مستقبل شباب غزة.. بين الهجرة وإرادة الصمود في الوطن
بعد حرب استمرت
أكثر من عامين ونصف عام، لم يُبقِ جيش الاحتلال «الإسرائيلي» أي أفق لمستقبل زاهر
للشباب في قطاع غزة بعد أن دمرت آلة الحرب كافة مناحي الحياة بما فيها البنية
الاقتصادية في القطاع الساحلي الصغير، وارتكبت أبشع أنواع الجرائم الإنسانية غير
المسبوقة، بينما يكافح الشبان واقعهم المرير بالصمود والتمسك بأرض الوطن.
إغراءات «إسرائيلية» لتهجير شباب غزة
حكومة الاحتلال
التي يرأسها بنيامين نتنياهو ووزراء متشددون، لجأت خلال العدوان إلى محاولات عدة
وعبر قنوات عديدة كنوع من الإغراءات للضغط على الشباب الغزيين ودفعهم نحو التهجير
إلى الخارج، ضمن مخطط «إسرائيلي» -قديم جديد- لتفريغ القطاع المحاصر من السكان،
وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من تمرير هذه المخططات الاستعمارية.
في أحد مخيمات
النزوح في مواصي خان يونس بجنوب قطاع غزة، ينزح الشباب محمد الدبس في العشرينيات
من عمره مع عائلته المكونة من 7 أفراد من شمال القطاع، ويفتح بسطة متواضعة لبيع
الخضار بجهود ذاتية في محاولة للتغلب على صعوبة العيش وجلب رزق أسرته.
يقول الدبس
الخريج من الجامعة حديثًا، لـ«المجتمع»: رغم كل صعوبات الحياة وضياع المستقبل في
غزة، أكافح في جلب رزق عائلتي التي تعاني من سوء أحوال المعيشية، للقدرة على
الصمود قدر المستطاع في أرض الوطن.
ورفض الشاب الذي
نزحت عائلته مرات عدة وتشتت جمعهم خلال فترة الحرب، فكرة مغادرة البلاد، وعلل ذلك،
أنها تخدم سياسة الاحتلال في السيطرة على الأرض، ويضيف أن مشروع التهجير سيبوء
بالفشل.
فكرة الغُربة عن
الوطن ليست سهلة، فهي محفوفة بالأخطار تصل إلى الضياع والموت وهو ما حدث مع شبان
فلسطينيين فقدت آثارهم في البحار والغابات، كما يشير الدبس، الذي يفضل البقاء
حتمًا بعد سماعه لقصص كثيرة عن معاناة المهاجرين في البلدان الأجنبية.
محمود حميد شاب
(30 عاماً) يعمل في مهنة البناء منذ سنوات وفي الحرب بدأ في إنشاء مشروع جديد في
قلب مدينة غزة لإعادة تدوير المخلفات التي يجلبها من بين الأنقاض مع مجموعة من
العمال، يقول: أسست مشروعي في ظل نقص الإمكانات من أجل كسب قوتي وقوت عائلتي.
حميد الذي يعمل
أكثر من 6 ساعات يومياً، نقل مؤخراً خيمة عائلته من المدينة إلى مسقط رأسه في
مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، رغم خطر وصول الرصاص الطائش القاتل، ويضيف لـ«المجتمع»:
فقدت منزلي وعملي، لكني باقٍ في القطاع.
ويأمل الشاب العزب
في أن تتحسن الظروف الاقتصادية والمعيشية في القطاع المدمر مع بداية تنفيذ ملف
الإعمار الذي سيوفر آلاف فرص العمل للشباب وفي جميع القطاعات.
وفق التقديرات
الدولية، فقد وصلت نسبة الدمار في قطاع غزة إلى أكثر من 90%، حيث أصبحت معظم المدن
والمناطق غير صالحة للسكن، وتجاوزت نسبة المباني المتضررة في بعض المناطق 83%.
وخلفت حرب الإبادة
حجم حطام يقدر بنحو 51 مليون طن، ما يتطلب سنوات طويلة لإزالته، وتقدر تكلفة إعادة
إعمار غزة بنحو 70 إلى 71.5 مليار دولار أمريكي، وفقاً لتقارير مشتركة للأمم
المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي (حتى أبريل 2026م).
في المقابل،
ينتظر الشباب عزمي صالح عودة فتح معبر رفح البري الوحيد مع الجانب المصري بشكل
طبيعي، لكي يسافر خارج البلاد قاصدًا دول أوروبية.
وجهز صالح (27
عاماً) جميع أوراقه الثبوتية من أجل السفر على أمل أن يجد فرصة عمل تليق به هناك
وتضمن بناء مستقبله، يقول: إن الوضع الإنساني والاقتصادي في غزة صعب، ومن أجل
التعافي فهي بحاجة لعشرات السنوات.
ويبدي الشاب
خشيته من ضياع باقي عمره في القطاع وهو ينتظر حلول جذرية لإنقاذ المستقبل، في وقت
يرفض فيه الاحتلال كل الحلول وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية كما ويشدد من
حصاره من جميع الاتجاهات.
وتحولت معظم
القوى العاملة في غزة على عاطلة عن العمل، إذ
قفزت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 85% في مايو 2026م،
نتيجة للحرب المستمرة، وفق مؤسسات أممية دولية، التي أكدت أن هذه المعدلات من
الأعلى عالميًا.
وارتفعت معدلات
البطالة في قطاع غزة، وفق أحدث تقرير صادر عن الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء،
إلى نحو 68% خلال فترة الحرب، مع انخفاض نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو
25% مقارنة مع 40% قبل الحرب.
وبلغ عدد
العاملين في غزة في الربع الثالث من عام 2023 حوالي 292 ألف عامل بنسبة مشاركة
وصلت إلى 55%، بحسب تقرير الإحصاء الذي أشار إلى أن هذه النسبة تراجعت بشكل كبير
خلال الحرب إلى حوالي 32% في الربع الرابع من عام 2024م، نتيجة فقدان فرص العمل
وارتفاع أعداد العاطلين عن العمل.
من التهجير القسري إلى الطوعي
رامي محسن، باحث
في قضايا حقوق الإنسان- غزة، يؤكد في تصريح صحفي، أن سيناريو التهجير القسري فشل
به الاحتلال نتيجة صمود المواطنين في غزة، يوضح أن فشل هذا الأمر لا يعني أن
سيناريو التهجير لم يعد قائماً، فالمؤشرات على الأرض تشير إلى أن الاحتلال انتقل
إلى سيناريو التهجير الطوعي من خلال قتل أفق المستقبل في القطاع.
وحذر محسن من
الإجراءات الفردية التي يقودها الاحتلال في إطار تفريغ السكان والسيطرة على الأرض،
مشددًا على ضرورة تعزيز صمود المواطنين لإفشال مخططات التهجير.
وبحسب تقديرات
غير رسمية، فقد غادر القطاع أكثر من 40 ألف شخص منذ بداية الحرب على غزة في 7
أكتوبر 2023م، وانخفض عدد سكان القطاع بنسبة تقارب 10.6% خلال عامي الحرب (تشمل
الوفيات والمغادرين).
وخلفت الحرب
المستمرة 72740 شهيداً، و172555 إصابة، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
ومنذ أواخر عام
2025 وبدايات 2026م، شهدت عودة تدريجية ومحدودة لعدد من الفلسطينيين معظمهم من
المرضى والجرحى العالقين في الخارج إلى قطاع غزة، في رحلة وصفوها بالشاقة والصعبة
بسبب القيود الأمنية الصارمة التي يفرضها الاحتلال على المعابر.
ويسمح الاحتلال
بعد اتفاق وقف اطلاق النار في غزة الأخير الموقع في مدينة شرم الشيخ المصرية في 10
أكتوبر 2025م، بعودة عدد محدود من الفلسطينيين العالقين عبر معبر رفح، وفق آلية
تنسيق مع الجانب المصري، وذلك بعد فترة طويلة من الإغلاق الشامل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً