بين شهوة الظهور وحقيقة الحضور..

من يصنع الآخر: الإنسان أم «الترند»؟!

من يصنع الآخر: الإنسان أم «الترند»؟!

مي عبدالشكور

 

في المقولة الشهيرة للفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، يتخذ ديكارت من فعل التفكير يقيناً أولياً تنكشف به الذات لذاتها؛ فحين يشك الإنسان في كل شيء، يظل فعل الشك نفسه شاهداً على ذاتٍ تفكر، ومن هذا اليقين الداخلي يتأسس يقين الوجود بوصفه حقيقةً لا تحتاج إلى تصديق يأتي من الخارج.

ثم جاء العصر الرقمي المزدحم بالشاشات و«الترندات» ليصوغ على نحو رمزي معادلة أخرى للوجود الاجتماعي: «أنا ظاهر، إذن أنا موجود»؛ لينتقل بذلك جانب من مركز الحضور الإنساني من وعي الذات بوجودها إلى انعكاسها في أعين الآخرين.

صناعة «الترند»

مع اتساع المجال الرقمي، تجاوز الظهور معنى الحضور العابر ليصبح قوة تمنح الأشياء مكانة داخل وعي الجماعة.

ومن هذا التحول نشأت صناعة جديدة تُعرف بصناعة «الترند»، يقوم اقتصادها على عنصر الانتباه؛ فما يحتل دائرة الضوء يكتسب قدرة أكبر على التأثير، وما يتكرر حضوره أمام الجماعة يكتسب تدريجياً وزناً اجتماعياً قد يتجاوز قيمته الفعلية.

وبهذه الطريقة تتحول دائرة الضوء من مجال للكشف إلى معيار للقيمة.

وفي سباق محموم على الانتباه، تصبح التجربة الإنسانية نفسها مادة قابلة للعرض؛ فالحزن والفرح والنجاح والإخفاق، وحتى اللحظات الأشد خصوصية، يمكن أن تغادر حيزها الإنساني لتدخل دائرة المشاهدة والتداول.

وعند هذه النقطة تتحول التجربة الإنسانية من مادة للعيش إلى مادة للاستهلاك، فتدخل اقتصاداً رقمياً يجعل من التفاعل قيمة قابلة للتحويل إلى ربح، وتعمل الخوارزميات على تضخيم ما يجلب الأنظار ويطيل بقاءها، حتى تتقدم قابلية المشهد للرواج على حق صاحبه في الخصوصية والكرامة.

وحين ينتزع المرء من سياقه الإنساني، بما يحمله من أخطاء وعثرات مألوفة في الجبلة البشرية، تتحول الواقعة العابرة إلى هوية كاملة، ويصبح المشهد المجتزأ سيرة مختصرة لصاحبه؛ فتتقدم سرعة الحكم على التثبت والفهم، وتبنى الإدانة على حدث صاخب من حكاية لم ترو كاملة.

صناعة الانتباه

والخطورة هنا أن لحظة «الترند» حين تدخل دائرة الانتشار تكتسب قدرة على التشبث بالإنسان أكثر مما يملك هو قدرة على الإفلات منها؛ فتظل صورة واحدة تلاحقه، بينما يمضي هو في الزمن ويتغير، لكن السقطة القديمة تظل عنواناً يستدعى كلما ذكر اسمه، ليختزل تاريخ الإنسان في لقطة، وتتحول الذاكرة الرقمية من سجل لما كان إلى قيد يقيد الحاضر والمستقبل معاً.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الجمهور؛ فالمشهد لا يكتسب سطوته من محض ظهوره، وإنما من العيون التي تمنحه انتباهها.

والمفارقة العجيبة هنا أن المتلقي قد يدخل المشهد ليشاهد حدثاً عابراً دون أن يكون له غرض من ورائه، لكنه يغادره وقد أصبح شريكاً في صناعته؛ يستنكر ما يراه فيوسع مداه، ويدينه فيمنحه مزيداً من التداول، ويسعى إلى التشهير به فيزيد من عمره وامتداده؛ فتفارق النتيجة نية الفاعل، ويصبح الاعتراض ذاته جزءاً من الآلية التي تمنح الظاهرة حياة أطول.

ومن مجموع هذه الأفعال الصغيرة يصنع «الترند»؛ فكل مشاهدة هي لبنة في بنائه، وكل تفاعل يمنحه فرصة أخرى للعودة.

وهنا يتجاوز الأمر صناعة الانتباه إلى صناعة عادات الانتباه نفسها.

فالانتباه المتكرر لا يكتفي بإبقاء الشيء حاضراً في الوعي، بل يدرب الوعي على ما يراه جديراً بالحضور والأهمية، ومع الوقت تتكون لدى الجماعة حساسية جديدة تجاه ما يستحق الانتباه؛ ما يثير أسرع، ويصدم أكثر، ويستدعي الانفعال.

وبالمقابل، قد تتراجع الأشياء التي تحتاج إلى تأمل وصبر، لا لافتقارها إلى القيمة، ولكن لعدم ملاءمتها لإيقاع «الترند» السريع. 

وبهذه الطريقة يحدد «الترند» موضوعات الاهتمام، ويمتد أثره إلى تشكيل معيار الاهتمام ذاته.

صناع المحتوى

فالمجال الرقمي يعكس اختياراتنا ويضاعف آثارها في آن واحد؛ فما يمنحه الناس اهتمامهم مراراً وتكراراً يتحول إلى عادة، والعادة تصوغ الذائقة، والذائقة تحدد ما يبدو طبيعياً وجديراً بالاهتمام؛ ومن ثم يصبح الجمهور عبر اختياراته المتكررة شريكاً في بناء البيئة الثقافية التي ستحدد لاحقاً ما يستحق أن يلفت الانتباه، وكذلك ما يستحق أن يظل على الهامش.

وتتضاعف مسؤولية صانع المحتوى بقدر ما تتسع قدرته على توجيه الأنظار، فهو من يختار العنوان، ويقتطع المشاهد، ويرتب الحكاية، ويصنع زاوية التلقي، ويعرف مواضع الإثارة التي تستدعي أسرع استجابة، والكلمة في يده قد تفتح باب معرفة، وقد تشعل موجة من السخرية، وقد تجعل من سيرة إنسان مادة للاستهلاك الجماعي.

ولهذا، فإن صناعة المحتوى أمانة تتجاوز مهارة الجذب إلى فقه الأثر؛ فصانع المحتوى مسؤول عن الصورة التي يضعها في وعي المتلقي، وعن السلوك الذي يمنحه قابلية الظهور والتكرار.

عند هذا الحد يظهر لنا الفارق بين المحاسبة والتشهير؛ فالمحاسبة تتجه إلى تقويم الخطأ وحماية الحق وإصلاح الخلل، بينما يحول التشهير الإنسان إلى مادة دائمة للقيل والقال أمام جمهور واسع لا يرحم.

لكن العدل يطلب قدراً من التناسب بين الفعل والجزاء، والرحمة تفتح للإنسان باب الإصلاح، وحفظ الكرامة يحمي المجتمع من التحول إلى محكمة دائمة لا تنقضي أحكامها.

أثر «الترند»

غير أن أثر «الترند» قد يمتد إلى أعماق الذات نفسها؛ فمع استمرار نظام رقمي واجتماعي يكافئ الظهور بكل أنواعه، يتعلم الإنسان تدريجياً ماهية المحتوى الذي يجذب الأنظار، فيعيد ترتيب سلوكه وتوجيهه وفق ما يلقى من صدى لدى الجمهور، وبالتدريج أيضاً قد يعيد تشكيل ذاته كاملة وفق الصورة التي تكافئها الأضواء والشهرة، حتى حين تتعارض تلك الصورة مع صدقه الداخلي أو حتى مع كرامته.

وهنا تبلغ مفارقات عصر «الترند» مداها؛ إذ قد ينشغل الإنسان بإثبات حضوره أمام الآخرين إلى درجة يفقد معها المعنى الداخلي الذي يرى به نفسه بعيداً عن أعينهم.

ولهذا، فإن الانتباه يستطيع أن يستعيد معناه الأخلاقي إذا وجه حقاً إلى ما يستحق؛ إلى المعرفة النافعة، والموهبة المبهرة، والتجارب التي توسع الفهم والإدراك، وكذلك إلى النماذج التي ترفع قيمة الإنسانية وتوقظ في الناس معنى المسؤولية.

وهنا يأتي دور الرحمة باعتبارها ممارسة إنسانية واعية، تظهر في التريث قبل المشاركة، وفي الحفاظ على الخصوصية، وفي ترك مساحة للإنسان كي يخطئ ويتعلم ويصلح، لتذكرنا بأن وراء كل صورة حياة كاملة لا تختصرها ثوانٍ معدودة؛ فهي وعي بقوة الكلمة، وانضباط أمام إغراء رأي الجماعة، وحماية للإنسان حين يصبح ضعفه ظاهراً وقابلاً للتداول.

كما أن الوجود الذي يحتاج إلى عين تثبته يظل معلقاً بها، فقد يملأ الإنسان الشاشات، وتخدم حضوره الخوارزميات، ثم يظل غائباً عن نفسه، غافلاً عن قيمته؛ وقد يغيب عن العيون جميعاً، وتبقى له حقيقة قائمة في ذاته، يثبتها وعيه بقدرها.

وفي النهاية، يبقى الرهان الأهم في زمن صناعة «الترند» على الإنسان؛ صانعاً كان أم متلقياً؛ أن يبقى وجوده أوسع من صورة، وأن تظل قيمته أعمق من ظهوره.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة