8 مفاتيح قرآنية لعلاج الهلع وقت الحرب

في وقت الحرب، ينتشر الفزع، وتسود أجواء القلق والاضطراب في نفوس الناس، ويظهر ذلك على الوجوه وفي الكلمات والمكاتبات، ومع تسارع الأخبار وتضارب الروايات وصعوبة رؤية الحقيقة خلف الأحداث المتتالية تكثر الأسئلة حول الواجبات العملية التي تجلب للقلب السكينة وللعقل التفكير السليم، حتى تهدأ النفس ويفهم العقل، ولا يتحقق ذلك إلا بمطالعة الحقائق القرآنية التي لا تخطئ، والسير على منهاجها الذي لا يضل.

وقد ساق القرآن الكريم عدداً من الآيات التي تبين المنهاج السليم وترسم الطريق القويم في أوقات الفزع والهلع، حيث قال تعالى: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً {20} وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً {21} إِلَّا الْمُصَلِّينَ {22} الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ {23} وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ {26} وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ {27} إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ {28} وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {29} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {30} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ {31} وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ {32} وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ {33} وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {34} أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ) (المعارج).

ففي قوله: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً {19} إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً)، أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير، (تفسير ابن كثير، 8/ 226)، وقد استثنى الحق سبحانه وتعالى أصنافا من المؤمنين، لا يقعون في هذا الخوف والفزع، وبيان صفاتهم فيما يأتي:

1- المداومة على الصلاة:

قال تعالى: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)، أي: مداومون عليها في أوقاتها بشروطها ومكملاتها، وليسوا كمن لا يفعلها، أو يفعلها وقتا دون وقت، أو يفعلها على وجه ناقص، (تفسير السعدي، ص: 887)، فالمداومة على الصلاة الكاملة تعيد ضبط القلب، وتجلب له السكينة والطمأنينة، ففيها الذكر الدائم لله تعالى، قال عز وجل: (‌أَلَا ‌بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وفي سنن أبي داود ومسند أحمد بسند صححه الألباني عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «‌يَا ‌بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، ‌أَرِحْنَا بِهَا»، فعلى المسلم في وقت الفزع والقلق أن يستزيد من ذكر الله ويلزم بابه بالقرب منه ومداومة السجود له.

2- الإنفاق في سبيل الله:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أي: ومن الذين استثناهم -سبحانه- من صفة الهلع: أولئك المؤمنون الصادقون الذين جعلوا في أموالهم حقا معينا، يخرجونه عن إخلاص وطيب خاطر، لمن يستحقونه من السائلين والمحرومين.، على سبيل الشكر لخالقهم على ما أنعم عليهم من نعم، (التفسير الوسيط، 15/ 101)، فالعطاء علامة على شكر نعمة الأمن، وفيه جلب لها، من خلال كسر الأنانية، والدفع نحو التضحية والمشاركة في رفع المعاناة عن المنكوبين.

3- التصديق بيوم الدين:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ): أي المؤمنون بيوم الجزاء وهو يوم القيامة، (تفسير القرطبي، 18/ 291)، ففي استحضار الآخرة كسر لمركزية الدنيا التي نشأ الخوف والهلع بسبب تضخم التعلق بها، قال تعالى: (كَلَّا بَلْ ‌تُحِبُّونَ ‌الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) (القيامة)، فمن استحضر الآخرة فإنه يعيد ترتيب أولوياته وتصغر الدنيا عنده فلا تفزعه المخاوف، فالقرآن الكريم ينقل القلب من التعلق اللحظي بالدنيا إلى التمسك بالأفق الأبدي يوم القيامة.

4- الخوف من عذاب الآخرة:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ* إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ) أي: والذين هم في الدنيا من عذاب ربهم وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له فرضا، ولا يتعدّون له حدّا، «تفسير الطبري، 23/ 617)، فالخوف والفزع عذاب دنيوي يستصغره كل من استحضر عذاب الآخرة وتخلى عن أسبابه والطرق المؤدية إليه، بل إنه يتمسك بسبل النجاة، حتى يطمئن قلبه في الدنيا والآخرة.

5- حفظ الفرج:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) ففي الآيات الكريمة دعوة إلى العفة والحياء، وخاصة في أوقات الفزع والفوضى، التي قد يستغلها البعض لإشاعة الفواحش والتعدي على الحرمات، كما تدعو الآيات إلى ضرورة الحرص على النفس من التطلع إلى الشهوات المحرمة، خاصة في أوقات الفزع التي قد لا تملك المرأة أو لا تنتبه لستر عورتها.

6- رعاية الأمانات والعهود:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، أي: مراعون لها، حافظون مجتهدون على أدائها والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربه، كالتكاليف السرية، التي لا يطلع عليها إلا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار، وكذلك العهد، شامل للعهد الذي عاهد عليه الله، والعهد الذي عاهد عليه الخلق، فإن العهد يسأل عنه العبد، هل قام به ووفاه، أم رفضه وخانه فلم يقم به؟ (تفسير السعدي، ص 887)، فالناس في أوقات الفزع يكونون أحوج إلى الأمانة وحفظ العهود أكثر من أي وقت آخر، فالأمانة في ظل غياب رقابة القانون والسلطة دليل على الإيمان والضمير الحي، والأمانة هنا تشمل كل معانيها وأصنافها، فهي تدل على أمانة المال وأمانة الكلمة وأمانة الوظيفة وأمانة المسئولية العامة، وغيرها.

كما أن رعاية العهد تحفظ المجتمع وتمنع انهياره، وهي تشمل رعاية العقود والالتزامات المهنية والواجبات الأسرية والعهود الوطنية والمواثيق الدولية، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ ‌الْعَهْدَ ‌كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34).

7- القيام بالشهادة:

(وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) أي: لا يشهدون إلا بما يعلمونه، من غير زيادة ولا نقص ولا كتمان، ولا يحابي فيها قريبا ولا صديقا ونحوه، ويكون القصد بها وجه الله، (تفسير السعدي، ص: 887)، فالكلمة في وقت الفزع لابد أن تكون منضبطة ومتزنة، خاصة أن هذه الأوقات تنتشر فيها الشائعات، وتكثر فيها الأقوال المغرضة التي تبث الخوف والفزع بين الناس.

8- المحافظة على الصلاة:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي: والذين هم على مواقيت صلاتهم التي فرضها الله عليهم وحدودها التي أوجبها عليهم يحافظون، ولا يضيعون لها ميقاتا ولا حدّا، (تفسير الطبري، 23/ 618)، وقال ابن كثير: افتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها، (تفسير ابن كثير، 8/ 227)، ففي الآيات دليل على أن المحافظة على الصلاة وحسن أدائها من أعظم وأهم مفاتيح الأمن والأمان.

من خلال ما سبق يتبين أن المسلم يحتاج في وقت الفزع إلى التمسك بهذه المفاتيح، التي تجلب السكينة والطمأنينة، سواء كان ذلك في الدنيا أم الآخرة، وقد وعد الحق سبحانه وتعالى من تمسك بها بالتكريم في الجنات، حيث قال تعالى: (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ)، أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسارّ، (تفسير ابن كثير، 8/ 227)، فمن تمسك بهذه الأفعال فإن الله يكرمهم بكرامته وييسر لهم ملاذا آمنا.




اقرأ أيضاً:

من صفات عباد الرحمن

ملوك الآخرة

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة