الضمير والتفكير المستقل

معركة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يتضمن التصميم امرأة محجبة تقف بين عالم رقمي والطبيعة الجميلة

تنشغل المؤسسات العلمية والدراسات المستقبلية بأمر الذكاء الاصطناعي؛ فبعد ظهوره واتساع الاعتماد عليه، أصبح يمثل هاجسًا حول المستقبل الذي يمكن أن يشكله، أو المستقبل الذي قد يتشكل بناءً عليه.

حين ظهرت الآلات الحاسبة وانتشر استخدامها، حذّر تربويون من أن ينشأ جيل يعتمد على نواتج الآلة بدلًا من عقله، حتى شهدت الولايات المتحدة احتجاجات لمعلمي الرياضيات على إدخالها إلى الفصول الابتدائية، بحسب ما أوردته الكاتبة «Leah Y. Latimer» في صحيفة «واشنطن بوست»(1).

لكن، وبحسب مجلة «Education Week»، كان اعتراض المسؤولين التربويين على استخدام الآلات الحاسبة قبل إتقان الطلاب المهارات الحسابية الأساسية(2)؛ إذًا، القضية لم تكن في وجود الآلة ذاتها، بل في كيفية ووقت استخدامها، وما إذا كانت تحل محل بناء المهارة أم تساعد على توسيعها.

واليوم، ونحن نواجه الذكاء الاصطناعي، ربما نعيد طرح السؤال: هل تصنع التقنية إنسانًا أكثر قدرة ومعرفة، يتسم بسعة الأفق وتنوع المعارف المولدة للابتكار، أم إنسانًا لم يعد بحاجة إلى تشغيل قدراته، وتكلف عناء التفكير؟

حدود لا محدودة

في عصر الذكاء الاصطناعي واتساع آفاقه والاعتماد عليه، لم يعد السؤال: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ فقد تجاوزت الإجابة عن هذا السؤال حدود الخيال؛ فمنصات الذكاء الاصطناعي ومواقعه أصبحت تكتب، وتحلل، وتترجم، وتنتج الصور، وتشارك في صناعة القرار، وأصبحت تستدعى لحضور الاجتماعات وتحليل أدوار المشاركين فيها، وما من مجلس تجلس فيه بين المستخدمين له في إنجاز أعمالهم إلا وذكروا لك عجباً، بل ذكر لي بعضهم أنه تخلص من 70% من الموظفين، فمن أبقاهم يقومون بنفس المهام من خلال الذكاء الاصطناعي!

إذاً، ماذا سيبقى للإنسان حين تصير الآلة والتقنية قادرة على أداء كثير من المهام التي كان يقوم بها، ويظن أنه لا غنى له عنها؟ فهو تحول يتجاوز حدود التقنية إلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والقيم والمعارف والعلوم والمهارات، وتحول آخر في العلاقة بين ما يستطيع أن يفعله، وما يلزم وينبغي أن يفعله.

فالسؤال، وما تلاه من صراع، تبلورا حول تعريف الإنسان، وتحديد موقعه في عالم تتسع فيه قدرات الآلة بسرعة غير مسبوقة، فلقد صنع الإنسان الآلات والتقنيات ليحرر وقته ويوسع قدراته، فإذا به تستعبده، وتجعله أكثر اعتمادًا عليها، ويصعب عليه التخلي عنها!

من امتلاك الآلة إلى امتلاك الإنسان

لقد غدت المنافسة اليوم، في ظل التمدد الذي يكتسبه الذكاء الاصطناعي ويتسع كل يوم، تطرح إشكالًا آخر: من يملك القدرة على توجيه انتباه الإنسان، وتشكيل رغباته، والتأثير في قراراته؟

فالذكاء الاصطناعي لا يقف عند حد كونه أداة مساعدة، بل غدا مشاركًا في بيئات التعلم والعمل والتواصل وصناعة القرار، فأصبح من اللازم التمييز بين استخدام التقنية لتوسيع قدرة الإنسان، واستخدامها بطريقة تجعل الإنسان تابعًا لها، يتنازل طوعًا، وبإرادته، عن قدراته في الفهم والتقدير والاختيار.

من هنا نلاحظ المعادلة العكسية في علاقة الإنسان بالتقنية، ورأسها الذكاء الاصطناعي؛ فالزيادة في قدرة الآلة لا تعني زيادة في حرية الإنسان، بل زيادة في خياراته نحوها فقط؛ لأن الواقع ينبئ عن أن قدرته الفعلية على التفكير المستقل هي التي تتقيد، ويُحد من مساحتها؛ وبهذا غدا الاعتماد على تلك التقنيات وسيلة للتنازل عن الإرادة والتفكير والإبداع.

المساحة الموهومة

دائمًا ما يُنظر إلى التقنية على أنها تخفف عن الإنسان أعباء التفكير والعمل، لكن السؤال الذي لا ينبغي إغفاله: هل كل جهد توفره الآلة مكسب للإنسان؟

إن الأمر هنا يشبه الكراسي التي صنعها الإنسان ليجلس عليها ويرتاح؛ فهل يمكنه أن يمضي دهره وعمره جالسًا عليها بحجة أنها تجلب له الراحة، أم لا بد له من مغادرتها وطلب المشي والعدو والصعود والهبوط، ليحتاج إلى العودة إليها بعد ذلك؟ كذلك النوم الذي يحتاج المرء فيه إلى سكون جسمه حتى يقوم منه ويذهب يضرب في الأرض.

وهكذا، ليست كل راحة ينبغي التماهي معها إلى أبعد حد؛ لأنها في النهاية قد تتحول من راحة إلى عجز وشلل حركي، وهكذا التقنية والذكاء الاصطناعي حين نتركها لتصوغ أفكارنا، أو تؤدي كل مهامنا، أو تتولى ترتيب أولوياتنا، وتختار لنا، فإنها ستنشئ عجزاً لا يمكن علاجه، فهي لا توفر الوقت فقط؛ بل قد تعيد، دون أن نشعر تشكيل عاداتنا وأولوياتنا، وتقلل من ممارستنا لبعض القدرات التي لا تنمو إلا بالاستخدام.

جنس ثالث

في مقالة نشرتها الدكتورة بنت الشاطئ (1998م) بعنوان «جنس ثالث في طريقه إلى الظهور»، ذكرت أنها رأت في النمسا طبيبة نمساوية تطبخ! على غير العادات السائرة، لكن الطبيبة أكدت لها أن المطبخ متنفس وعلاج لنوع جديد من القلق تعانيه الشهيرات والعاملات، وأرجعت هذا القلق إلى تخوف علماء الاجتماع والبيولوجيا من ظهور جنس ثالث، نتيجة تغير بطيء طرأ على الكيان الأنثوي للعاملات.

وتنقل بنت الشاطئ في هذا السياق أن الإحصاءات والأبحاث في ذلك الوقت كانت تربط تناقص الإنجاب لدى بعض العاملات بتحولات تتجاوز مجرد اختيار تجنب الأعباء، وتحدثت عن أثر الانصراف المادي والذهني والعصبي عن شؤون الأمومة، في سبيل التشبث بمساواة الرجل ومشاركته ميادين عمله.

وبغض النظر عن صحة هذا التفسير الطبي والاجتماعي، الذي ينبغي أن يُقرأ في سياقه التاريخي، فإن القصة تهمنا هنا من زاوية أخرى؛ الخوف من أن يتحول نمط جديد من الحياة إلى شيء يغير الإنسان نفسه، لا مجرد الأشياء المحيطة به.

وهذا هو الذي يعيد سؤالاً عن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي يطرح: حين نستخدم التقنية لتخفيف الجهد عن الإنسان، هل نخفف عنه المشقة فقط، أم نخفف معه شيئًا من القدرات التي كانت تلك المشقة نفسها تدربه عليها؟ فالمشكلة أن تتحول الاستعانة إلى اعتماد، وتنازل طوعي عن القدرة على التفكير، وإعطائه مساحة أكثر مما ينبغي، وجعله هو الأساس في التخطيط لكل شيء.

فهو يستطيع أن يقدم إجابة، لكنه قد يُعجز الإنسان في ميدان السؤال، الذي هو ميدان التفكير، والمعرفة ليست مجرد معلومة، وإنما هي فهم المشكلة، وتمحيص الأدلة، وإصدار الحكم المستقل، بعد بروز السؤال الذي يحتاج إلى ذلك.

في عصر الذكاء الاصطناعي.. ما الذي يبقى للإنسان؟

تتفوق الآلة على الإنسان في الأداء ودقة الحساب، لكن ماذا عن الغاية والمسؤولية، وهي أسئلة القيم؛ حيث الغايات هي التي تحدد المساحات المطلوبة التي ينبغي السعي لها وإليها.

فالتقنية، بما تشتمل عليه من قراءة لعقل المتابع والمستخدم، قد تقترح، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عما اقترحت، ولا يمكن أن تحل بديلًا عن الضمير، الذي يعد من أهم الفوارق بين الإنسان وغيره من المصنوعات بل والمخلوقات.

ولذلك، فإن امتلاك التقنية، رغم أهميته وضرورته، لا يعني امتلاك المستقبل؛ فالمستقبل تصنعه المجتمعات التي تجمع بين القدرة على الشيء، والبوصلة الأخلاقية والتفكير، وبعبارة مالك بن نبي (1973م) عالم الأفكار وعالم الأشياء، وهما ما يصنعان الحضارة القابلة للاستمرار.

معركة الإنسان إذًا ليست مع التقنية ومواقع الذكاء الاصطناعي، لكنها معركة تُدار لتحفظ دوره، وأن يظل هو المحدد للغاية التي تخدمها التقنية، ومكسب الإنسانية ليس في صناعة آلة تفكر مثل الإنسان، بل مكسبها هو المحافظة على إنسان يعرف لماذا يفكر، وماذا يريد، وأي مستقبل يستحق أن يصنعه.

الهوامش
  • 1 https://h1.nu/1EsIW 23/9/2026، وhttps://h1.nu/1yFGq 23/9/2026
  • 2 https://h1.nu/1EsKQ 23/9/2026
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة