بحيث يمكن له أن يعود إلى الحق أو إلى الصواب، لكنه إذا افتضح أمره من خلال العلم بوجود شهود عليها أو توثيق الفاحشة وإعلانها، من أجل استخدامها في تهديد فاعلها وإذلاله وإخضاعه لما يُملَى عليه؛ فإنه يفقد قدرته على اتخاذ القرار، بل يصبح عبداً لمن يستذله تحت تهديد الفضيحة أو الكشف عن خباياه أمام الناس.

لذا، فإنه يصبح سلعة مستهلكة يمكن استغلاله لفعل أي شيء حتى يحافظ على ستر نفسه، حتى وإن كانت الأشياء المطلوبة منه تجعله يتنازل عن كرامته أو دينه وأخلاقه، وهذا مظهر من مظاهر الطغيان.

ومن جانب آخر، يؤدي إعلان الفاحشة إلى قتل الحياء بين الناس، فالستر يحجز الإنسان عن المجاهرة والانكشاف؛ أما إذا انكشف الأمر وظهر للناس؛ فإن الإنسان لم يعد لديه ما يخفيه؛ لذا تسقط منه الرهبة بعد أن سقطت الرغبة.

والناظر في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى نهى عن إعلان الفواحش بين الناس وتوعد من يفعل ذلك، حيث قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ ‌يُحِبُّونَ ‌أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (النور: 19)، وقال تعالى: (‌لَا ‌يُحِبُّ ‌اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (النساء: 148)، وذلك أن الجهر بالسوء وإعلان الفاحشة يقضي على الحياء ويشيع في الناس الجرأة على المعصية، ففي صحيح البخاري عَنْ ‌أَبِي مَسْعُودٍ قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ ‌فَاصْنَعْ ‌مَا ‌شِئْتَ».


2- الاستغناء بالمال:

أكدت «وثائق إبستين» أن المال أدى دوراً كبيراً في السيطرة على كل الأطراف، فقد تحول المال إلى أداة فساد وطغيان، فبالمال تم إسكات الضحايا، وبالمال تم تمييع القضايا، وبالمال تم إغراء الشهود، وبالمال تم شراء الإعلام، وصدق الله العظيم حيث قال: (إِنَّمَا ‌أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن: 15)، ويظهر أثر فتنة المال حين يستخدمه الإنسان لتلبية شهواته ومطامعه، فيحوله من أداة معِينة على الإعمار إلى وسيلة للفساد.

وقد أوضح القرآن الكريم أن امتلاك المال وشعور الإنسان بالاستغناء به يؤدي إلى الطغيان، حيث قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى {6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) (العلق)، فهو قد استغنى بالمال عن الدين والأخلاق، واستغنى بالمال عن القانون، واستغنى بالمال عن الشرف والكرامة.

3- فساد القضاء وغياب الردع:

أوضحت «قضية إبستين» أثر القضاء الفاسد في بناء الطغيان وترسيخ قواعده، حيث لوحظ في هذه القضية إخفاء الأدلة وتخفيف العقوبة وتعمد إغلاق الملفات قبل اكتمالها؛ ما أدى إلى الشعور بغياب الردع وعدم وجود محاسبة على الجرائم، وهذا يؤسس للفساد والطغيان، فمن أمن العقوبة أساء الأدب.

وقد جعل الإسلام القضاء وسيلة لحماية المجتمع من الطغيان، حيث دعا المظلوم إلى اللجوء للقضاء، وأمر القاضي أن يستشهد الشهود، وحث على عدم كتمان الشهادة، حتى لا يمنح الظالم فرصة للاستمرار، قال تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283).

كما أمر القاضي أن يحكم بالعدل، قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا ‌بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، فإذا ثبتت الجريمة فلا مجال للتهاون في تنفيذ العقوبات، حتى لا يهلك المجتمع بأسره، مهما كانت درجة المجرم أو قوته، فلا بد أن يخضع للعدالة، حتى يرتدع كل ظالم، ويظهر هذا فيما رواه البخاري، ومسلم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟»، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ‌سَرَقَ ‌فِيهِمُ ‌الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

ففي الحديث تأكيد أن القانون يجب أن يطبق على الأقوياء والضعفاء، أما إذا طبق على الضعفاء وتعطل أمام الأقوياء فإن ميزان العدالة قد اختل، مبرزاً ازدواجية المعايير، وهي أصل الفساد والطغيان.

4- تزيين الباطل وإيجاد مبررات له:

لم تكن «قضية إبستين» علامة على وقوع الجرائم الأخلاقية فقط؛ بل جرى فيها تزيين الباطل، وتصويره على أنه حرية وخصوصية، بل ذهب بعضهم أبعد من ذلك، حيث راح يبحث عن مسوغات تحاول أن تجعل المنكر معروفاً.

والحقيقة أن تزيين الباطل وسيلة شيطانية قديمة، حيث قال تعالى: (‌وَزَيَّنَ ‌لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) (العنكبوت: 38)، وقال عز وجل: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ ‌سُوءُ ‌عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: 8)، فالشيطان لا يبدأ بالمنع، بل بالتزيين، ولا يقدّم الفاحشة باسمها، بل في صورة حرية شخصية أو علاقات إنسانية، أو خصوصية لا يجوز التدخل فيها، وهذا ما وقع في قضية إبستين، حيث غابت الحقيقة وانقلبت المفاهيم، حتى صار المنكر لها متهماً، وصدق الله العظيم إذ يقول: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ‌أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل: 56).

اقرأ أيضا

الطغيان السياسي وضرب الحركات الإسلامية

أركان دولة الطغيان كما رسمها القرآن

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة