حين تتعب السيوف وتصمد الروح
كاتب المدونة: ياسين محمد أمين الكبيسي(*)
حين عاد جيش
المسلمين من معركة «مؤتة» عام 8هـ، استقبلهم بعض أهل المدينة بهتافٍ قاسٍ: «يا
فرار، يا فرار»! لكن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ الكلمة بكلمة غيّرت المعنى
والتاريخ، فقال: «بل هم الكرار إن شاء الله».
بهذا الرد
النبوي الحكيم تجلّى الفارق بين الفرار المؤقت والكرار الدائم، بين من يترك ساحة
المعركة ضعفاً، ومن ينسحب تكتيكاً ليعود أقوى عزيمة وأشدّ بأساً.
إنها استراحة
المقاتل، ليست استسلاماً ولا خذلاناً، بل لحظة التقاط أنفاس قبل جولة جديدة من
الصمود، فكم من فارس سحب سلاحه مؤقتاً ليُصلحه ويشحذه، ثم عاد إلى الميدان أكثر
دقة وضراوة! وهكذا علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر الجيش المنكسر أن
يعيد استعدادَه للقاء العدو من جديد، رغم الجراح والخسائر، حتى نزل قول الله
تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173).
إنه درس خالد في
الإصرار بعد الانكسار، وفي الثقة المطلقة بالله مهما اشتدت الظروف، ولقد علّمنا
القرآن أن الهزيمة لا تكون حين نخسر معركة، بل حين نفقد الإيمان بالنصر، ولذلك قال
تعالى بعدها: (فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ
وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو
فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: 174)، وبهذه الروح انقلب المنكسر إلى منتصر مرضيٍّ عنه، لأن
الإيمان غلب الخوف، والطاعة غلبت الانكسار، واليقين رفعهم إلى مقام الرضا.
واليوم يعيد
التاريخ مشهده في غزة الصامدة، ويتجلى هذا الدرس القرآني في أبهى صوره، حيث اجتمع
عليهم القريب والبعيد، وتخلّت عنهم العواصم، وأغلق العالم أبوابه، لكنهم قالوا كما
قال الذين من قبلهم: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فزادهم ذلك ثباتاً وإقداماً.
ولم تكن حربهم
حرب أعداد ولا عتاد، بل حرب إيمان ويقين، يقودها رجال نحتوا سلاحهم بأيديهم،
وكتبوا أسماء شهدائهم على صواريخهم، ليظل كل سلاح شاهداً على من صنعه ومن ضحّى
لأجله؛ ولذلك أراد الأعداء أن يُنهوا القضية، فإذا بها تُحيي ضمائر العالم،
وأرادوا إذلال غزة، فإذا بالكرامة ترفعها فوق الأمم، وبقي العالم كله على مدار
أكثر من سنتين يترقّبُ كلمة المقاومة، وينتظر قرارها قبل أن يتحرك خطوة واحدة،
إنها المعادلة المقلوبة التي لا يصنعها إلا الإيمان؛ قوة بلا سند دولي، وانتصار
بلا دعم خارجي، لكن معها تأييد رباني «يقول للشيء كن فيكون».
أما من يظن أن
الهدنة هزيمة، فقد غاب عنه جوهر المعركة، لأنّ الهدنة ليست راية بيضاء، بل استراحة
مقاتل بلحظة يعيد فيها ترتيب الصفوف، ويلملم الجراح، ويستعد لجولة قادمة.
ألم يصالح النبي
صلى الله عليه وسلم قريشاً في «الحديبية» 10 سنين؟ فظنّ المنافقون يومها أنها
هزيمة، فإذا بها كانت الفتح المبين الذي أعاد للأمة قوتها ووحدتها، وكذلك اليوم،
فالمقاومة في هدنتها تشبه يوم «الحديبية»؛ لم تُلقِ السلاح، بل أعدّته، ولم تترك
الميدان، بل وسّعته.
لقد قاتل أهل
غزة قتال الأبطال، وصبروا صبر الرجال، ولو وُزّعت معاناتهم على العالم لضاقت بها
صدور البشر جميعاً، ومع ذلك لم تنكسر عزيمتهم، ولم يضعف يقينهم، لأنهم قوم عرفوا
أن النصر صبر ساعة، وهم اليوم يعيدون إعمار ما دمّره العدوان، ويداهم مشغولة
بالبناء، وقلوبهم ما زالت معلّقة بالسماء، يفاوضون من موقع القوة، لا من موقع
الضعف؛ فالمفاوضة هنا ليست تنازلاً، بل رسالة؛ نحن نحيا لأجل هذا الشعب، نحميه في
الحرب ونطعمه في السلم.
أما عدوهم، فقد
خرق كل ميثاق ودهس كل قيمة، وقصف المستشفيات ودور العبادة والمدارس، واستهدف
النساء والأطفال، وارتكب ما يندى له جبين الإنسانية، والعالم كله يشهد ولا يتحرك،
فكيف يُلام المقاتل إذا جلس للتفاوض من أجل إدخال الغذاء والدواء إلى من تبقّى من
أهله؟ فجلوسه هذا بطولة أخرى، لأنه يفاوض من أجل الحياة بعد أن قاتل من أجل
الكرامة.
ويجب أن نقرأ
مشهد غزة بهذا المنظار، ليس انكساراً، بل استراحة مقاتل مؤمن واثق بوعد الله، يرمم
جسده وكيانه ليعود من جديد، فهي لحظة بين جولتين، فيها إعداد وصبر، وفيها بناء
إيماني قبل أن يكون عسكرياً، وقد بشّر النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء حين قال: «لا
تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما
أصابهم من لأواء، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟
قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (أخرجه الطبراني).
فطوبى لهم،
لأنهم في الأرض التي اختارها الله أن تكون ميداناً للثابتين، وتباً لكل من ظن أن
السكون ضعف، أو أن الهدوء انكسار، أو أن التفاوض نهاية الطريق، إنها استراحة
مقاتل، يستجمع فيها المؤمن أنفاسه، ويغسل روحه بدموع الدعاء، ويُعيد قلبه إلى
يقينه الأول؛ حسبنا الله ونعم الوكيل، وينطق من جديد ليستكمل مسيرة التحرير
المنتظر بإذن الله.
________________
(*) كاتب، وصحفي
عراقي.