; ملوك الآخرة (44).. الصفة الخامسة عشرة: التوبة | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (44).. الصفة الخامسة عشرة: التوبة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010

مشاهدات 100

نشر في العدد 1900

نشر في الصفحة 41

السبت 01-مايو-2010

تناولنا في العددين الماضيين الصفة الرابعة عشرة من صفات عباد الرحمن، وهي صفة «العفة»، وفي هذا العدد نتناول صفة «التوبة» والتي جاءت في سياق صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان.

التائبون العاملون

يقول تعالى بعد قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا(70) ﴾ (الفرقان: 68:70).

إذن فهذا العذاب والخلود في النار يستثنى منه بعض عباد الرحمن الذين توافرت فيهم صفة التوبة مع الإيمان والعمل الصالح.

ما هي التوبة؟

والتوبة صفة أصيلة من صفات عباد الرحمن، لأنهم أسرع الناس شعورًا بالمعصية والتقصير، وأسرع الناس للأوبة والتوبة، والتوبة كما عرفها الراغب الأصفهاني هي: «ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه:

إما أن يقول المعتذر لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع، وهذا «الأخير هو التوبة») (1).

شروط التوبة

وللتوبة النصوح أربعة شروط: يقول الإمام النووي: « فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى، لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:

أحدهما: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها .

والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بأدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها فإن كانت مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه مكنه منه، أو طلب عفوه، وإن كان غيبة استحله منها. (٢).

لماذا هذه الشروط؟

هذه هي شروط التوبة، ولكن السؤال: لماذا هذه الشروط، ونحن كمسلمين لسنا مطالبين بالبحث عن أسباب التشريع؟ لأننا نستسلم لكل ما يطلبه الخالق منا، وهذا من صفات الاستسلام الناتجة من الإسلام، والجواب أن ذلك من باب الاستئناس، يقول سيد قطب رحمة الله عليه: «ويضع قاعدة التوبة وشروطها قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ( الفرقان: 71).

فالتوبة تبدأ بالندم والإقلاع عن المعصية، وتنتهي بالعمل الصالح الذي يثبت أن التوبة صحيحة. وأنها جدية، وهو في الوقت ذاته ينشئ التعويض الإيماني في النفس للإقلاع عن المعصية، فالمعصية عمل وحركة، يجب ملء فراغه بعمل مضاد وحركة، وإلا حنت النفس إلى الخطيئة بتأثير الفراغ الذي تحسه بعد الإقلاع، وهذه لمحة في منهج التربية القرآني عجيبة، تقوم على خبرة بالنفس الإنسانية عميقة، ومن أخبر من الخالق بما خلق» (۳). 

والحنين إلى المعصية الذي أشار إليه سيد قطب غدًا سببًا رئيسيًا للانتكاسة للكثير من السلوك الانحرافي، ومنها ما أتعامل معه منذ سبعة عشر عامًا، وهو علاج مدمني المخدرات وألمس أن من أهم وأبرز أسباب الانتكاسة، هو الفراغ الذي لم يملأه بعد توبتهم وإقلاعهم.

الطبقات الأربع

التائبون من المعاصي ينقسمون إلى أربع طبقات، كما بينها الإمام ابن قدامة المقدسي.. 

الطبقة الأولى: تائب يستقيم على التوبة إلى آخر عمره، ويتدارك ما فرط من أمره، ولا يحدث نفسه بالعودة إلى ذنوبه. وصاحبها هو السابق بالخيرات، وتوبته تسمى التوبة النصوح، وصاحبها صاحب النفس المطمئنة. 

الطبقة الثانية: تائب قد سلك طريق الاستقامة في أمهات الطاعات، وترك كبائر الفواحش، إلا أنه لا ينفك عن ذنوب تعتريه، لا عن عمد، ولكنه يبتلى بها في مجاري أحواله، وكلما أتى شيئًا منها لام نفسه، وندم، وعزم على الاحتراز من أسبابها ، فهذه النفس اللوامة، وهذه رتبة عالية، وإن كانت نازلة عن الطبقة الأولى. 

الطبقة الثالثة: أن يتوب ويستمر على الاستقامة مدة، ثم تغلبه شهوته في بعض الذنوب، فيقدم عليها لعجزه عن قهر الشهوة، إلا أنه مع ذلك مواظب على الطاعات، وترك جملة من الذنوب مع القدرة عليها، والشهوة لها، وإنما قهرته شهوة أو شهوتان، وهو يود لو أقدره الله على قمعها، فهذا يخاف من خاتمته، لأن الأعمال بالخواتيم. وهذا ممن قال الله فيهم: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ( التوبة: 102).

الطبقة الرابعة: أن يتوب ويجري مدة على الاستقامة، ثم يعود إلى الذنوب منهمكًا من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف على فعله، فهذا من المصرين، وهذه النفس هي الأمارة بالسوء، ويخاف على هذا سوء الخاتمة (4).

عباد الرحمن

وعباد الرحمن هم من الطبقة الأولى أو الثانية ولا يقبلون أبدًا أن يكونوا من الطبقة الثالثة أو الرابعة، وإن زلت بهم الأقدام إلى الطبقة الثالثة، فسرعان ما يعودون إلى طبقتهم الأولى أو الثانية، فهم يتقلبون بين النفس اللوامة، ويبذلون الجهد للارتقاء إلى النفس المطمئنة.◘

المراجع

(1) المفردات للأصفهاني، ص ١٦٩ ، طبعة دار القلم، دمشق، ۲۰۰۹م.

 

(2) نزهة المتقين شرح رياض الصالحين، ٣٢/١ ط. مؤسسة الرسالة.

(3) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٥٨٠/٥.

(٤) مختصر منهاج القاصدين، ص ۲۷۸ ، ۲۷۹، ط. المكتب الإسلامي، بتصرف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

953

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة.. وحزيران

نشر في العدد 12

114

الثلاثاء 02-يونيو-1970

لقلبك وعقلك