الأسرة الممتدة.. بين دفء العائلة وتحديات القرب
لم تكن الأسرة
في مجتمعاتنا حتى وقت قريب تعني الزوج والزوجة وأبناءهما فحسب، وإنما كانت في كثير
من الأحيان دائرة أوسع تضم الجد والجدة والأبناء المتزوجين وأحفادهم، وربما الإخوة
وزوجاتهم وأبناءهم يعيشون جميعاً في بيت واحد أو في بيوت متلاصقة، فتجمعهم مائدة
واحدة وتربط بينهم شبكة واسعة من المسؤوليات والعلاقات اليومية.
وكان بيت
العائلة أشبه بمؤسسة اجتماعية صغيرة فيه الكبير الذي له مكانته، والأبناء الذين
تتداخل أدوارهم والجميع يتقاسم شؤون الحياة من رعاية الصغار إلى خدمة كبار السن
ومن مواجهة الأزمات إلى تدبير متطلبات المعيشة، وكان الأطفال ينشؤون في هذه
الأجواء وهم يعرفون أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وأجدادهم عن قرب، فيجدون حولهم دوائر
متعددة من الرعاية والاهتمام ويشعرون بالحماية والانتماء، بينما يجد الكبار في
الأبناء والأحفاد امتداداً للعائلة ورفقة في مراحل العمر المختلفة.
ورغم أن الأسرة
الممتدة كانت تحمل كثيراً من صور التكافل والمساندة، فإن هذا القرب لم يكن يخلو من
تحديات؛ فحين تتسع دائرة المشاركة في الحياة اليومية تتسع معها مساحة الاحتكاك
وتختلف الاحتياجات والطباع وتتباين الرؤى حول ما هو خاص وما هو مشترك.
أبرز التحديات الأسرية
بالطبع، ليس من
السهل حصر كل التحديات التي يمكن أن تواجه أفراد الأسرة الممتدة، فهي متعددة بتعدد
تفاصيل الحياة وتشابك العلاقات، غير أننا يمكن أن نرصد أهم ملامحها من خلال عناوين
عريضة:
1- تربية الأبناء:
من الطبيعي أن
يرغب كل أب وأم في أن تكون لهما المساحة الأكبر في تربية أبنائهما وتشكيل شخصياتهم
وفق ما يريان أنه الأصوب، وغرس القيم والأخلاقيات فيهم وتعويدهم على الانضباط
وتحمل المسؤولية، غير أن وجود أفراد الأسرة الممتدة بصورة دائمة أو شبه دائمة قد
يجعل هذه المهمة أكثر تعقيداً حين تتعدد التوجيهات وتختلف أساليب التعامل.
فما يراه
الأبوان تساهلاً غير مقبول قد يراه آخرون رحمة وتدليلاً، وما يعتبرانه ضرورة
تربوية قد يراه غيرهما قسوة أو تشدداً، وقد يحدث العكس أيضاً، وهي المواقف التي قد
يشعر الطفل مع تكرارها بأن المعايير متباينة؛ فيلجأ لغير والديه للحصول على ما
يريد؛ وهو ما قد يضعف سلطتهما التربوية ويؤثر في بناء شخصيته.
2- حدود الخصوصية:
وتعد الخصوصية
من أكثر المسائل حساسية داخل الأسر الممتدة، ففي الغالب تضم هذه الأسر تحت سقف
واحد رجالاً ونساء من غير المحارم، أو تتعدد الأسر التي تستخدم المرافق والمساحات
نفسها؛ ما يجعل الحفاظ على الحدود الشخصية والعائلية أكثر صعوبة، ويحتاج للوعي
والاحترام المتبادل ومراعاة الاستئذان وستر العورة وغض البصر وعدم الدخول على
الآخرين في أوقات خصوصيتهم، وقد يبدو الالتزام بهذه الضوابط سهلاً نظرياً، لكنه
يصبح أكثر صعوبة حين تتحول كثرة القرب والاعتياد إلى شعور بأن أبواب البيوت والغرف
مفتوحة بحكم القرابة.
ويكفينا هنا أن
نشير فقط إلى الاستئذان الذي وضع الإسلام له ضوابط حتى للأبناء الذين لم يبلغوا
الحلم، فما بالنا بغيرهم حيث يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ
الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) (النور: 58).
3- مساحة الزوجين:
الحياة الزوجية
تحتاج بطبيعتها إلى مساحة خاصة يتحدث فيها الزوجان بحرية، ويتخذان قراراتهما بعيداً
عن المراقبة والتعليق، ويجدان فيها الوقت الذي يخصهما، غير أن هذه المساحة قد تضيق
في الأسرة الممتدة؛ لأن الحياة اليومية تجري في مجال مشترك.
فقد يجد الزوجان
حرجاً في أن يتناولا طعاماً وحدهما، أو يخرجا في نزهة، أو يجلسا للحديث في شؤونهما
خشية أن يفهم ذلك على أنه ابتعاد عن الأسرة أو تفضيل للحياة الخاصة على الحياة
الجماعية؛ وهو ما قد يُشعر أحد الزوجين بأن زواجه لم يعد يمنحه المساحة الطبيعية
التي يحتاج إليها.
4- خلافات الصغار:
وتأتي مشكلة
الخلافات بين الأطفال كتحدٍّ مهم؛ إذ قد يتسبب خلاف بسيط بين طفلين من أبناء
الإخوة في وقوع خلاف حاد بين الكبار، خصوصاً إذا شعر أحد الآباء بأن ابنه تعرض
للظلم، أو أن الطرف الآخر لم يربِّ أبناءه كما ينبغي، وتزداد المشكلة حين تتكرر
هذه المواقف فيتراكم العتاب وتتكون حساسيات بين الإخوة أو الزوجات، وقد تنتقل
مشاعرهم السلبية للأبناء فتتسع دائرة الخلاف داخل الأسرة على الرغم من أن أصله
موقف صغير كان يمكن أن ينساه الأطفال.
5- غيرة الزوجات:
إذا كان من
المألوف نشأة مشاعر الغيرة بين زوجات الإخوة حتى وإن كانت كل واحدة تعيش في مسكن
مستقل لتفاوت ظروف الحياة، أو مقدار ما تحظى به كل واحدة من اهتمام ورعاية، فإن
اجتماعهن في بيت واحد أو مساكن متقاربة يجعل فرص المقارنة والاحتكاك أكبر.
فقد تشعر إحداهن
بأن أم الزوج أولت الأخرى عناية أكبر، أو أن إحدى الزوجات نالت من المزايا
والتقدير ما لم تنله هي، وقد تكون هذه الفروق عفوية، إلا أن تكرارها قد يفتح باب
الغيرة؛ فيحدث سوء الظن والمنافسة ونقل الخلافات للأزواج.
ومع تراكم مشاعر
الضيق قد تتحول الحساسية إلى خصومة، ويمتد أثرها إلى بقية أفراد الأسرة، وقد تنتقل
الخلافات بين الكبار للأبناء فينشأ بينهم شعور بالمقارنة أو التحزب.
6- صراع الأدوار:
ومن التحديات
توزيع المسؤوليات والأدوار، فحين تتسع الأسرة ويشارك في شؤونها عدد كبير من
الأفراد يصبح من الطبيعي أن يتحمل كل منهم جانباً من الأعباء، غير أن هذا التوزيع
لا يسير دائماً بالعدل والوضوح، فقد يتكاسل بعض الأفراد بينما يحرص آخرون على
التحمل، أو يسعى آخرون للاستحواذ على أدوار تمنحهم سلطة أكبر في اتخاذ القرار.
ويتسبب غياب
العدل في تنامي الشعور بالغبن، ويدفع للمقارنة، ويولد مشاعر الضيق والغيرة وربما
الحسد، ومع استمرار هذه المشاعر وتراكمها قد تتطور للكراهية والحقد.
نحو التوازن
ومع ذلك، فإن
الحديث عن هذه التحديات لا يعني أن الحل يكمن في تفكك الأسرة الممتدة أو انقطاع
أفراد العائلة عن بعضهم، فالإسلام جعل صلة الرحم من أبواب البر، وحث على التواصل
والتراحم والتعاون، ونهى عن القطيعة والتدابر، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
وَالْأَرْحَامَ) (النساء: 1).
والمطلوب إذن
ليس التخلي عن القرب، وإنما تنظيمه بما يحفظ الحقوق ويصون الخصوصيات، فلا تتحول
صلة الرحم إلى تدخل في شؤون الآخرين، ولا أن تتحول الاستقلالية إلى قطيعة، ومن ثم
فإن على أفراد الأسرة أن يتعاونوا على البر والإصلاح، وأن يتناصحوا بالمعروف دون
فرض أو تجريح، وأن يحفظوا المودة بينهم بعيداً عن التمييز والمقارنة التي تفتح
أبواب النزاع.
فليس حتمياً أن
يعيش أفراد العائلة تحت سقف واحد حتى تتحقق معاني صلة الرحم، فقد تتباعد البيوت
وتبقى القلوب متقاربة والزيارات متصلة والمناسبات جامعة والمشكلات مجالاً للتعاون
والمساندة، وهو ما يجعل الأسرة الكبيرة قادرة على الاحتفاظ بدورها في التكافل
والرعاية دون أن تلغي خصوصية الأسرة الصغيرة.
إن تماسك الأسرة
المسلمة لا يقاس بكثرة الاجتماع تحت سقف واحد، وإنما بقدرتها على حفظ المودة وصلة
الرحم وأداء الحقوق، فإذا تحقق ذلك بقيت الأسرة الكبيرة مصدر رحمة وسند دون أن
تتحول كثرة القرب إلى سبب للخلاف والجفاء.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً