فتنة الثناء ومقام العالم
مسلم بن يسار.. كيف يحفظ العالِم قلبه من فتنة المديح؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء» خبرًا عن مُسْلِم بْن يَسَارٍ(1)، يقول
عنه: الْقُدْوَةُ، الْفَقِيهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو عَبْدِاللَّهِ الْبَصْرِيُّ،
مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ مِنْ مَوَالِي طَلْحَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورَوَى عَنْ
عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَلَمْ يَلْقَهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ
عُمَرَ، وَأَبِيهِ يَسَارٍ -فَقِيلَ: لِأَبِيهِ صُحْبَةٌ- وَعَنْ أَبِي
الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، حَدَّثَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ
سِيرِينَ -وَهُوَ مِنْ طَبَقَتِهِ- وَقَتَادَةُ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ،
وَأَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، وَآخَرُونَ.
وقَالَ ابْنُ
عَوْنٍ: كَانَ لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي زَمَانِهِ، وَقَالَ ابْنُ
سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، فَاضِلًا، عَابِدًا، وَرِعًا، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
حَمَلَةَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ دِمَشْقَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا
أَبَا عَبْدِاللَّهِ، لَوْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ بِالْعِرَاقِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ
مِنْكَ، لَأَتَانَا بِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ لَوْ رَأَيْتُمْ أَبَا قِلَابَةَ.
ورَوَى هِشَامٌ،
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ خَامِسُ خَمْسَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ
الْبَصْرَةِ، وَرَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ
أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ مُتَمَنِّيًا، لَتَمَنَّيْتُ فِقْهَ
الْحَسَنِ، وَوَرَعَ ابْنِ سِيرِينَ، وَصَوَابَ مُطَرِّفٍ، وَصَلَاةَ مُسْلِمِ
بْنِ يَسَارٍ.
ورَوَى حُمَيْدُ
بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ هَذَا الْمَسْجِدَ وَمَا
فِيهِ حَلْقَةٌ تُنْسَبُ إِلَى الْفِقْهِ إِلَّا حَلْقَةَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ(2).
في ترجمة قصيرة
نسبيًا، يرسم الذهبي شخصية تكاد تجمع عناصر ثلاثة نادرًا ما تجتمع في صورة واحدة
بهذه الكثافة؛ الفقه، والعبادة، والورع، فمسلم بن يسار ليس زاهدًا بعيدًا عن مجالس
العلم، ولا فقيهًا اشتهر بالدرس وحده، بل رجل تدل الشهادات المنقولة عنه على حضور
علمي قوي في البصرة، وعلى عبادة حتى أصبحت صلاته نفسها مضرب المثل بين معاصريه، لكن
أكثر ما يكشف بناء شخصيته ليس كلمات الناس في مدحه، وإنما طريقته هو في التعامل مع
ذلك المديح، فعندما ذهب إلى دمشق وقيل له كلام يرفعه فوق أهل العراق جميعًا، لم
يدخل في مناقشة طويلة عن منزلته، ولم يستثمر اللحظة لتثبيت صورته، بل أدار الضوء
بعيدًا عن نفسه وقال: «كيف لو رأيتم أبا قلابة»، وهنا تنتقل الترجمة من مجرد تعداد
للمناقب إلى سؤال أعمق: ماذا يفعل العالم عندما تصبح سمعته أكبر من حاجته إليها؟
لماذا تميزت البصرة بالجمع بين الفقه والزهد؟
لا يمكن فهم
منزلة مسلم بن يسار دون استحضار البيئة التي ظهر فيها، فالبصرة في القرن الأول
الهجري لم تكن مدينة عادية في حركة العلم؛ بل تحولت إلى أحد المراكز الكبرى التي
التقت فيها رواية الحديث، والفقه، واللغة، والزهد، والتربية، وفي هذه البيئة برزت
أسماء مثل الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومطرف بن عبدالله، وقتادة، وثابت
البناني، وأيوب السختياني، ومن ثم فإن قول قتادة إن مسلم بن يسار «خامس خمسة من
فقهاء البصرة» لا يضعه في قائمة شكلية، وإنما يدخله في طبقة علمية ثقيلة الوزن.
بل ينقل ابن عون
صورة أشد دلالة حين يقول: «أدركت هذا المسجد وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة
مسلم بن يسار»، كانت البصرة ميداناً يتربى فيه السالك بين حلقة الفقه ومحراب
العبادة، حيث قرر مالك بن دينار تلك الحقيقة بقوله: «إن العبد إذا طلب العلم للعمل
كَسَرَهُ علمُه، وإذا طلبه لغير العمل لم يزده إلا فخراً وجرأة»(3)، فالحلقة
التي «تنسب إلى الفقه» ليست مجرد مجلس للوعظ، وإنما مكان يقصده الناس لفهم
الأحكام، ومع ذلك فإن هذا الحضور العلمي لم يبتلع بقية الشخصية، بل ظل إلى جواره
وجه آخر وهو العبادة.
كيف يتحول العلم الشرعي إلى خشية وعبادة؟
من أجمل
الشهادات التي وردت في النص قول العلاء بن زياد: «لو كنت متمنيًا، لتمنيت فقه
الحسن، وورع ابن سيرين، وصواب مطرف، وصلاة مسلم بن يسار»، هذه العبارة تقدم خريطة
دقيقة لفضائل كبار أهل البصرة: لكل رجل باب اشتهر فيه حتى أصبح اسمه علامة عليه،
وكانت علامة مسلم: الصلاة، لكن اللافت أن الرجل الذي اشتهر بصلاته هو نفسه صاحب
حلقة الفقه، وهذه الازدواجية تكشف عن معنى تربوي بالغ الأهمية؛ أن المعرفة عند
مسلم لم تكن بديلًا عن العبادة، والعبادة لم تكن تعويضًا عن ضعف في العلم.
هذا التوازن
العظيم يذكر بموقف سعيد بن المسيب، الذي كان إمام فقهاء المدينة، ومع ذلك نُقل عن
مولاه بُرد قوله: «ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد»(4)،
فلم يقطعه علمه وفقهه بالمستجدات عن ملازمة المحراب، ويقرر القرآن أصلًا جامعًا في
الصلة بين المعرفة والخشية: (إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالمقصود ليس أن
تحصيل المعلومات ينتج الخشية آليًا، وإنما أن العلم الحقيقي بالله ينبغي أن يترك
أثره في القلب والعمل، ولهذا تبدو صلاة مسلم امتدادًا طبيعيًا لفقهه لا مجالًا منفصلًا
عنه.
كيف يختبر المديح الصادق إخلاص العالم وورعه؟
يقول أهل دمشق
لمسلم: «لو علم الله أن بالعراق من هو أفضل منك، لأتانا به»، هذه ليست مجاملة
عادية؛ فالعبارة تجعله أفضل أهل العراق، وتربط وصوله إليهم بتقدير إلهي، إنها صيغة
من المديح يمكن أن تصنع داخل الإنسان صورة شديدة الخطورة عن نفسه، الاختبار يشتد
عندما يأتي الثناء من جماعة صادقة ويستند إلى فضل حقيقي.
ولذلك حذر النبي
صلى الله عليه وسلم من فتنة المديح، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع
النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة، فقال صلى الله
عليه وسلم: «أهلكتم -أو قطعتم- ظهر الرجل»(5)، لما في الإطراء المفرط
من تحويل الفضل إلى غرور وتضخم للذات، وهو الخوف ذاته الذي استشعر أمير المؤمنين
عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طُعن ودخل عليه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
يذكره بفضله وسابِقَته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: «وددت أني خرجت
من عملي خيره بشره وشره بخيره كفافًا لا عليَّ ولا لي، وخلص لي عملي مع رسول
اللَّه صلى الله عليه وسلم»(6)، والقرآن يضع أمام المؤمن ميزانًا
حاسمًا: (فَلَا تُزَكُّوا
أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (النجم: 32).
لماذا ذكر مسلم بن يسار أبا قلابة عند مدحه؟
كان يمكن لمسلم
أن يقول: لست كما تظنون، أو يصمت، لكنه فعل شيئًا آخر: أدخل رجلًا غائبًا إلى
المجلس وقال: «كيف لو رأيتم أبا قلابة»، بهذه الكلمات تغير مركز الحديث؛ فقبلها
كان مسلم هو الموضوع الوحيد، وبعدها صار هناك رجل آخر يستحق أن يعرفوه ويعجبوا به،
وهذا من أدق صور التواضع؛ أن يبقى الإنسان قادرًا على رؤية فضائل غيره في اللحظة
التي يرفعه فيها الناس.
هذا الموقف
يتناغم مع موقف القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رحمه الله، حين جاءه أعرابي
يسأله: «أنت أعلم أم سالم بن عبدالله؟»، فكره القاسم أن يزكي نفسه أو ينتقص من
قرينه، فرد الأمر ولم يستأثر بالثناء قائلًا: «ذاك منزل سالم»(7)، لم
يجزم مسلم بتفضيل أبي قلابة مطلقًا في كل خصلة، لكنه قطعًا صحح صورة المادحين
وأعاد تذكيرهم بأن العراق فيه من أهل الفضل من لم يروه.
لماذا يرحب العلماء الصادقون بوجود الأكفاء والمنافسين؟
من أخطر ما يصيب
البيئات العلمية والفكرية أن تتحول المكانة إلى مورد نادر يتنافس عليه الجميع، لكن
موقف مسلم يقوم على منطق مختلف؛ فمكانة أبي قلابة لا تسلبه شيئًا، وهذا المعنى
يتسق مع المنهج النبوي في توزيع الفضائل وعدم احتكارها في شخص واحد، كما روى أنس
بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أرْحَمُ أمَّتِي
بِأمَّتِي أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّها فِي دِينِ الله عُمَرُ، وأصْدَقُها حَياءً
عُثْمانُ، وأعْلَمُها بالحَلالِ وَالحَرَامِ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وأقْرَؤُها
لِكِتَابِ الله أُبَي، وأعْلَمُها بالفَرَائِض زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ؛ وَلِكُلّ أمّةٍ
أمِينٌ، وأمِينُ هَذِهِ الأمَّةِ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ»(8).
وهو الإنصاف
ذاته الذي تجلى في موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه، حين رأى عبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنه يخرج ماله، فقال معترفًا بفضل قرينه دون ضيق أو منافسة: «مَا
يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْتَدَّ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ فَضْلًا فِي
الهِجرَتَيْنِ جَمِيعًا، يَعْنِي: هِجْرَتَهُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهِجْرتَهُ إِلَى
الْمدِينَةِ»(9)، فالعالم الصادق يفرح بوجود الأكفاء؛ لأن غايته انتشار
المعرفة واستقامة الدين.
كيف يجمع جواب العالم بين التواضع والعدل؟
يمكن قراءة
عبارته من زاويتين: الأولى أخلاقية كره فيها المبالغة في مدحه، والثانية علمية رأى
فيها أن حكم أهل دمشق صدر من اطلاع ناقص على علماء العراق، وهذا يذكرنا بميزان
سعيد بن المسيب رحمه الله في الإنصاف وتقويم الرجال حين قال: «إنه ليس من شريف ولا
عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه: من كان
فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله»(10)، فالعالم ينبغي أن يكون أمينًا
في تقويم الرجال وتصحيح المبالغات التي تصنعها الجماهير حوله.
كيف نتعامل مع المديح في زمن الشهرة؟
نهى الشارع
الحكيم عن المبالغة في الثناء القاطع لأعناق الرجال، وأمر المقداد بن الأسود
وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما بالتعامل الحاسم مع المداحين تطبيقاً لقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ
التُّرَابَ»(11)، فالمديح الذي يتحول إلى فتنة يغرس في نفس الممدوح
طغيان الصورة الذاتية، ومسلم بن يسار بموقفه العملي لم يسمح لثناء دمشق بأن يتحول
إلى ترتيب قطعي للناس بناءً على إعجاب مجلس محدود.
الفرق بين التواضع والهروب من النفع العام
مسلم بن يسار
كان يدير حلقة فقه، ويروي الحديث، ويقصده كبار التابعين، ولم يمنعه الورع من
التعليم، والتواضع لا يعني ادعاء الجهل، بل أن يقوم العالم بوظيفته من غير أن
يحولها إلى دليل على تفوق ذاته عندالله.
هذا الجمع
الاستثنائي بين علو المنزلة وشدة الخوف تجلى في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
الذي بلَغ الغاية في العدل والفضل، ومع ذلك كان يذهب إلى حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه يسأله بوجل: «يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سمّاني لك رسول الله مع المنافقين؟»(12)،
وتتجلى هذه الحقيقة في الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) (المؤمنون: 60)، وقد
سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:
أهُم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا بِنْتَ
الصِّدِّيقِ -أَوْ يَا بِنْتَ أَبِي بَكر- الَذِينَ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ
وَهُمْ يَفْرَقُونَ أَنْ لا تُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَيَفْرَقُونَ
أَنْ لا تُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ»(13).
لماذا ارتبط اسم مسلم بن يسار بالصلاة؟
في شهادة العلاء
بن زياد لم يقل: أتمنى علم مسلم، بل قال: «وصلاة مسلم بن يسار»، صورة مسلم تقدم
الاتجاه الأصيل: كلما اتسعت دائرة علمه بقي المحراب حاضراً، هذا الحال يشبه تماماً
حال عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما؛ فمع كونه فقيهًا ومقداماً، إلا أن صلاته هي
التي ضربت بها الأمة الأمثال، حتى قال مجاهد في وصفه: «كان ابن الزبير إذا قام في
الصلاة كأنه وتد»(14)، فالمرء قد يتحدث عن القيم، لكن المحك الحقيقي
يظهر عندما يغلق الباب ويكون وحده بين يدي ربه.
توزيع الفضائل بين علماء الجيل الأول بالبصرة
تكشف عبارة
العلاء بن زياد عن معنى جميل: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وصواب مطرف، وصلاة مسلم،
ليس المطلوب أن يكون رجل واحد أفضل الناس في كل باب؛ فقد كان في ذلك الجيل من يبرز
في الفقه، ومن يعرف بالورع، ومن يمتاز بالصلاة، المجتمعات القوية لا تحتاج إلى بطل
واحد يحتكر الفضائل كلها، وإنما إلى شبكة من الأكفاء يكمل بعضهم بعضاً.
أثر الثناء على الأقران في تربية الطلاب
العالم يعلم
الناس بردة فعله عندما يُذكر أمامه منافس أو قرين، وموقفه هذا يذكر بما كان يفعله
الإمام الشافعي رحمه الله في ثنائه الخالد على قرينه الإمام أحمد بن حنبل رحمه
الله حين كان يقول أمام طلابه: «خرجت من بغداد فما خلّفتُ بها أحداً أتقى ولا أورع
ولا أفقه من أحمد بن حنبل»(15)، فالأستاذ الذي يشير إلى من هو أقدر منه
في باب معين، لا يخسر مكانته بل يعلم طلابه الأمانة وينبذ المنافسة الشخصية
المذمومة.
كيف تصنع الصلاة الصادقة مقاومة لفتنة الإعجاب؟
ليس مصادفة أن
الرجل الذي عُرف بصلاة عظيمة هو نفسه الذي لم يبتلع مديح أهل دمشق؛ فالعبادة
الصادقة تعيد ترتيب المقاييس، وتتجلى هذه الحقيقة في موقف الإمام علي بن الحسين
(زين العابدين) رحمه الله، الذي كان إذا توضأ أخذته رعدة واصفر لونه، فقيل له في
ذلك، فقال: «تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟»(16)، فالوقوف الطويل في
الخلوة بين يدي الله يصنع في النفس تواضعاً مستقراً، ويجعل العبد غير مفتون بوقوف
الناس بين يديه في العلن.
علاج تضخم الذات في عصر المتابعات والشهرة
في عصرنا
الحديث، تحول المديح والصورة الشخصية إلى صناعة كاملة، وأصبح المرء يتابع أرقام
معجبيه ورأي الجمهور فيه، وهنا تأتي قاعدة بكر بن عبدالله المزني رحمه الله علاجاً
لآفة مركزية الذات حين قال: «إِذَا رَأَيْتَ أَكْبَرَ مِنْكَ؛ فَقُلْ: سَبَقَنِي
بِالإِسْلامِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِذَا رَأَيْتَ
أَصْغَرَ مِنْكَ؛ فَقُلْ: سَبَقْتُهُ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي؛ فَهُوَ خَيْرٌ
مِنِّي»(17)، وتأتي جملة مسلم بن يسار «كيف لو رأيتم أبا قلابة» لتأمر
الإنسان بأن يرفع رأسه عن مرآة إعجابه بذاته وينظر إلى أقدار الآخرين بإنصاف.
مسلم بن يسار.. كيف تغلب الإنصاف والتواضع على بريق المديح؟
قد تكون أعظم
دلالة في هذه الترجمة أن الفقه لم يمنح مسلم بن يسار مكانة اجتماعية فقط، بل أسهم
في تهذيب علاقته بتلك المكانة، فهو صاحب حلقة الفقه، ومع ذلك ينكر الثناء ويحيل
الفضل لغيره، وهذا المنهج هو الذي جسده عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين التف
الناس حوله يمشون خلفه في الكوفة، فالتفت إليهم وقال حارساً قلبه من فتنة الشهرة:
«عَلَامَ تَتَّبِعُونِي؟ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابِي
مَا اتَّبَعَنِي مِنْكُمْ رَجُلَانِ»(18).
إن الامتحان الدقيق لأهل العلم والفضل ليس في كم المعلومات التي يحفظونها، بل فيما يفعله العلم بصورة أنفسهم، مسلم بن يسار يقدم الصورة الأسمى للفقيه الذي زاده العلم تواضعاً وانكساراً؛ فلم يرفض النفع، ولم يتخل عن مسؤوليته في التعليم، بل قام بدوره دون أن يعبد صورته الذاتية، لقد أراد أهل دمشق أن يجعلوه الرجل الذي لا يوجد في العراق أفضل منه، فأجابهم باسم رجل آخر، وفي تلك النقلة القصيرة من الذات إلى «أبو قلابة» تختصر مدرسة كاملة في أخلاق العلماء؛ أن يبقى القلب أوسع من أضواء الشهرة، وأن يكون الإنصاف أقوى من بريق المديح.
الهوامش
- 1 مسلم بن يسار البصري، أبو عبدالله الأموي مولاهم، إمام ومفتٍ من كبار التابعين وثقاتهم، عُرف بالفقه ورواية الحديث، واشتهر بالزهد والورع والخشوع العظيم في الصلاة حتى ضُرب به المثل، سكن مدينة البصرة فكان فقيهها وعابدها، وتوفي بها سنة 100هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 511).
- 3 تاريخ دمشق لابن عساكر (56/ 434/ 7166)، وقال المصنف: حلية الأولياء (2/ 372)، وسير أعلام النبلاء (5/ 362).
- 4 صفة الصفوة (1/ 346/ 159).
- 5 جمع الجوامع (22/ 668) (650/ 40).
- 6 المرجع السابق (16/ 440) (2/ 3112).
- 7 سير السلف الصالحين (3/ 900).
- 8 نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (11/ 315) (4/ 2541)، وقال الشوكاني: رَوَاهُ أحْمَدُ في المسند (3/ 184) بسند صحيح، وَابْنُ ماجَهْ في سننه (154)، وَالتِّرْمِذِيّ في سننه (3791)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وَالنَّسائيّ في السنن الكبرى (7/ 345/ 8185).
- 9 جمع الجوامع (17/ 36) (3/ 329).
- 10 صفة الصفوة (1/ 347).
- 11 مسند أحمد (9/ 496/ 5684)، وقال أحمد: صحيح لغيره، عطاء بن أبي رباح مختلف في سماعه من ابن عمر، فقال ابن معين وأحمد - فيما ذكر ابن أبي حاتم في "المراسيل" صِ 128-129: لم يسمع منه، وإنما رآه رؤية، وقال الفضلُ بنُ دكين- فيما ذكر البخاري في "التاريخ الكبير(6/ 464): سمع منه، وبقيةُ رجاله ثقات رجال الصحيح، عفان: هو ابن مسلم الصفار، وعلي بن الحكم: هو البناني.
- 12 مدارج السالكين (1/ 550)، وذكر ابن القيم في الحاشية أخرجه وكيع في الزهد (477)، وابن أبي شيبة (38545) من طريقين عن زيد بن وهب بنحوه، وإسناده صحيح، وأخرجه البزار في المسند (2885) بنحوه من طريق آخر عن وائل عن حذيفة، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 42): ورجاله ثقات، وقال ابن حجر في مختصر زوائد البزار (590): إسناده صحيح.
- 13 مسند أبي يعلى (7/ 91/ 4915).
- 14 المصنف، ابن أبي شيبة (19/ 433/ 37555).
- 15 تهذيب التهذيب (1/ 189/ 103).
- 16 المجالسة وجواهر العلم (3/ 154/ 787).
- 17 المرجع السابق (5/ 272/ 2116).
- 18 التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (78/ 52).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً