هل تعيد الحروب ترتيب سلم القيم؟
لا شك أن للحرب مآسيها الكبيرة، وفواجعها
المؤلمة، وآلمها التي تبقى في النفوس والذاكرة لسنوات طويلة، لكن من ناحية أخرى، فإن
للحرب فوائد، فقد تكون كاشفة لكثير من الزيف المتفشي في المجتمع وما نظنه في أنفسنا
من قوة أو ضعف، وكذلك شبكة حلفائنا، أولئك الذين تكشف الحرب متانة العلاقة معهم وإلى
أي مدى يمضي هذا التحالف، كذلك تعيد الحرب ترتيب سلم قيمنا، وتحدد من هو العدو الإستراتيجي،
ومن هو المنافس الذي تعد عداوته مؤقتة.
في التجربة التاريخية الإنسانية، فالحرب كانت
مُحركاً للتقدم البشري، وكانت ذا فوائد حضارية، فإذا كان البعض يظن أن الحرب قمة اللاعقلانية
والتجرد من الرحمة والإنسانية، وتنمية غريزة الحيوان في القتال، لكنها في أحيان قد
تكون خياراً عقلانياً وإنسانياً.
أما ما يتعلق بالحرب الحالية التي بدأت بشن
غارات أمريكية و«إسرائيلية» على إيران، في 28 فبراير 2026م، والصراع المحتدم حالياً،
فإنه يثير مجموعة من الإشكالات قد تعيد طرح الكثير من القيم على بساط النقاش، وإعادة
التفكير في كثير من المسلَّمات والقضايا، منها:
الحرب العادلة
مفهوم الحرب العادلة، طرح نفسه في تلك الحرب،
فما ماهية الحرب وعدالتها؟ والإجابة يترتب عليها استدعاء منظومة القيم سواء المرتبطة
بالعدالة، أو ما يرتبط بالحرب من أخلاقيات وبخاصة فيما يتعلق بالقتل والتدمير والقتل
الواسع وتدمير البنية الأساسية.
في الاصطلاح الحديث، فإن ما يسمى بنظرية «الحرب
العادلة» ترجع إلى القديس توما الإكويني في القرن الثالث عشر الميلادي، وإن كان ظهور
المفهوم سبقه بفترة طويلة، وهي تنظر للحرب من خلال الأسباب التي دعت لخوضها، وكذلك
سلوك الدولة أثناء الحرب، ووسائلها التي تلجأ إليها.
هذه النظرية ترى أن الحرب تكون عادلة إذا
توفرت لها 5 شروط أساسية، هي:
1- أن يتخذ قرار الحرب سلطة شرعية: أن يتخذ
قرار الحرب سلطة شرعية، وأن يُعلن رسمياً موعد الحرب قبل شنها، حتى يُتاح فرص أكثر
لتجنبها، وحتى يأخذ المدنيون حذرهم فلا يسقطوا في هذا الصراع بلا ذنب ولا مبرر، كذلك
فإن مفهوم الشرعية ذاته ذا دلالة قيمية وأخلاقية، وهو يعبر عن الرضا والطوعية، ومعنى
هذا أن المجتمع وبنية السلطة الممثلة في مؤسساتها المنتخبة تؤيد شن تلك الحرب باعتبارها
الوسيلة الوحيدة والقادرة على دفع العدوان.
2- عدالة قضية الحرب: والسبب العادل دفع العدوان،
أو حماية الأبرياء، فالسبب يجب أن يكون مبرراً أخلاقياً، أما أن يكون الهدف سياسياً
مثل التوسع والاستيلاء على الأراضي، أو اقتصادياً مثل الاستيلاء على مصادر الثروة،
أو عرقياً، أو دعائياً كاستعراض القوة، فكل ذلك يُضاد الحرب العادلة.
3- الحكمة أو فرص النجاح: يجب أن يتسم إعلان
الحرب بالحكمة في شنها، ومن الحكمة أن تكون فرص نجاحها موجودة، فلا تُشن الحرب وتكون
احتمالات الخسارة فيها شبه مؤكدة، وهذا الشرط يفرض التوازن بين شرط عدالة الحرب ومقومات
وفرص النجاح.
ولا شك أن تلك عملية عقلية وإستراتيجية، فيجب
أن تكون الدولة عقلانية في أهم قراراتها في السياسة الخارجية وهو قرار إعلان الحرب،
فقد تشن الدولة حرباً ولكنها لا تستطيع وقفها فتتحول الحرب إلى استنزاف وصراع مفتوح.
4- الوسائل الأخلاقية: الحرب العادلة وسائلها
أخلاقية، فالغاية لا تبرر الوسيلة لتحقيق النصر، ومن الضروري أن تلتزم الدولة بأن تكون
مستويات العنف في أدناها، وألا تستخدم العنف المفرط، لكن هذا الشرط نادراً ما تلتزم
به أي دولة في حربها، باستثناء التجربة النبوية في غزواتها.
5- الحرب هي الحل الأخير: هذا الشرط يرى أن
الحرب هو نهاية مسار من التفاوض والضغوط، وليس البديل الأول الذي تلجأ إليه الدولة
لحل صراعاتها وأزماتها في البيئة الدولية.
والحقيقة أن تطبيق تلك الشروط والمحددات على
ما يجري يؤكد أننا لسنا أمام حرب عادلة، وأن التذرع بالغطاء الأخلاقي والقيمي نوع من
الزيف، ولعل هذا ما يفرض إعادة ترتيب أولوياتنا القيمة نحو ضرورة امتلاك القوة، وامتلاك
وسائل الردع الذاتية التي تحول العدوان والاعتداء من الآخرين، فالضعف ما هو إلا أحد
أشكال الفراغ الإستراتيجي الذي يغري القوى الأخرى بالاعتداء والرغبة في فرض الهيمنة
والسيطرة، أو الاعتداء دون توقع المقاومة أو رد الاعتداء.
من هو العدو؟
من القضايا الكبرى التي تطرحها الحرب من هو
العدو الحقيقي والإستراتيجي، فالعدو قد لا يكون هو المنافس، ولكن العدو هو الآخر المناقض
للذات على مستوى الهوية والمصالح والتحالفات.
يُعرف العدو الإستراتيجي بأنه كيان أو دولة
خصم يشكل تهديداً ممتداً للأمن القومي والمصالح الأساسية، نظراً للتعارض مع طبيعة أهدافه
ومصالحه وهويته، ويمكن تحديد خصائصه على النحو التالي:
1- التهديد الوجودي: فهو تهديد للذات، أو
تهديد للهوية، أو تهديد للمصالح الحيوية، وغالباً يتم تحديد أخطار هذا التهديد من خلال
التجربة الذاتية، والقلق العميق من زيادة قوة هذا العدو وتطورها؛ وهو ما يخلق إحساساً
بعدم الأمن والقلق بشأن المستقبل ما دام هذا العدو موجوداً؛ لأنه يشكل تهديداً للذات،
خاصة في حال امتلاكه لقوة عسكرية فوق تقليدية وبخاصة القوة النووية.
2- التناقض الجوهري في المصالح: وهذا التناقض
يقترب من مفهوم المعادلة الصفرية، حيث إن الرابح يربح كل شيء، والخاسر يخسر كل شيء،
ولعل هذا ما يؤكد أن الصراع مع هذا العدو صراع وجودي وليس تنافساً طبيعياً في المجال
الإقليمي والدولي أو حتى صراعاً حدودياً.
3- المنافسة المتعددة: تتميز المنافسة مع
العدو الإستراتيجي بتنوع وعمق مستويات المنافسة، وهذا ما يجعل احتمالات الصراع معه
على أكثر من محور، وفي أكثر من مجال، فهذا التنافس الشرس يخلق احتكاكاً وأزمات مزمنة
في العلاقات.
4- الاختلاف الأيديولوجي: وتلك من السمات
المميزة للعدو الإستراتيجي، فهناك اختلاف وتناقض هوياتي وأيديولوجي وتاريخي لا يمكن
الوصول فيه لأي مستوى من الاتفاق أو التقارب، رغم بريق الشعارات الساعية للتعتيم على
هذا التناقض على نحو الانتماء إلى الأصل الإبراهيمي، أو اللجوء إلى سياسات التطبيع.
5- التوجس الدائم: العدو الإستراتيجي يتصف
بأنه يثير المخاوف الدائمة، فهناك توقع دائم بالسوء، وترقب من محاولاته لتنفيذ نواياه
العدوانية.
والحقيقة أن إغفال مفهوم العدو الإستراتيجي
يعبر عن أزمة فكرية وسياسية ووجودية، ويؤدي إلى نتائج كارثية خاصة في الخطط الدفاعية؛
بل يؤدي إلى تحويل العدو الإستراتيجي إلى خانة الحليف الإستراتيجي.
اقرأ
أيضاً:
عقيدة الخوف.. هل يُدار الشرق من بوابة الرعب؟
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً