رحلة ما وراء المادة.. أسرار الإعجاز البياني في «آية الإسراء»
المتدبر في آية «الإسراء»
(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي
بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الإسراء: 1) يوقن أنها ليست مجرد نص لغوي يخبر عن واقعة تاريخية، بل
هي هندسة إلهية دقيقة للكلمات، حيث وُضعت كل مفردة بميزان يغلق أبواب الشك ويفتح
آفاق اليقين.
إنها الآية التي
تمثل العماد الذي أقيمت عليه أغراض السورة كاملة؛ من إثبات نبوة محمد صلى الله
عليه وسلم، والتأكيد على أن القرآن وحي معجز، وصولاً إلى رد مطاعن المشركين الذين
عجزوا عن فقه أسراره فأعرضوا عنه.
جاءت الآية
افتتاحاً للسورة بأسلوب يهيئ الروح والمنطق لتلقي خبر خارق للعادة؛ فكان البيان
القرآني في أعلى درجات الإحكام؛ حيث إننا أمام نصٍّ يتجاوز حدود المادة ليحلق في
ملكوت القدرة، وفيما يلي قراءة تحليلية مستفيضة لأسرار الدقة اللفظية التي تُظهر
كيف أن كل حرف وُضع بميزان إلهي لا يخطئ.
أولاً: «سُبْحَانَ».. إعلان النزاهة قبل خرق العادة:
افتُتحت الآية
بالمصدر «سُبْحَانَ»، وهي كلمة لا تُقال إلا في مقام التعجب من عظمة الخالق؛ لغوياً،
هي اسم علم لمعنى البراءة والتنزيه، وجاءت بصيغة المصدر المنصوب بفعل مضمر تقديراً
لـ«أُسبّح تسبيحاً»، لتفيد التنزيه المطلق الدائم.
لماذا البدء
بالتنزيه؟ لقد اختير هذا الافتتاح لِبُعده البلاغي العميق؛ فالعقل البشري إذا واجه
خبراً يتجاوز القوانين الفيزيائية (كالطيران وقطع المسافات الشاسعة في دقائق) قد
يحكم عليه بالاستحالة؛ لذا جاءت «سبحان» لتضع الحدث في إطاره الصحيح؛ إطار القدرة
الإلهية لا القدرة البشرية، إنها رسالة للمتلقي: «لا تقِس ما ستسمع بمقاييسك
الضعيفة، بل انسبه لمن تنزه عن العجز والقيود»، وبذلك انتفى التعارض بين المعجزة
ومنطق العادة منذ الكلمة الأولى.
ثانياً: «الَّذِي أَسْرَىٰ».. سر الإسناد والتشويق:
استخدم النص
القرآني صيغة الموصول «الَّذِي» بدلاً من الاسم العلم، وهذا لسرين:
الأول: التشويق:
صلة الموصول دائماً ما تثير في النفس تطلعاً لمعرفة الفعل العظيم الذي سيأتي
بعدها.
الثاني: التعظيم
بالصفة: التعبير بالموصل يومئ إلى أن هذا الحادث العظيم دليل بذاته على عظمة من
أجراه، كما يشير ابن عاشور إلى أن هذا التعبير يفيد بأن حديث الإسراء كان قد شاع
بين الناس، فآمن به الموحدون وأكبره المشركون، فجاءت الآية لتؤكد نسبة الفعل لصاحب
العزة والجلال.
ثالثاً: «أَسْرَىٰ» لا «سَرَى».. إعجاز الفاعلية والتعدية:
في «لسان العرب»،
السُّرى هو السير ليلاً، ولكن القرآن لم يقل «سار بعبده»، بل قال: «أَسْرَى»، وزيادة
الهمزة في الفعل تفيد «التعدية»؛ أي أن الفعل تم بقوة خارجية محركة.
سلب الفاعلية:
الإعجاز هنا يكمن في سلب الفاعلية عن البشر ومنحها للخالق، فالنبي صلى الله عليه
وسلم لم يسرِ بنفسه، بل أُسري به.
التحقق والوقوع:
جاء الفعل بصيغة الماضي ليفيد الثبوت واليقين، وفي هذا رد ضمني على المشككين؛
فالفعل قد تم وانتهى بقوة الله، ومناقشة «كيفية» التحمل الجسدي للسرعة تصبح لا
قيمة لها حين يكون المحرك هو خالق قوانين السرعة والمادة نفسه.
رابعاً: «بِعَبْدِهِ».. حقيقة الذات وأسمى المقامات:
اختيار لفظ «بِعَبْدِهِ»
دون ذكر الاسم «محمد» أو الوصف «الرسول» يحمل دلالات إعجازية مذهلة:
1- الشمول
المادي والروحي: لغوياً، لفظ «العبد» في التوصيف القرآني يطلق على اجتماع الروح
والجسد معاً، وهذا حسمٌ للأبد بأن الرحلة لم تكن رؤيا منامية أو تحليقاً روحياً
فحسب، بل كانت انتقالاً مادياً كاملاً بالجسد والروح.
2- التشريف
بالعبودية: إضافة العبد إلى ضمير الغائب «الهاء» العائدة على الله هي قمة القرب، ففي
مقام الإعجاز والارتفاع إلى السماوات، أكد الله صفة العبودية لنبيه، ليعلن أن
الإنسان مهما سما وعلا في مراتب القرب، يظل عبداً لله، وفي ذلك حماية لعقيدة
التوحيد من الغلو، وتشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بأن عُبوديته هي سبب ارتقائه.
خامساً: «لَيْلاً».. إعجاز الإيجاز والزمن القياسي:
جاءت كلمة
«لَيْلًا» نكرة؛ أي في جزء من الليل؛ فهي تُبرز أن المعجزة تكمن في الزمن القياسي،
الذي استغرقته، وهو ما أثبتته الأحاديث النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد
وفراشه لا يزال دافئاً، وفيه إيماء إلى أنه إسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي
بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة، وأيضاً ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد
للتعظيم. (التحرير والتنوير: 15/ 11).
سادساً: من «المسجد الحرام» إلى «الأقصى».. ربط الهوية والجغرافيا:
استخدم القرآن
لفظ «المسجد» للمكانين، وفي ذلك إعجاز مستقبلي وتاريخي:
1- وحدة
التوحيد: في وقت الرحلة، لم تكن هناك مبانٍ بالهيئة المعمارية للمساجد في القدس،
لكن القرآن سماه مسجداً ليربط بين هوية المكانين؛ فكلاهما مكان للسجود والتوحيد.
2- وصف «الأقصى»:
كلمة «الأقصى» تعني «الأبعد»، وهو وصف دقيق لبعد المسافة الشاسعة بين مكة والقدس
بمقاييس ذلك الزمان (مسيرة شهر للإبل)؛ وهو ما يضاعف من حجم المعجزة التي تمت في
جزء من ليلة.
سابعاً: «الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ».. إعجاز الالتفات والبركة:
هنا نلاحظ
انتقالاً بلاغياً مدهشاً يسمى «الالتفات»؛ حيث تحول السياق من ضمير الغائب (سبحان
الذي أسرى) إلى ضمير المتكلم (باركنا)، هذا الالتفات يمنح السامع شعوراً بحضور
العظمة الإلهية المباشرة، ويؤكد أن البركة في بيت المقدس ليست مجرد صفة عارضة، بل
هي فعل إلهي مباشر، وقوله: «حولَه» إعجاز في شمولية البركة؛ فإذا كانت البركة تحيط
بما حول المسجد، فمن باب أولى أن يكون المسجد نفسه هو منبع تلك البركة ومركزها.
ثامناً: «لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا».. أدب النبوة وقصور البشرية:
جاءت «لام
التعليل» لتكشف الهدف من الرحلة، واستخدم حرف «مِنْ» التي تفيد التبعيض، وهذا من
أدق اللمسات الإعجازية؛ فالله أراه بعض آياته الكبرى وليس كلها؛ لأن القدرة
البشرية مهما بلغت من الكمال تظل قاصرة عن الإحاطة بكل آيات الله المطلقة، إنه
تكريم روعيت فيه الطبيعة البشرية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتوضيح بأن الغاية
كانت المشاهدة العينية؛ لتتحول أخبار الغيب إلى يقين المشاهدة.
تاسعاً: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».. حسن الختام لدائرة الإعجاز:
انتهت الآية
بضمير الفصل «هُوَ» الذي يفيد الحصر، والجمع بين السمع والبصر:
السميع: لمقالة
المشركين وتكذيبهم، وسميع لمناجاة نبيه في رحلته.
البصير: بحال
النبي صلى الله عليه وسلم، وبصير بتفاصيل المسافات والآيات، هذا الختام يتناسب
تماماً مع موضوع «الإسراء» (الذي قد يخفى عن الأسماع) و«الرؤية» (لنُريه) التي
تتطلب البصر، إنه إعجاز التناسب الذي يربط ختام الآية بصدرها في وحدة موضوعية
مذهلة.
إن الإعجاز
البلاغي في آية الإسراء يتجلى في قدرتها على حمل حدث كوني هائل في كلمات معدودة، لقد
جمعت الآية بين العقيدة (سبحان)، والتاريخ (من المسجد إلى المسجد)، والتشريف
(بعبده)، إنها بناء دلالي لا يمكن استبدال حرف منه بآخر، وهو ما يثبت أن هذا
البيان ليس من صنع البشر، بل هو وحي من لدن حكيم خبير، أراد أن يظل هذا النص
شاهداً على إعجاز الرسالة المحمدية إلى يوم الدين.
اقرأ أيضاً:
- الإسراء
والمعراج بين العقل والإيمان
- «لِيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي».. بلاغة «كيف» في تعميق اليقين وترسيخه