تركيا وباكستان والسعودية.. التحالف الثلاثي في منظور الكيان الصهيوني (1)

أعلام_السعودية_وتركيا_وباكستان

في 7 أغسطس الماضي، أعلنت كلٌّ من تركيا وباكستان والسعودية عن توقيع اتفاق دفاعي ثلاثي فيما بينها، عُرف بـ«اتفاق مكة للدفاع المشترك»، وهو تحالف من أهم ما أُعلن من مبادئه التعامل مع أي اعتداء على واحدة من الدول الثلاث على أنه اعتداء على جميع أعضائه.

وبطبيعة الحال، وبحكم طبيعة الكيان اللقيط وأطماعه وعربدته في المنطقة، وإصراره وداعميه الكبار على أن يبقى متفوقًا على جميع بلدانها، لا سيما من حيث القدرات العسكرية؛ فمن المؤكد أن تحالفًا عسكريًّا كهذا لن يمر عليه مرور الكرام، فما رؤيته لهذا التحالف من حيث طبيعة بنيته ونوعية أعضائه وأهدافهم منه؟ وهل يُشعره الأمر بخطر ما؟ وإذا كان، فإلى أي مدى؟ وما الخطوات التي يراها ملائمة لمواجهة الموقف؟ هذا ما يسعى المقال للإجابة عنه؛ من تصريحات مسؤولي الكيان ومن واقع صحافته، التي تناولت الأمر من عدة محاور.

تقييم التحالف ومدى قدراته

البداية مع بن درور، الذي كتب عن التحالف تحت عنوان يعبّر عن جانب من رؤيته: «لا تستهينوا بالتحالف الثلاثي»، ومما جاء فيه: «.. تم تشكيل تحالف دفاعي مشترك بين ثلاث دول مهمة وقوية؛ اثنتان منها، تركيا والسعودية، تتنافسان على زعامة العالم الإسلامي، بالإضافة إلى مصر المرشحة للانضمام إلى هذا التحالف، والتي تطمح بدورها إلى تزعّم العالم العربي، ولا ينبغي الاستهانة بهذا التحالف؛ لأن باكستان أقرب إلى إيران، بينما تُعدّ طهران حتى الآن عدوًّا للسعودية».

ومع أنه أكد المعنى نفسه في سياق مقاله أكثر من مرة؛ إلا أنه يشكك، من ناحية أخرى، في إمكانية نجاح التحالف وتحقيق أية فائدة عملية لأعضائه، وأنه سيلحق في هذا بالأُطر العربية والإسلامية الأخرى الحالية والسابقة؛ إذ يقول: «يرتبط العالم العربي والإسلامي بشبكة من التحالفات، مثل منظمة التعاون الإسلامي التي تضم 57 دولة، وجامعة الدول العربية التي تضم 22 دولة، التي يوجد إلى جانبها مجلس التعاون الخليجي، ويبدو أن الأشهر الأخيرة أثبتت عجزها عن التوحد حتى في مواجهة إيران التي تستغلها دون رد فعل جاد.

كما أن «الجمهورية العربية المتحدة»، التي تأسست عام 1958م وضمت مصر وسوريا، لم تدم سوى 3 سنوات، ولم تمنع كل هذه التحالفات حربًا واحدة ولا صراعًا واحدًا، والتحالف الجديد بين تركيا وباكستان والسعودية، مع إمكانية انضمام مصر، ليس الأول ولا الأخير في هذه القائمة».

ويستطرد بن درور مؤكِّدًا رؤيته هذه من خلال واقع العلاقات بين بلدان العالمين العربي والإسلامي، كما يراه: «كان من المفترض أن تُسهم هذه التحالفات في التقارب بين الدول الإسلامية والعربية، فهم في نهاية المطاف ينتمون إلى الدين نفسه، وفي مناطق واسعة يتشاركون اللغة والثقافة.. فمنذ قيام الدولة (يقصد كيانه المجرم) وحتى اليوم، قُتل نحو 12 مليون شخص في حروب العالم العربي والإسلامي، وفي العقد الماضي وحده، لم تكن المعارك في ليبيا والسودان واليمن وسوريا مجرد حروب داخلية، بل عادة ما تتنازع الدول العربية على مناطق النفوذ داخلها، مما يُفاقم المذابح الجماعية المتبادلة».

ويصل إلى الحكم على هذا التحالف بالفشل العسكري المبكر من خلال حيثيات الواقع؛ بقوله: «على الصعيد العسكري، فشل التحالف الإقليمي الجديد حتى قبل تشكيله؛ فلم تُحرّك باكستان وتركيا ساكنًا لحماية السعودية من القنابل الإيرانية، وما تزالان على موقفهما حتى اليوم، في ظل استمرار إيران و/أو وكلائها في إلحاق الضرر بالسعودية».

ثم يختتم مقاله بالقول: «.. ومع هذا، يُعدّ هذا التحالف ذا أهمية إستراتيجية؛ فهو يحمل في طياته إمكانية الإضرار بالولايات المتحدة و«إسرائيل» على حدٍّ سواء»، (בן דרור, לא לזלזל בברית המשולשת, ידיעות אחרונות، 11-8-2026).

للوهلة الأولى، قد يبدو كلام الرجل متناقضًا؛ بيد أنه بتفكيك مقاله وتحليله جيدًا، يمكننا تلخيص رؤيته لهذا التحالف بأنه، في وضعه الحالي، هش وغير فاعل، وأن عوامل نجاحه ضعيفة إلى حد بعيد؛ بيد أنه يحمل في طياته احتمال أن يتحول مستقبلًا إلى أمر جاد وقوة حقيقية قد تهدد دولته الغاصبة و«مصالح» الولايات المتحدة.

وليس الرجل في هذا وحده؛ هناك آخرون أيضًا يتبنون الرؤية المزدوجة نفسها؛ منهم زلمان شوفال، سفير «إسرائيل» السابق في واشنطن، إذ كتب ما نصه: «.. من وجهة نظر أنقرة، تُمثل هذه الاتفاقية ثقلًا موازنًا لقوة «إسرائيل» ونفوذها، ولا تُبشّر هذه الاتفاقية «إسرائيل» بالخير؛ لأنها تُرسّخ واقعًا جديدًا في الشرق الأوسط يُبعدها أكثر عن الاندماج في المنطقة».

إلا أنه يعود فيقول: «.. وصفت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» الاتفاقية بأنها «حلف شمال الأطلسي في الشرق الأوسط»، إلا أن هذا وصف مبالغ فيه؛ فالاتفاق يتضمن بندًا يشير إلى المادة (5) من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي تلزم الدول الأعضاء بالتدخل التلقائي لمساعدة أي دولة عضو تتعرض لهجوم، بيد أن هذا الاتفاق، على عكس الوضع في «الناتو»، لا يتضمن قيادة عسكرية موحدة أو آلية متفقًا عليها لتنفيذ الالتزامات المتبادلة، كما أن عضوية تركيا في «الناتو» قد تؤدي إلى تضارب في المصالح بين التزاماتها تجاه كلا الطرفين».

إضافةً إلى هذا، لا يُحدد الاتفاق الثلاثي عدوًّا مشتركًا؛ فالعدو المحتمل لباكستان هو الهند، وفي حالة تركيا هو اليونان، وللمملكة العربية السعودية حسابات خاصة مع الحوثيين في اليمن، بينما كان للناتو عدوٌّ مشترك واحد: الاتحاد السوفيتي.. وتجدر الإشارة إلى أن قضية الحوثيين تواجه اختبارًا مباشرًا بعد الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية»، (זלמן שובל, הברית הסונית החדשה שמאתגרת את מעמדה של ישראל במזרח התיכון, מעריב، 11-8-2026).

ومنهم كذلك الصحفي والمحلل تسفي برئيل، الذي كتب في هذا الصدد ما يلي: «تسعى السعودية وتركيا وباكستان إلى تشكيل تحالف إقليمي جديد يُمكّنها من بناء قدرات عسكرية مشتركة ونفوذ سياسي يسمح لها بفرض أجندة إقليمية، إلا أن مصر ما تزال خارج التحالف في الوقت الراهن؛ رغم كونها مرشحًا طبيعيًّا وهامًّا للغاية للانضمام إليه.. إن هذا الفارق ليس طفيفًا، بل يُظهر منذ البداية مدى محدودية قدرة التحالف الجديد على أن يصبح إطارًا إستراتيجيًّا واسع النطاق، فأبوابه مفتوحة نظريًّا لأي دولة ترغب في الانضمام»، (צבי בראל, הברית החדשה במזרח התיכון עשויה לקרב פתרון מדיני עם איראן, הארץ، 14-8-2026).

يشاركهم الرأي ذاته أمير نوي، عقيد احتياط ومعلّق سياسي وأمني؛ حيث عدّد أولًا عوامل القوة في هذا التحالف، قائلًا: «.. تُضيف تركيا إلى التحالف جيشًا ضخمًا، وصناعة دفاعية متطورة، وطائرات بدون طيار، وقوات جوية، وبحرية، وفوق كل ذلك، طموحات إقليمية تتجاوز حدودها.

وتُضيف السعودية المال والطاقة والعمق الجغرافي والموقع الإستراتيجي في الخليج، أما باكستان فتُضيف جيشًا ضخمًا وخبرة عملياتية، وقبل كل شيء، قدرة نووية».

ومع هذا، يشير إلى أن أخطار هذا التحالف بالنسبة لـ«إسرائيل» هي احتمال مستقبلي لا علاقة له بالواقع الراهن؛ «لم يعد هذا التحالف مجرد منتدى إسلامي آخر ينتهي ببيان ضد «إسرائيل»، بل يمثل إمكانية لتشكيل قوة عسكرية إقليمية كبيرة»، (אמיר נוי, הברית החדשה היא נורת אזהרה לישראל - זה הצעד שחייבים לעשות עישיו, מעריב، 10-8-2026).

هذه إذن الرؤية السائدة داخل الكيان الصهيوني إزاء التحالف الثلاثي الجديد وتقييمهم له: عدم القلق من التحالف وعدم الاكتراث به حاليًّا، وفي الوقت نفسه التخوف والتحسّب؛ لأن لديه إمكانية أن يشكل خطرًا ما عليهم في المستقبل.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة