«لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».. بلاغة «كيف» في تعميق اليقين وترسيخه
يمثل الاستفهام
في اللغة العربية أحد أهم أساليب الطلب التي قد تخرج عن معناها الأصلي لتعبر عن
أغراض بلاغية شتى، غير أن الاستفهام في القرآن الكريم يكتسب خصوصية تجعله يتميز عن
كلام البشر تميزًا جوهريًا؛ إذ إن الاستفهام البشري يصدر غالبًا عن طلب الاستعلام
عن أمر خفي، أو مجهول، أو تعبير عن تردد في أمر ما.
أما الاستفهام
القرآني، فهو صادر عن علم محيط، وحكمةٍ بالغة، وتوجيهٍ ربانيّ، ويُساق لأغراض
دلالية مقصودة؛ كالتقرير، والتوجيه، وإقامة الحجة، وبناءً على ذلك، فإن الاقتصار
على فهم أدوات الاستفهام القرآنية في معانيها الأصلية، دون استحضار السياق الذي
وردت فيه، قد يؤدّي إلى قصور في الفهم، وربما إلى خطأ في إدراك المقصد الرباني.
الماهية اللغوية والبلاغية للاستفهام
الاستفهام في
أصله اللغوي مشتق من «الفهم»، وهو إدراك الشيء والعلم به (المحيط في اللغة)، فهو
أسلوب لغوي يُقصد به طلب الفهم، سواء تعلّق بمفرد أو بنسبةٍ أو بحكمٍ من الأحكام،
ويشترط فيه تصدّر الكلام، فلا يتقدّم عليه شيء من عناصره. (المفصل في صنعة الإعراب
للزمخشري، ص 438).
إلا أن هذا
المفهوم «الطلبي» يتغير حين يتصل بالذات الإلهية؛ فالله عز وجل لا يطلب فهماً
لمجهول، وإنما يوجه عقل المخاطب نحو حقيقة غائبة أو يقرره بحقيقة مستقرة، ومن هنا
درج البلاغيون والمفسرون على التأكيد أن الاستفهام لا يُفهم بدلالته الصرفية
وحدها، وإنما يُستبان مراده من خلال ما يحيط به من قرائن لفظية وحالية، ومن موقعه
في الخطاب، ومن الغاية التي سيق لها.
«كيف» وأثرها في توجيه المعنى السياقي
من أدوات
الاستفهام المركزية «كيف»، والأصل فيها أنها أداة يُسأل بها عن الحال والهيئة
والطريقة، لا عن أصل الفعل ولا عن إمكان وقوعه؛ فهي موجَّهة إلى بيان الكيفية
وصورة الحدث، لا إلى إثبات وجوده أو نفيه، ومن ثمّ فإن إغفال موقع الأداة، وحملها
على معناها الحرفي المجرد، يؤدي إلى اضطراب المعنى عند القارئ، وربما إلى إساءة
تفسير النص وفهمه، إن «كيف» في القرآن الكريم تعمل كمفتاح دلالي ينقل الذهن من
السؤال عن «المستحيل» إلى التأمل في «الممكن» العظيم، وهو ما يفتح آفاقاً رحبة
لترسيخ اليقين.
«الاستفهام التفكري» جسر نحو اليقين
إن الانتقال من
التنظير اللغوي إلى التطبيق القرآني يكشف لنا عما يمكن تسميته بـ«الاستفهام
التفكري»؛ وهو نوع من التساؤل يهدف إلى تعميق الإدراك بآيات الله وسننه في الكون، هذا
النوع من الاستفهام يحرر النفس من عقلية القلق إلى عقلية الوعي؛ فالسؤال عن «كيف»
يحرر النفس من التعلّق بالنتائج المجهولة، ويعلم الإنسان أن اليقين لا يناقض
التأمل، بل يزداد به رسوخًا.
مدرسة الخليل إبراهيم في طلب الطمأنينة
من أظهر النماذج
البلاغية التي بُيَّنت فيها دقة استعمال «كيف» قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن
لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: 260)، وهنا نجد تحليلاً دقيقاً للقيمة
التعبيرية لهذه الأداة:
1- نفي الشك
بالبنية اللغوية: استفهام إبراهيم عليه السلام لم يكن متعلّقًا بأصل الإحياء ولا
بإمكان وقوعه، إذ إن ذلك أمرٌ مقطوع به في عقيدته، وإنما تعلّق بكيفية الإحياء
وهيئته، وقد دلّ على ذلك اختيار «كيف» دون غيرها؛ إذ لو كان المقصود الشك لقيل: «أتحيي
الموتى؟»، لا «كيف تحيي الموتى؟».
2- دلالة «بلى»
والتقرير الإيماني: لا يصحّ القول: إنّ إبراهيم سأل ربَّه عن شكٍّ؛ إذ لو كان كذلك
لما أجاب بقوله تعالى: (أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ)، فإنّ «بلى» لا تكون إلا لإثبات الإيمان ونفي ما
يُتوَهَّم من إنكاره.
3- الوجه الإعرابي وأثره: جملة (كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) واقعةٌ في موضع نصب، متعلِّقةٌ بالفعل «أرني»؛ إذ التقدير: أرني كيفيةَ إحياء الموتى، ذلك أنّ «كيف» اسمُ استفهامٍ منصوبٌ لتعلُّقه بالفعل «تُحيي»، وأمّا قوله: (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فمتعلِّق بمحذوف، تقديره: سألتُ ذلك ليطمئنَّ قلبي، وهو تعليلٌ صريح يرفع توهُّم الشك. (التبيان في إعراب القرآن للعكبري، 1/ 2011).
4- تفسير الطمأنينة: معنى قوله (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)؛ أي: ليزداد قلبي يقينًا فوق يقينه، لا ليطمئنّ بعد شكٍّ، إذ إنّ هذا المعنى ممتنع في حقّ نبيٍّ قد تقرّر إيمانه، وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكاً في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة
لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أخبرت عنه. (فتحُ البيان في مقاصد القرآن للقنوجي،2/ 109).
التفكر في آيات الرحمة وإحياء الأرض
نظيرة أخرى
للاستفهام التفكري تظهر في قوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتِهَا) (الروم: 50)، فالاستفهام هنا ليس لطلب العلم بإحياء
الأرض، إذ هو مشاهد معلوم، وإنما لتوجيه النظر إلى هيئة الإحياء وطريقته، ليكون
ذلك أدعى للاعتبار والاستدلال على القدرة الإلهية.
وتتجلى الوظيفة
البلاغية هنا في مستويين:
الأول: المستوى
التقريري: الاستفهام هنا يوجه العقل نحو التأمل الواعي، مستشهداً بموت الأرض جدباً
وإحيائها غيثاً كبرهان مادي على إرادة الخالق.
الآخر: المستوى
الدلالي للإسناد: إن إسناد فعل «الإحياء» إلى الذات الإلهية ينقل المشهد من مجرد رؤية
بصرية إلى بصيرة إيمانية بهدف التنبيه إلى عظيم القدرة، وتمهيداً لحقيقة البعث
والنشور.
أثر الاستفهام في بناء الإدراك وتوازن الشخصية
يبرز هذا التصور
القرآني وعياً متجدداً يقوم على التسليم مع التفكّر؛ فالاستفهام بـ«كيف» يعلّم
المؤمن أن طلب زيادة اليقين لا ينافي الإيمان، وأن التفكّر في أفعال الله وسننه
بابٌ من أبواب تعميق العقيدة لا التشكيك فيها، كما يكشف عن كمال الأدب مع الله
تعالى في السؤال، إذ يكون موجَّهًا إلى الكيفية لا إلى أصل القدرة، فيتحقق الجمع
بين التعظيم، وحضور القلب، ونمو اليقين.
علاوة على ذلك،
فإن هذا الأسلوب يوجّه النفس إلى الفهم العميق للأحداث والظواهر، بدل التوقف عند
نتائجها الظاهرة، ويحوّل التساؤل من مصدر اضطراب إلى أداة طمأنينة ونمو داخلي، وبهذا
يغدو الاستفهام التفكري ممارسة نفسية واعية تبني اليقين، وتعمّق الفهم، وتوازن
الانفعال في مواجهة الحياة.
في ختام هذا
البيان، يتضح أن الاستفهام في القرآن الكريم ليس أداة لغوية عابرة، بل هو مفتاح
دلالي بالغ الأثر، يُسهم في ترسيخ العقيدة، وبناء اليقين، وتوجيه العقل إلى التفكر
الواعي.
إن خصوصية
استخدام «كيف» تنقل المسلم من مرحلة التصديق النظري إلى مرحلة المشاهدة القلبية
والاطمئنان الروحي، ويظهر من دقّة توظيف هذا الأسلوب جانب عظيم من جوانب الإعجاز
البياني للقرآن، الذي يخاطب العقل والقلب في آن واحد، ليظل المؤمن في ترقٍّ دائم
في معارج اليقين، مردداً بلسان الحال والمقال: «ليطمئن قلبي».
اقرأ
أيضاً:
- سحر
البيان في رفع "الصابئون" بين قواعد النحو ولطائف الإعجاز
- إعجاز
النظم القرآني.. قراءة في تحولات المعنى بين «لو» الشرطية و«ولو» الاستقصائية
- بين
«سحر البيان» و«بيان السحر».. كيف حددت اللغة مصير الساحر؟