الزكاة تأمين اجتماعي ضد كوارث الحياة

لا يقف دور الزكاة في التشريع الإسلامي عند تحقيق مستوى الكفاية لجميع أفراد المجتمع، وإنما تقوم بحمايتهم من الأسباب الطارئة، الشخصية أو العامة، الاقتصادية أو غير الاقتصادية، التي قد تهدد هذا المستوى وتؤثر فيه. وهي بذلك تقدم نوعًا فريدًا من التأمين الاجتماعي ضد كوارث وعوارض الحياة.

دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع | مجلة المجتمع
دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×

وتُعتبر الزكاة - بمواردها المتعددة - خير أداة لتحقيق التضامن والتكافل بين المسلمين؛ حيث تقوم بسد حاجة المحتاجين ممن لا يستطيعون القيام بعمل، وتهيئ العمل للقادرين، وتؤمِّن الأفراد على مستواهم المعيشي الذي وصلوا إليه بسعيهم وجدهم. فإذا ما تعرض أحد أفراد المجتمع لأزمة أو كارثة بددت ماله وهددت كفايته، أُعطي من الزكاة حتى يعود إلى حالته قبل التعرض لتلك الأزمة أو الكارثة.

وإذا كانت الزكاة كمؤسسة تضامنية وتكافلية تشمل جميع الطوارئ التي قد يتعرض لها الفرد في المجتمع، فإنها تخص حالتين بعناية زائدة وهما: الكوارث، والديون؛ لأنهما من أعتى المشكلات التي يتعرض لها الناس في حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. وسأعرض لموقف الزكاة من كل منهما على حدة:

1- كفالة الزكاة للمنكوب بكارثة:

قد يكون المرء في كفاية وسعة، ولكن لا يلبث أن تفاجئه الأيام بما لا يسره، وتبغته الليالي بما لا يحمده من كوارث ونوائب تبدل غناه فقرًا، وعزه ذلًا، وطمأنينته خوفًا وحزنًا.

"يكون التاجر في رغد من العيش فتغرق السفينة التي تحمل تجارته، أو يحترق متجره وفيه رأس ماله. ومثل ذلك صاحب المصنع الذي يصاب مصنعه أو يتوقف بغير تفريط منه. وصاحب الزرع أو الغرس الذي تنزل الآفات السماوية فتجتاح زرعه أو غرسه. وكذلك الفلاح الذي أكلت الدودة قطنه أو قمحه أو أذرته، أو الذي هلكت جاموسته فكاد يهلك بعدها غمًا"(1).

هنا تقوم الزكاة بكفالة ذلك المنكوب والوقوف بجانبه، حيث تُخصص له مصرفًا خاصًا من مصارفها الثمانية هو مصرف: الغارمين. "وأخص من ينطبق عليه هذا الوصف أولئك الذين فاجأتهم كوارث الحياة، ونزلت بهم جوائح اجتاحت مالهم فاضطرتهم الحاجة إلى الاستدانة لأنفسهم وأهليهم"(2).

"ويدخل في هذا السهم الذين ذهب السيل، أو الحريق، أو الأوبئة، أو العوارض السماوية أو نحوها بما لهم من زرع، أو ماشية، أو تجارة، أو مسكن، أو أمتعة، أو نحوها من ضروب المال"(3).

وكذلك مما يدخل في هذا السهم "إصابة الرجل في صحته، سواء أكان مرضًا مزمنًا أم طارئًا، إصابة تمنعه من اكتساب رزقه ومن يعول، وهي من الكوارث التي تقتضي حصوله على حقه في أموال الزكاة، أسوة بمن أصابته كارثة في مال من ماله"(4).

وقد دل حديث قبيصة بن مخارق على أحقية المنكوب بكارثة في المطالبة بحقه من مال الزكاة ما يعوضه عن تلك الكارثة. فقد قال النبي (ﷺ) لقبيصة: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة"، وذكر منهم: "رجلًا أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال - سدادًا من عيش"(5). وقوام العيش يقدر بحسب وضع كل إنسان وما يليق بمثله "فقوام عيش من احترق بيته أن يُبنى له بيت ملائم يسعه، ويؤثث بما يليق بحاله، وقوام عيش التاجر الذي أصيب في تجارته وثروته أن يدور دولاب تجارته وإن لم يعد كما كان سعة وثروة، وهكذا كل إنسان بحسبه.. ومن الفقهاء من يرى أن يُعطى مثل هذا ما يعود به إلى حالته الأولى، ولكني أرى أن الأخذ بهذا الرأي أو ذاك موقوفٌ على قدر مال الزكاة كثرة وقلة، وحاجة المصارف الأخرى شدة وضعفًا"(6).

منهاج التعامل مع الغارمين والمدينين في الإسلام | مجلة المجتمع
منهاج التعامل مع الغارمين والمدينين في الإسلام | مجلة المجتمع
مجلة المجتمع الكويتية: منصة إعلامية رائدة تُعنى بالشأن الإسلامي وتقدم تقارير ومقالات تعزز الوعي الحضاري للأمة الإسلامية انطلاقاً من مرجعية إسلامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي تابعة لجمعية الإصلاح الاجتماعي بدولة الكويت، وترفع شعار "مجلة المسلمين حول العالم".
mugtama.com
×

2- كفالة الزكاة للغارم بدين:

تقوم الزكاة بكفالة الغارم بدين، وهو الذي أُدين لمصلحة اجتماعية كإصلاح ذات البين، أو أُدين لمصلحة نفسه وأسرته شريطة ألا يكون الدين في سفه أو معصية. وذلك أيضًا من سهم (الغارمين)، فللغارم أن يسأل من أموال الزكاة ما يسد به دينه. ففي حديث قبيصة قال: "أتيت رسول الله (ﷺ) في حمالة فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة - أي الزكاة - فإما أن نعطيك عليها، وإما أن نحملها عنك - وفي رواية - فنأمر لك بها، فإن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة بين قوم فيسأل حتى يؤديها ثم يمسك..."(7).

وبناء على ذلك، فلمن أصابته نكبة الدين أن يطلب حقه في سهم الغارمين، وعلى ولي الأمر أن يكفله، طالما توفر في موارد الزكاة ما يسد دينه، فيأخذ منها حتى يصيب ما يقوم بسد حاجته، ثم يمسك، فهذا هو حقه لا يتعداه.

"ولا تكلف الشريعة الإسلامية المدين ببيع حوائجه الأصلية، ليُقضى منها ما عليه، بل تدع له مسكنه وأثاثه ومتاعه وركوبته وكل ما يلزم لمعيشته، ويتولى بيت مال الزكاة قضاء ما عليه، هذا ما قررته الشريعة، وما أثبته الواقع التاريخي بالفعل"(8). فعن سيدنا عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله - أنه كتب: "أن اقضوا عن الغارمين". فكتب إليه: "إنا نجد الرجل له المسكن والخادم، والفرس، والأثاث". فكتب عمر: "أن لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له أثاث في بيته. نعم فاقضوا عنه، فإنه غارم"(9).

كيف تنجح الزكاة في تحقيق أهدافها؟

بقي أن أشير إلى أمر بالغ الأهمية: وهو أن الزكاة لكي تنجح في القيام بذلك الدور الفعال، فتحقق تمام الكفاية لأفراد المجتمع، وتنهض بالمجتمع اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا...، لا بد أن تقوم على النظام وحسن الإدارة في جمعها وتوزيعها، وأن يعاد بها إلى سيرتها الأولى أيام رسول الله (ﷺ) والراشدين من بعده، فتكون من وظيفة الحكومة والدولة ولا توكل إلى ضمائر الأفراد كما هو الحال الآن، وذلك لجملة أسباب:

- أن كثيرًا من الأفراد قد تموت ضمائرهم، أو يصيبها السقم والهزال بسبب حب الدنيا أو حب الذات، فلا ضمان للفقير إذا تُرك حقه لمثل هؤلاء.

- أن في أخذ الفقير حقه من الحكومة لا من الشخص الغني حفظًا لكرامته وصيانة لماء وجهه أن يُراق بالسؤال، ورعاية لمشاعره أن يجرحها المن والأذى.

- أن التقصير في تنظيم الزكاة يجعل التوزيع فوضى، فقد ينتبه أكثر من غني لإعطاء فقير واحد، على حين يغفلون عن آخر، فلا يفطن له أحد، وربما كان أشد فقرًا.

- أن صرف الزكاة ليس مقصورًا على الأفراد من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فمن الجهات التي تصرف فيها الزكاة مصالح عامة للمسلمين، لا يقدرها الأفراد، وإنما يقدرها أولو الأمر وأهل الشورى في الجماعة المسلمة، مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم، وإعداد العدة والعدد للجهاد في سبيل الله، وتجهيز الدعاة لتبليغ رسالة الإسلام في العالمين.

- أن الإسلام دين ودولة، وقرآن وسلطان، ولا بد لهذا السلطان وتلك الدولة من مال تقيم به نظامها، وتنفذ به مشروعاتها، ولابد لهذا المال من موارد، والزكاة مورد هام ودائم لخزانة الدولة أو لبيت المال في الإسلام(10).

وإن المرء ليعجب حين يرى أن شعائر الإسلام الكبرى تؤدى في واقع المسلمين اليوم بنظام وترتيب عدا شعيرة الزكاة!

فالصلاة مثلًا: تقام في المسجد ويرتب لها إمام يقود المسلمين في أدائها، ويرتب لها مؤذن ينادي بها في أوقاتها، كما يرتب للمسجد عمال يقومون على أمر المسجد ورعاية شؤونه. وكذلك صيام رمضان يتم بنظام حيث يتوحد المسلمون في الصوم والفطر.

أما فريضة الزكاة فتؤدى بفوضى وعبثية، وبغير نظام ولا ترتيب. فهل تقل الزكاة قيمة عن فريضة الصلاة أو الصيام؟!

فأجدر بالمسلمين أن يعملوا جاهدين على تنظيم هذه الفريضة والعمل على جمعها من مصادرها الشرعية وصرفها في مصارفها الشرعية عبر قيادة منظمة، ومجلس شورى من أهل الخير والغيورين على دينهم وأمتهم، حتى تعود إلى ما كانت عليه أيام رسول الله (ﷺ) وأصحابه الكرام وحتى تؤتي أكلها وثمارها المرجوة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

1 - دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية: د/ القرضاوي صـ 42.

2 - فقه الزكاة: د/ القرضاوي. جـ 2 صـ 623.

3 - الثروة في ظل الإسلام: البهي الخولي صـ 289.

4 - الزكاة: د/ نعمت مشهور. صـ 440.

5 - أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: ك (الزكاة) ب(من تحل له المسألة) جـ 2 صـ 722 رقم (1044).

6 - دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية: د/ القرضاوي صـ 43. مرجع سابق.

7 - سبق تخريجه في الحديث السابق.

8 - دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية: د/ يوسف القرضاوي صـ 44.

9 - الأموال: الإمام أبوعبيد. صـ 223.

10 - مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام: د/ القرضاوي. صـ 78 - 79.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة